آدم في الجنة
أراد الله سبحانه لآدم وذريته الابتلاء على وجه الأرض، فاستخلفه فيها بعد أن كان في الجنة هو وزوجته يأكلان منها حيث شاءا، وحذره من إبليس وخططه في إغوائه له ولذريته، وجعل الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة باجتناب خطوات إبليس.
1 / 1
قضاء الله في إخراج آدم من الجنة وذكر ما ترتب على خطيئته
الحمد لله رب العالمين، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! حديثنا يحمل عنوان: آدم في الجنة.
يعتقد البعض أن الله صلب ولده ليكفر عن خطيئته، وهذا اعتقاد باطل ينافي عقيدة المؤمن؛ لأن الله ﷿ في سورة النساء فضح اليهود وبيّن قولهم في مريم، وكفرهم بالمسيح ﵇، قالوا في مريم: أنها حملت من الزنى وهي المبرأة التقية الورعة، ونسبوا إلى أنفسهم أنهم صلبوا ولدها عيسى، وصور هذا لبعض المسلمين اليوم، واأسفاه! أقلام مسلمة تصدق هذا، وتدندن حول هذا المعنى، وتقول: هم قتلة الأنبياء، نعم لا بأس بهذا، لكن في قضية قتل المسيح وصلبه قال الله ﷿: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٥٧]، استهزاءً، يقول الله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، ثم عادت الآيات تؤكد هذا المعنى، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، هذا الكلام مهم جدًا في هذا الزمن؛ لأن البعض شاهد فيلمًا بعنوان: آلام المسيح؛ لأن اليهود صلبوه وفعلوا به كذا وكذا، يا عبد الله! مع إيماننا الجازم أنهم قتلة الأنبياء، وأنهم قتلوا يحيى ﵇، وحاولوا قتل زكريا ﵇، ووضعوا السم لسيد البشر محمد ﷺ، وحاولوا قتل المسيح ﵇ وصلبه، لكن الله ﷿ برأه منهم ونجاه من أيديهم.
1 / 2
أسباب عدم سجود إبليس لآدم
توقفنا عند قول ربنا ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، وفي سورة الأعراف قال: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١]، والسؤال هنا: ما الذي دفع إبليس لعدم السجود لآدم، فالأمر من الله ﷿ أمر صريح لا يحتاج إلى إعمال القياس والعقل والفكر، فلا قياس في وجود النص: «اسْجُدُوا لِآدَمَ»، أمر صريح؟ بين القرآن أسباب ذلك: السبب الأول: الكبر، وهذه صفة في الإنسان أن يتكبر، إما بأصله وإما بحسبه وإمام بنسبه وإما بماله وإما بعلمه، فالتكبر أنواع، فكلما ازداد العالم علمًا ازداد تواضعًا، فالمتكبر ينتهي، وانظروا إلى ماذا صنع الكبر بإبليس.
قال الأحنف بن قيس: عجبًا لابن آدم! يتكبر على الأرض وقد خرج من مجرى البول مرتين! أي: من مجرى بول أبيه، ومن مجرى بول أمه! والآيات في ذم الكبر كثيرة: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]، وقال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
السبب الثاني: أنه اعتز بأصله وبأصل خلقته، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
يا إبليس! حتى لو سلمنا جدلًا أنك خير من آدم، فإن الأمر من الله ﷿ لا يحتاج إلى مناقشة، ولا إلى مجادلة، ولا إلى أن ترد الأمر على خالقك، فإبليس عند معصيته رد الأمر على الله، واتهم الله ﷿ بالظلم وعدم العلم؛ لأنه قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ»، وكأنه يقول: لم تأمرني بذلك؟ ليس من العدل أن أسجد له، لكن العبد حينما يعصي الله يقر بمعصيته ويندم ويعترف، فهل إبليس اعترف بخطيئته؟ هل إبليس أقر بذنبه؟ من كتابنا من يكتب: إن الله قد ظلم إبليس! إنا لله وإنا إليه راجعون، في زمن فيه حرية الكفر فتحت الأبواب لمن هب ودب، كل يكتب على حسب هواه حتى وإن ناقض أصل الدين، وأصول المعتقدات عند المسلمين.
السبب الثالث: بسبب قياسه الفاسد، والقياس مع النص لا أصل له، إلا أن القياس لا ننكره كأصل من أصول التشريع، لكن القياس نلجأ إليه في حالة عدم وجود النص مع اتفاق العلة، فما أحدثه الناس اليوم من المخدرات حرام قياسًا على الخمر؛ لأن العلة هي السكر.
