429

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

محقق

الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي

الناشر

دار النوادر

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م

مكان النشر

دمشق - سوريا

١٣٢ - [٨] وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ (١)،
ــ
يموت ثم يعاد فيه الروح، ثم يموت، فيقول الطيبي: لا يبعد أن يتمسك بالحديث من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين، وهو صحيح.
ثم قد تمسك به المنكرون بعذاب القبر بهذه الآية، وقالوا: لو كان في القبر إحياء وإماتة لقالوا: ربنا أمتنا ثلاثًا وأحييتنا ثلاثًا، ولا يتم التمسك فإنهم ذكروا اثنين ولم يذكروا الآخر، ولا يجب ذكر الكل.
ثم لا يذهب عليك أنه يظهر مما ذكروا أن الميت بعد السؤال والعذاب والتنعيم وفتح باب الجنة والنار وإراءة المقعد من كل منهما يموت، ثم يحيى بالبعث، فتعلق الروح بالبدن في القبر يكون لأجل السؤال والتعذيب فقط، نعم شعور الروح باق حتى إنه يعرف الزائر كما جاء في الأخبار، فتدبر.
١٣٢ - [٨] (عثمان) قوله: (حتى يبل لحيته) أي: يبل عثمان لحيته بدموعه.

(١) أَيْ: مِنَ الْقَبْرِ يَعْنِي مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِ، قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَبْكِي -عُثْمَانُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ- إِمَّا لِاحْتِمَالِ أَنَّ شَهَادَتَهُ ﵊ بِذَلِكَ كَانَتْ فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ، أَوْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ آحَادًا، فَلَمْ يُفِدِ الْيَقِينَ، أَوْ كَانَ يَبْكِي لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَخَافُ مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ وَشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْجِنَّةِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِأَنْ يَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْتَرِزَ مِنْهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ وَلَا عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّبْشِيرُ مُقَيدًا بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الْفَظَاعَةِ، أَوْ بُكَاؤُهُ لِفَقْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، أَوْ لِابْتِلَائِهِ بِزَمَنِ الْجَوْرِ وَأَرْبَابِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ سَعْدِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كُلُّ سَعِيدٍ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. "مرقاة المفاتيح" (١/ ٢١٥).

1 / 435