اللهوف في قتلى الطفوف

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٧ هجري

مناطق
العراق
•
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على محمد وال محمد

صفحة ٤

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتجلي لعباده من أفق الألباب، المجلى عن مراده بمنطق السنة والكتاب، الذي نزه أوليائه عن دار الغرور، وسما بهم إلى أنوار السرور، ولم يفعل ذلك بهم محاباة لهم على الخلائق، ولا إلجاء لهم إلى جميل الطرائق، بل عرف منهم قبولا للألطاف، واستحقاقا لمحاسن الأوصاف، فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال، بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال، حتى فرغت نفوسهم عمن سواه، وعرفت أرواحهم شرف رضاه، فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله، وعطفوا آمالهم نحو كرمه وفضله، فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه، وتنظر إليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه، ولا تزال أشواقهم متضاعفة إلى ما قرب من مراده، وأريحيتهم مترادفة نحو إصداره وإيراده، وأسماعهم مصغية إلى

صفحة ٥

إستماع أسراره وقلوبهم مستبشرة بحلاوة تذكاره، فحياهم منه بقدر ذلك التصديق، وحباهم من لدنه حباء البر الشفيق، فما أصغر عندهم كل ما أشغل عن جلاله، وما أتركهم لكل ما باعد من وصاله، حتى أنهم يتمتعون بأنس ذلك الكرم والكمال، ويكسوهم أبدا حلل المهابة والجلال، فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن متابعة مرامه، وبقائهم حائل بينهم وبين إكرامه، خلعوا أثواب البقاء، وقرعوا أبواب اللقاء، وتلذذوا في طلب ذلك النجاح، ببذل النفوس والأرواح، وعرضوها لخطر السيوف والرماح، والى ذلك التشريف الموصوف سمت نفوس أهل الطفوف، حتى تنافسوا في التقدم إلى الحتوف، وأضحوا نهب الرماح والسيوف، فما أخصهم بوصف السيد المرتضى علم الهدى، رضوا الله عليه وقد مدح من أشرنا إليه فقال:

نفوس على الرمضاء مهملة * وأنفس في جوار الله يقربها كأن قاصدها بالضر نافعها * وإن قاتلها بالسيف محييها ولولا امتثال أمر السنة والكتاب، في لبس شعار الجزع والمصاب، لأجل ما طمس من اعلام الهداية، وأسس من أركان الغواية، وتأسفا على ما فاتنا من السعادة، وتلفها على امتثال تلك الشهادة، وإلا كنا قد

صفحة ٦

لبسنا لتلك النعمة الكبرى أثواب المسرة والبشرى.

وحيث في الجزع رضا لسلطان المعاد وغرض لأبرار العباد، فها نحن قد لبسنا سربال الجزوع وأنسنا بإرسال الدموع. وقلنا للعيون جودي بتواتر البكاء وللقلوب جدي جدثوا كل النساء، فإن ودائع الرسول صلى عليه واله وسلم الرؤوف أبيحت يوم الطفوف، ورسوم وصيته بحرمه وأبنائه طمست بأيدي أممه وأعدائه. فيالله من تلك الفوادح المقرحة للقلوب، والجرائح المصرخة بالكروب، والمصائب المصغرة لكل بلوى، والنوائب المفرقة شمل التقوى والسهام التي أراقت دم الرسالة والأيدي التي ساقت سبى الجلالة والرزية التي نكست رؤوس الأبدال والبلية التي سلبت نفوس خير الآل، والشماتة التي ركست أسود الرجال، والفجيعة التي بلغ رزؤها إلى جبرائيل، والفظيعة التي عظمت على الرب الجليل.

وكيف لا يكون ذلك وقد أصبح لحم رسوله مجردا على الرمال، ودمه الشريف مسفوكا بسيوف أهل الضلال، ووجوه بناته مبذولة لعين السائق والشامت، وسلبهن بمنظر من الناطق والصامت، وتلك الأبدان المعظمة عارية من الثياب، والأجساد المكرمة جاثية على التراب.

صفحة ٧

مصائب بددت شمل النبي ففي * قلب الهدى أسهم يطفن بالتلف وناعيات إذا ما مل من وله * سرت عليه بنار الحزن والأسف فيا ليت فاطمة وأبيها عينا تنظر إلى بناتها، وبنيها ما بين مسلوب وجريح ومسحوب وذبيح، وبنات النبوة مشققات الجيوب، ومفجوعات بفقد المحبوب، وناشرات للشعور، وبارزات من الخدور، ولاطمات للخدود، وعادمات للجدود، ومبديات للنياحة والعويل، وفاقدات للمحامي والكفيل، فيا أهل البصائر من الأنام، ويا ذوي النواظر والأفهام، حدثوا أنفسكم بمصارع هاتيك العترة، ونوحوا بالله لتلك الوحدة والكثرة، وساعدوهم بموالاة الوجد والعبرة، وتأسفوا على فوات تلك النصرة، فإن نفوس أولئك الأقوام، ودائع سلطان الأنام، وثمرة فؤاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقرة عين البتول، ومن كان يرشف بفمه الشريف ثنايا هم ويفضل على أمه أمهم وأباهم.