قال ﷺ: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه)، قاس العلماء الإيجار، أي: لا يستأجر أحدكم على إيجار أخيه؛ لأن العلة واحدة.
وهنا النبي ﷺ يقرب المعنى إلى الأذهان بالقياس، وذلك حينما جاءه رجل من أصحابه يتهم زوجته بالزنى؛ لأنها ولدت ولدًا أسود، فالأب أبيض والزوجة بيضاء والناتج زنجي أسود، هذا عطاء الله سبحانه، فاعترض الرجل، فذهب إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولدًا ليس من لوني.
والألوان ليس لها قيمة عند الله، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، لكن الرجل أراد أن يلاعن زوجته من طرف خفي، فقال له النبي ﷺ: (أعندك إبل؟ قال: نعم.
قال: ما لونها؟ قال: حمر.
قال: أفيها أورق؟ -هل فيها واحد مخالف للمجموعة؟ - قال: فيها أورق، قال: ما تقول فيه؟، قال: لعله نزعه عرق، قال: كذلك ولدك لعله نزعه عرق)، يقرب المعنى إلى الأفهام بالقياس، وقال: (وفي بضع أحدكم صدقة، فقال الصحابة: يا رسول الله! أيضع أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال: أرأيت إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟، قالوا: نعم، قال: كذلك إن وضعها في حلال فله أجر)، هذا أيضًا قياس، والقياس عند الأصوليين معتبر، لكن قياس إبليس قياس فاسد؛ لأنه قاس مع وجود النص.
ونحن لا نسلم لإبليس بما قال، قال ابن كثير: الطين أفضل من النار، فالطين من طبيعته: الرزانة والعطاء والأناة، وإن شئت فانظر إلى الطين وهو يعطي الثمرة، والنار من طبيعتها: الدمار والحرق، فلا نسلم له أصلًا بهذا القول، لكن هذا أمر الله ﷾.
1 / 3
خطط إبليس في إغوائه بني آدم بعد لعن الله له وإمهاله
لما امتنع إبليس من السجود بصده وإعراضه واستكباره وعدم إقراره بذنبه ورده لأمر خالقه كانت النتيجة: الجزاء من جنس العمل: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٨]، أي: من الجنة، وانظر إلى قول ربنا: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣]، والصغار أقصى مراتب الذل، استكبر فأذله الله، فالجزاء من جنس عمله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨]، فخرج إبليس من الجنة، وطرده الله سبحانه ومسخ صورته ولعنه، وكتب عليه الذل والصغار.
وبعد خروجه من الجنة، واستعلائه عن أمر ربه أمر الله ﷿ آدم بالسجود، لكن إبليس سأل الله مسألة وهي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، فإبليس يقر لله أنه رب، أي: يقر بتوحيد الربوبية أي: خالقي، لكنه كفر بمقام توحيد العبودية والألوهية، قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، أي: إلى يوم القيامة أمهلني وأجلني، ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٧ - ٣٨]، هذا قدر الله سبحانه، أمهله الله ﷿، والآية واضحة كوضوح الشمس.
هناك من أهل الجهل والسفه -ويصدقها الكثير- يوزعون ورقة عن معاذ بن جبل -كما يدعون-: (أن النبي ﷺ كان يجلس مع أصحابه، فطرق الباب طارق، فقال: أتدرون من بالباب؟ قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذلك الشيطان الرجيم إبليس، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه).
فمن أول الحديث عرفنا أنه كذب؛ لأن عمر لا يجهل أن إبليس منظر، وهذا فيه اتهام للصحابة بالجهل بالقرآن الكريم.
كذلك مما يروجونه وصية الشيخ أحمد إلى المسلمين في بقاع الأرض: بينما أنا نائم في حضرة النبي ﵊، إذ جاء النبي في منامي وأنا نائم بجوار قبره، فقال لي: يا أحمد! إن المسلمين قد تركوا أمر الله وو إلى آخره، وفي آخرها: لا بد أن تصورها وأن توزعها، وأقل عدد عشرين صورة، ولم يصورها فلان ففصل من عمله، ولم تصورها فلانة فلم تتزوج إلى الآن، وصورها فلان وفلان فقضى الله عنه الديون.
