377

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

الجهل والغفلة عن الغاية التي خلق من أجلها
أول هذه الأسباب: الجهل أو الغفلة عن الغاية التي من أجلها خلق.
فأقول لكل إنسان ولكل إنسانة: ألست مسلمًا؟ أو لستِ مسلمة؟ ألم ترض بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا رسولًا؟ ألا تعلم أن الغاية التي من أجلها خلقنا هي تحقيق العبودية لله ﷿ في الأرض؟ هذا هو الهدف الذي من أجله خلقنا: عبودية الله، تحقيق العبودية لله تعالى على هذه الأرض.
ألا تعلم أن العبادة هي الغاية التي من أجلها خلقت أيها الحبيب؟! إن بعض الناس قد يجهل الهدف الذي من أجله خلق، وبعض الناس قد يعلم ولكنه يغفل وتغفله شهوات الدنيا ولذاتها عن ذلك الهدف.
ألا تعلم أن المعنى الصحيح لذلك الهدف الذي من أجله خلقنا وهي عبادة الله ﷿ كما عرفها أهل العلم، لا كما يريدها أعداء الله ﷿.
إذًا: فالغاية التي من أجلها خلقنا هي عبادة الله؛ ولكنها ليست العبادة فقط في المسجد، وليست الصلاة والصيام والحج والزكاة، لا وألف لا، وإنما العبادة التي يريدها الله ﷿: العبادة بمفهومها الشامل، العبادة التي عرفها أهل العلم يوم أن قالوا هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
هكذا يريد الله ﷿ أن تكون العبودية، يوم أن تكون العبودية في كل شأن من شئون حياتك أيها المسلم! تكون العبودية لله ﷿ في مسجدك، وفي بيتك، وفي وظيفتك، وفي شارعك، وفي تجارتك، وفي كل مكان ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هكذا هي العبودية، هكذا هو الهدف الذي من أجله خلقنا، وهكذا يريده الله ﷿، عندها يعلم الإنسان أن كل حركة وكل سكنة وكل نفس، كل شيء يعمله، يؤجر عليه إن أخلص النية لله ﷿ فيه، ويصير عبادة لله ﷿، حتى وأنت تجامع أهلك، ألم يقل ﷺ: (وفي بضع أحدكم صدقة) .
حتى وأنت تمارس الرياضة، ألم يقل ﵌: (وإن لجسمك عليك حقًا) حتى وأنت تخرج مع إخوانك وأصدقائك للجلسات والاستراحات، فإنه لإدخال الراحة والاستجمام والانبساط إليهم، فقد قال ﷺ: (ابتسامك في وجه أخيك صدقة) .
المهم أخلص النية في ذلك لله ﷿، واحتسب ذلك عند الله ﷾، والمهم أن يكون ذلك العمل مُرضٍ لله ﷿، أن يكون الله ﷾ راض عن هذا العمل.
إذًا: بعد ذلك اعمل ما شئت، وقل ما شئت بهذين الشرطين: أن يكون خالصًا لله، وأن يكون الله ﷿ راض عنه، اعمل وتابع في ذلك رسول الله ﷺ، هذه هي العبادة.
ألا تعلم أن العبادة غاية الذل لله مع غاية الحب له، فأي حب لله هذا الذي أقعدك؟ أين البينة على هذه المحبة؟ فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فلا تقبل الدعوى إلا ببينة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] فإذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب ﷺ، أثمرت أنواع الثمار، وهذا ما نريده.
اسمع لأمنية ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ وأرضاه قال: (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت -يقول ربيعة رضي الله تعالى عنه- فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة) انظر للأمنية وانظر للهمة العالية، فإن ربيعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه كما يقول أيضًا الحديث في لفظ عند أحمد في مسنده يقول ربيعة: (أنظرني يا رسول الله! حتى أنظر في أمري، يقول: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن فيها رزقًا سيكفيني ويأتيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، فإنه من الله ﷿ بالمنزل الذي هو به، قال: فأتيت رسول الله، فقال لي: ما فعلت يا ربيعة؟ فقلت: أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار، قال رسول الله ﷺ: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ -وقد كان ربيعة شابًا- من أمرك بهذا يا ربيعة؟ قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك قلت سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، ففكرت في أمري وعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة وأن لي فيها رزقًا سيكفيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي.
قال: فصمت رسول الله ﷺ ثم قال: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود) .
هذه هي أمنية ربيعة، وهذا هو الهدف الأول عند ربيعة ﵁ وأرضاه.
إذًا: فالهدف دائمًا يكون في مخيلة كل مسلم، الهدف الذي من أجله خلقت هو الفيصل في كل أعمالك وأقوالك وأفعالك وتصرفاتك، فلا بد أن يكون الهدف واضحًا لكل مسلم فهو الضابط له في أعماله، وهو الضابط لحبه وبغضه، لأكله وشربه، لشكله ولبسه، لذهابه ومجيئه، لقيامه وجلوسه، لزوجه وأولاده، لأصحابه وخلانه، لكل شئون الحياة صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، أما إذا ضاع الهدف أولم يتضح له فإن الإنسان يتخبط، فمرة في ضياع، ومرة في هموم، ومرة في صلاح، ومرة في شقاء، وهكذا لا يدري من يرضي ذلك المسكين، حتى وإن كان له عقل وبصر، هكذا إذا ضاع الهدف من الإنسان.
إذًا: فأول أسباب السلبية ودنو الهمة هو ضياع الهدف، أو الجهل بالغاية التي من أجلها خلقت أيها الأخ الحبيب!

15 / 15