إن كنت في شك فسل عن حالهم * سنن الرسول ومحكم التنزيل فهناك أعدل شاهد لذوي الحجى * وبيان فضلهم على التفصيل ووصية سبقت لأحمد فيهم * جاءت إليه على يدي جبريل فيكف طاب للنفوس مع تدانى الأزمان، مقابلة احسان أبيهم بالكفران وتكدير عيشه بتعذيب ثمرة فؤاده،

صفحة ٨

وتصغير قدره بإراقة دماء أولاده، وأين موضع القبول لوصاياه بعترته وآله. وما الجواب عند لقائه وسؤاله. وقد هدم القوم ما بناه. ونادى الإسلام وا كرباه. فيا لله من قلب لا ينصدع لتذكار تلك الأمور. ويا عجباه من غفلة أهل الدهور. وما عذر أهل الإسلام والايمان. في إضاعة أقسام الأحزان. ألم يعلموا أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم موتور وجيع. وحبيبه مقهور صريع. والملائكة يعزونه على جليل مصابه. والأنبياء يشاركونه في أحزانه وأوصابه. فيا أهل الوفاء لخاتم الأنبياء علام لا تواسونه في البكاء، بالله عليك أيها المحب لوالد الزهراء، نح معها على المنبوذين بالعراء، وجد ويحك بالدموع السجام. وابك على ملوك الإسلام، لعلك تحوز ثواب المواسي في المصاب، وتفوز وبالسعادة يوم الحساب.

فقد روى عن مولانا الباقر عليه السلام أنه قال كان زين العابدين عليه السلام يقول أيما مؤمن زرفت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتى تسيل على خده بوأه الله غرفا في الجنة يسكنها أحقابا وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بواه الله منزل صدق وأيما مؤمن مسه أذى فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخط النار.

صفحة ٩

وروى مولانا الصادق عليه السلام انه قال:

من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.

وروى أيضا عن آل الرسول عليهم السلم أنهم قالوا من بكى أو أبكى فينا مائة ضمنا له على الله الجنة، ومن بكى أو أبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى أو أبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى أو أبكى عشرة فله الجنة، ومن بكى أو أبكى واحدا فله الجنة ومن تباكى فله الجنة قال علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسيني جامع هذا الكتاب. إن من أجل البواعث لنا على سلوك هذا الكتاب، إنني لما جمعت كتاب مصباح الزائر وجناح المسافر، ورأيته قد إحتوى على أقطار محاسن الزيارات، ومختار أعمال تلك الأوقات فحامله مستغن عن نقل مصباح لذلك الوقت الشريف، أو حمل مزار كبير أو لطيف. أحببت أيضا أن يكون حامله مستغنيا عن نقل مقتل في زيارة عاشوراء إلى مشهد الحسين عليه السلام فوضعت هذا الكتاب ليضم إليه وقد جمعت هاهنا ما يصلح لضيق وقت الزوار وعدلت عن الإطالة والاكثار وفيه غنية لفتح أبواب الأشجان وبغية لنجح

صفحة ١٠

أرباب الإيمان فإننا وضعنا في أجساد مغناه روح ما يليق بمعناه وقد ترجمته بكتاب اللهوف على قتلى الطفوف ووضعته على ثلاث مسالك مستعينا بالرؤوف المالك.

صفحة ١١

المسلك الأول في الأمور المتقدمة على القتال ولادة الإمام الحسين (ع) كان مولد الحسين عليه السلام لخمس ليال خلون من شعبان أرب من الهجرة وقيل اليوم الثالث منه وقيل في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاثة من الهجرة.

وروى غير ذلك ولما ولد هبط جبرائيل عليه السلام ومعه ألف ملك يهنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بولادته وجاءت به فاطمة عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسر به وسماه حسينا.

قال ابن عباس: في الطبقات أنبأنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي قال: أنبأنا حاتم بن صنعة قال قالت أم الفضل زوجة العباس رضوان الله عليه، رأيت في منامي قبل مولده كأن قطعة من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطعت فوضعت في حجري ففسرت ذلك على رسول

صفحة ١٢

الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا أم الفضل رأيت خيرا إن صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاما وأدفعه إليك لترضعيه.

قالت: فجرى الأمر على ذلك فجئت به يوما إليه فوضعته في حجره فبينما هو يقبله فبال فقطرت من بوله قطرة على ثوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقر صته فبكى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالمغضب مهلا يا أم الفضل فهذا ثوبي يغسل وقد أوجعت ابني، قالت: فتركته في حجره وقمت لآتيه بماء فجئت فوجدته صلى الله عليه وآله وسلم يبكى، فقلت: مم بكائك يا رسول الله فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن جبرائيل أتاني فأخبرني إن أمتي تقتل ولدى هذا لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة.

قال رواة الحديث. فلما أتت على الحسين عليه السلام من مولده سنة كاملة هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ملكا أحد هم على صورة الأسد، والثاني على صورة الثور، والثالث على صورة التنين، والرابع على صورة ولد آدم، والثمانية الباقون على صور شتى محمرة وجوههم باكية عيونهم قد نشروا أجنحتهم وهم يقولون، يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم سينزل بولدك الحسين عليه السلام ابن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل وسيعطي مثل أجر هابيل ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل ولم يبق في السماوات ملك مقرب إلا ونزل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل يقرئه السلام ويعزيه

صفحة ١٣