الورقة تسدد الديون! وتفرج الكروب! وتحصل بها على وظيفة! ومع تيه المسلمين تقع في أيديهم ويصورونها مئات الصور إلى اليوم! فهذا شرك من أوسع الأبواب إن اعتقد صحة ما فيها، أقول: مزقها أو أحرقها، وإني على يقين أنك لن تصاب بأذى، فالذي يملك جلب النفع ودفع الضر هو الله ﷾.
فكل من شاء الآن يكتب، عندنا إباحية في مسألة الكتابة، فنحن الآن نسمع العجب، ولا بد من الضابط الشرعي في القبول عند السماع.
أيها الإخوة الكرام! لما أمهل الله إبليس، بيّن إبليس خططه، وبيّن ما يصبو إليه في إفساد البشرية، قال لربه سبحانه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، حصار من الجهات الأربع، وقال: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، هذا من مخطط الشيطان في الإفساد في الأرض.
ثم أيضًا قال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٤]، وصوت الشيطان: هو الغناء، استخفهم إبليس بالغناء، أين تذهب هذا المساء؟ قال: في حفلة غنائية راقصة، هذه الليلة سأرقص إلى الفجر، والأمة تزحف بالآلاف المؤلفة إلى العته والجنون، ومقدساتها تدك، وأطفالها تداس، وبطون نسائها تحمل من الزنى قهرًا واغتصابًا، أي كرامة للأمة هذه؟ أمة عابثة.
في يوم الإثنين الماضي تدك الفلوجة بأيدي إخوان القردة والخنازير، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله إنه للعار وإنه للدمار والشنار، لكن: لقد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي.
أسأل الله أن ينصر الإسلام، وأن يمكن لدينه في الأرض، جسد مات! أسأل الله أن يعطيه الحياة.
فإبليس بيّن عن مقصوده وبيّن عن خططه في إفساد الخلق وإفساد البشرية، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤]، أي: اركب واستخدم كل الوسائل، فالخيل إشارة إلى ركوب الخيل، والرجل إشارة إلى الترجل، استخدم كل الوسائل التي تستطيع يا إبليس! ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤]، بالربا والرشوة، وأكل المال بالباطل، والأولاد بتسميتهم، ينسبوهم إلى غير الله، أو أن يعبدوهم لغير الله سبحانه كعبد العزى وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا
1 / 4
إقامة آدم وزوجته في الجنة بعد خروج إبليس منها
وبعد أن بيّن مقصوده قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، أخبر أنه سيأتي أحدكم في جهاده وفي إنفاقه وفي صلاته، وفي كل وقت ليزين له المعصية، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:١٩]، طرد إبليس من الجنة، ثم سكن فيها آدم وزوجته، لكن هل هي جنة الخلد؟ هذا رأي الجمهور، أم هي جنة أرضية للاختبار والابتلاء والامتحان؟ هذا رأي آخر، وابن القيم في مفتاح دار السعادة ما استطاع أن يحسم النزاع؛ لأن كل فريق له أدلته: فالذين قالوا: إنها جنة أرضية قالوا: إن آدم قد تعرى فيها، وجنة الخلد ليس فيها تعرية، وإن آدم قد كلف فيها بعدم الأكل من الشجرة، وجنة الخلد ليس فيها تكليف، وإن آدم قد أصابه فيها الحزن، وجنة الخلد ليس فيها حزن.
ورد الفريق الآخر بسبعين دليلًا عدها ابن القيم منها: إن آدم يذهب إليه الخلائق يوم القيامة فيقولون: اشفع لنا عند ربك أن يصرفنا إلى الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا أنا؟ وهل أخرجكم من هذه الجنة إلا أنا؟ فالجنة هنا هي جنة المأوى.
عمومًا اختلف العلماء في الجنة، لكن آدم سكن هو وزوجته حواء، وفي هذا إشارة إلى تبعية المرأة والرجل، وسترى أن الخطاب في الآيات أحيانًا لآدم بمفرده، وأحيانًا لآدم وحواء، فإن كان لآدم بمفرده تدخل فيه حواء بالتبعية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه:١١٨]، لا يجوع هو وحواء؛ لأنها تدخل بالتبعية، فالمرأة تبع لزوجها، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، هذا معناه: أن المرأة تتبع الرجل الذي يقوم على ولايتها، وله القوامة عليها.
قال تعالى: ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة:٣٥]، أي: كلا من الجنة ما شئتما إلا شجرة أحذرك يا آدم! أن تقترب منها، قال: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥]، والحرمة بعدم القرب أبلغ من ألا تأكلا، وعندنا من يقول: الإسلام لم يحرم الخمر؛ لأن الله قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وكلمة: «فَاجْتَنِبُوهُ» لا تعني: التحريم، يا له من فيلسوف! ولم يحرم الزنا تحريمًا مباشرًا؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، هذه عقول لا أدري بأي حق تتحدث أو تكتب، وإن لم تستح فاكتب ما شئت، أو فاصنع ما شئت، أو فقل ما شئت، فإن التحريم بعدم القرب أبلغ.
1 / 5
أسباب وقوع آدم وزوجته في الخطيئة وخروجهما من الجنة
حذر الله آدم من إبليس فقال له: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ [طه:١١٧]، أي: إبليس: ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، انتبه يا آدم! أحذرك من إبليس؛ لن يتركك دون وسوسة ودون محاولة للإغراء، فإنه قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦]، يقسم لربه سبحانه أنه بسبب إغوائه سيحاول أن يضل البشرية.
وسكن آدم الجنة، لكن الآيات لم توضح نوع الملابس التي كان يلبسها، وإنما بينت أنه كان يلبس، فلا بد أن نؤمن إيمانًا جازمًا أن العورة كانت مستورة، وهذا من الفطرة، فالفطرة أن تستر العورة، لكن في زماننا الآن خرجنا عن الفطرة، فالعورات قد ظهرت باسم المدنية والتحضر.
وآدم لم يهبط إلى الأرض إلا وهو يعلم أن عدم إظهار العورة من الفطرة، لكن من استقامة الطبع عندنا الآن أن من تسير في طريق عام تظهر العورة وتتبجح، وعندنا من الرجال من يظهر العورة ويبتسم، هذا معناه: أن الحياء قد نزع من قلوبهم، وحدث عنه ولا حرج.
جاء إبليس عن طريق الوسوسة؛ لأن القرآن قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:٢٠]، لا نقول: دخل إليهما عن طريق الحية كما في التوراة المحرفة؛ فالنص واضح عن طريق الوسوسة، آدم في الجنة وإبليس خارج الجنة، وسوس لهما فقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، أتى بوسائل الإغراء: هل تحب أن تكون خالدًا في الجنة؟ كل هذه الشجرة يا آدم! هل تكره أن تكون ملكًا؟ يا آدم! أقسم لك بالله إني لك لناصح؟ وظل خلفه يوسوس له ويزين له، وهذا دأب الشيطان مع أوليائه، يزين لهم المعاصي ويحببهم فيها، ويقربهم منها حتى إذا وقعوا: ﴿قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]، فالشيطان عداوتنا معه واضحة.
اقترب آدم من الشجرة قليلًا ومعه زوجته حواء، وإذ به يقطف من ثمارها ويذوق هو وزوجته، فلما ملآ بطنيهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، لا تنس أن آدم خرج من الجنة بمعصية صغيرة، فيا ليت الذين يتجرءون على المعاصي الصغيرة ويقولون: إنها صغائر ينظرون إلى هذا المشهد، أكل آدم من الشجرة، ذاقها وبمجرد التذوق بدت لهما سوءاتهما، ونزلت الملابس من على جسديهما، لكن ليس من الفطرة أن ينظر إلى العورة كما قلت، ولم يتوقع آدم هذا المشهد، فطفقا إلى أوراق الجنة يخصفان منها، أي: يأخذان من شجرها ويواريان العورة، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]، ألم أحذرك يا آدم! قبل أن تسكن الجنة وبعد أن سكنت فيها من إبليس؟ قوله: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]، أي: واضح العداوة، ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، إقرار بالخطأ واعتراف بالذنب وعدم كبر، طلب العفو والمغفرة، فرق كبير بين معصيته ومعصية إبليس، فإن آدم لما ارتكب الخطيئة تاب فتاب الله عليه، ونص القرآن على ذلك، وكان توبة الله عليهما قبل أن يهبطا إلى الأرض.
1 / 6
الرد على من زعم أن عيسى صلب تكفيرًا لذنب أبيه آدم
يخرج علينا الآن من لا عقول عندهم، يقولون: إن الله ﷿ أراد أن يكفر عن ذنب بني آدم؛ لأن أباهم قد ارتكب ذنبًا، فصلب ولده! يا له من عجب! ما ذنب الابن إذا ارتكب الأب معصية؟ أنا الذي ارتكبت الذنب، إذًا: أنا الذي أتوب، أما أن يحاسب غيري لأجل ذنبي فهذا ليس من المعقول ولا من المنقول، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فهل للابن ذنب؟ وحاشا لله سبحانه أن يتخذ ولدًا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم:٨٩]، يعني: عظيمًا، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٥].
أيها الإخوة الكرام الأحباب! بعد أن أكل آدم من الشجرة هو وزوجته، وظهرت السوءة والعورة طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وجاءت التوبة في الحال بعد الندم والإقلاع والعزم وعدم الإصرار عليها: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧]، فقبل أن يهبط آدم إلى الأرض تاب الله عليه، فلا حاجة لما قالوه ولا لما نسجوه من وحي الخيال: أن عيسى صلب تكفيرًا لذنب أبيه آدم، والله ﷿ قال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، رافعك بالروح والجسد لا كما يقول البعض: رفع روحًا بغير جسد، فهذه أكذوبة واختلاق.
قال العلماء والمفسرون: دل عليه أحد حوارييه ليقتلوه ويصلبوه، فألقى الله شبهه عليه، فشبه لهم أن هذا الحواري هو عيسى، فأخذوه وصلبوه، وهكذا رفع عيسى آمنًا عند ربه سبحانه، وسينزل قبل قيام الساعة؛ ليعرف كل الناس أن عيسى قد رفع إلى ربه ﷿ ولم يصلب، فالله يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء:١٥٧].
إن البعض الآن وللأسف يدندن بقلمه وهو مسلم: أن عيسى صلب، وكما قتل الشيخ أحمد ياسين فإنهم قد صلبوا عيسى وقتلوه.
أقول: يمكن أن نقول: إنهم قتلوا يحيى وأرادوا قتل زكريا، أما أن تكتب عقيدة مخالفة لنص قرآني فهذا من الجهل ومن التعاطف في قضية لا ينبغي أن تتعاطف فيها؛ لأن المسلم عقيدته من كتاب ربه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
اللهم إنا نسألك أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا ونور أبصارنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة.
اللهم تب علينا من الذنوب والمعاصي، اللهم طهرنا من الخطايا يا رب العالمين! اللهم اغفر لنا ذنوبنا، خطأنا وعمدنا، هزلنا وجدنا، وكل ذلك عندنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا.
اللهم انصر أطفال فلسطين المغتصبة، اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم آية فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام وأن تعز المسلمين، وأن تذل الشرك والمشركين يا رب العالمين! اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وأمّنا في أوطاننا، بدلنا من بعد خوفنا أمنًا، ومن بعد ضيقنا فرجًا، ومن بعد عسرنا يسرًا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيمًا.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك! يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك! اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ومن الذل بعد العز، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اجبرنا يا رب العالمين! اجبر كسرنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم إنا نسألك العفاف والتقى والهدى والغنى، إنك على كل شيء قدير، اللهم أعنا على ذكرك، وأعنا على شكرك، وأعنا على حسن عبادتك، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لأبوينا، إنك نعم المولى ونعم النصير.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
1 / 7
بقرة بني إسرائيل
قص الله علينا في كتابه العزيز قصة بقرة بني إسرائيل، هذه القصة التي كشفت لنا حقيقتهم وما اتصفوا به من صفات سيئة وقبيحة، من الكبر والعناد وقسوة القلب واستهزائهم بآيات الله وأنبيائه والقتل وإلصاق التهمة بالآخرين؛ وذلك حتى نعرف أعداءنا وصفاتهم، فلا نسلك مسلكهم، فنضل ونشقى في الدنيا والآخرة.
2 / 1
صفات بني إسرائيل في القرآن
الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ند له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا مع القصص القرآني بأنواعه الثلاثة، واليوم لقاؤنا مع قصة وردت في سورة البقرة، وهي الثانية في الترتيب بعد قصة آدم، ألا وهي: قصة بقرة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل قد جلاهم لنا القرآن الكريم، وبين لنا صفاتهم التي لا ينبغي لنا أن نغفل عنها طرفة عين، فهم يلحدون في العقائد، يعني: نستطيع أن نقول: مقومات الشخصية اليهودية في كتاب رب البرية، الكتاب الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢].
إذًا كيف نتعرف على أعدائنا؟ من كتاب ربنا ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:٤٥]، فمن هم بنو إسرائيل؟ لقد كشف الله ﷿ سرهم وجهرهم في كتابه، فهم يلحدون في العقائد، وهي أول صفة من صفاتهم، والإلحاد يعني: الانحراف، ففي عقيدتهم إلحاد بربهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، وقال الله على لسانهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقالوا: إن الله خلق السماوات والأرض ثم مسه التعب واللغوب، فأراد أن يستريح فاستراح في يوم السبت: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥].
وكذلك إلحادهم في أنبيائهم، وفي الملائكة، وفي الجنة، وفي النار، وأيضًا علاقتهم بالمؤمنين ينبغي أن لا نغفل عنها.
أيضًا من صفاتهم: الكبر والعناد وقسوة القلب، ثم القتل وإلصاق التهمة بالآخرين، وفي قصة البقرة هذا المعنى، والمادية؛ لأنه كان يمكن أن يبعث الله القتيل بدون بقرة، فلماذا جاءت قصة البقرة؟ لأن بني إسرائيل لا يؤمنون إلا بالمادي، ولذلك قالوا: يا موسى ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الذاريات:٤٤].
2 / 2
القاسم المشترك في قصص بني إسرائيل
نسق القصص في بني إسرائيل له قاسم مشترك، فكل قصة من قصص بني إسرائيل في القرآن قاسمها هو: أن الله يذكرهم بنعمه عليهم، فأول أمر: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٢٢]، هذا التفضيل تفضيل زماني في وقتهم، أو هو تفضيل مشروط له شروط، وهي أن يمتثلوا أمر ربهم، وأن يستجيبوا لأمر خالقهم، وأن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ، فهل وفوا بهذه الشروط؟ لا، إذًا فقدوا الأفضلية، ولذا فأول ملمح من قصص بني إسرائيل تذكير بالنعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، وكلها تذكير بنعم الله عليهم، لكن هؤلاء الناس قابلوا النعمة بالكفر والجحود، فأنزل الله بهم العقوبات تلو العقوبات، ثم التوبة منهم، ثم رحمة الله ﷿ بهم، فعلى هذا الترتيب في قصص بني إسرائيل نجد هذا المعنى: نعمة، ثم كفران، ثم عقوبة، ثم رحمة، وهذه القصة قد جاءت على غير المألوف، إذ إن النعمة كانت في آخرها، فقد قتلوا قتيلًا، والقتل عند بني إسرائيل هين، وانظروا إلى ما يفعلونه في فلسطين، من قتل للأطفال، وهدم للبيوت والديار، واغتصاب للنساء، وهذا هو شأنهم أبدًا، فالقوم يضحكون عليكم ويوالونكم، لكن لا عهد لهم ولا سلام، فإنهم ﴿َيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، و﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، هذا كلام الله يا قوم! فافقهوا عن ربكم.
فما هي قصة البقرة؟ قتل رجل منهم آخر، وكان فريق منهم يعرف ذلك؛ ولذلك يقول الله في آخر القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة:٧٢]، فالقاتل واحد ونسب القتل إلى المجموعة؛ لأن هناك فريقًا أيد ذلك، فأصبح الحكم للجميع، ولذلك لما قتلوا القتيل منهم جاءوا إلى موسى ﵇ يسألونه ليأتيهم بآية من ربه، ليعرفهم من الذي قتل، وهذا يشير إلى معنى: أن بني إسرائيل يقتلون المرء ويقفون لتقبل العزاء فيه! يقتلون وينصبون دائرة المفاوضات للسلام! يقتلون ويقولون للناس: نحن نبحث عن السلام الآمن، ثم يأتي هؤلاء القوم من جلدتنا ويصدقون هذا الكلام! فنقول لهم: يا قوم اعقلوا عن ربكم، فلا سلام مع هؤلاء، وإنما هم يريدون الانتقام من الأمة؛ لأن الحقد والحسد ملأ قلوبهم، وانظروا إلى ما حدث في سجن أبي غريب في العراق، فهذا نموذج يشير إلى الحقد الدفين في قلوبهم، فقد أتوا بعلماء الأمة من أهل السنة، وأئمة المساجد الذين يعظون الناس، فألبسوهم ملابس داخلية نسائية، ثم أدخلوهم زنزانة مع بعض النساء الهابطات، والأمة نائمة ومخدرة، بل وضائعة.
2 / 3