كنزالفوائد

أبو الفتح الكراجكي

---كنزالفوائد ¶ أبو الفتح الكراجكي ¶ ---

كنز الفوائد لمؤلفه ابي الفتح محمد بن علي الكراجكى المتوفي سنة 449 وفيه خمسة رسائل 1 - رسالة البيان عن جمل اعتقاد اهل الايمان 109 2 - رسالة في وجوب الامامة 148 3 - رسالة في اصول الفقه عن كتاب (المفيد) 186 4 - رسالة المسمى بالبرهان 243 5 - رسالة التعجب من الكراجكى 307

--- [ 2 ]

صفحة ١

هو الموفق والمعين بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين فانه خير معين الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد رسوله خاتم النبيين وآله الطاهرين (مختصر من الكلام في ان للحوادث اولا) اعلم ايدك الله ان من الملحدة فريقا يثبتون الحوادث ومحدثها ويقولون انه لا اول لوجوده ولا ابتداء لها ويزعمون ان الله سبحانه لم يزل يفعل ولا يزال كذلك وان افعاله لا اول لها ولا آخر فقد خالفونا في قولهم ان الافعال لا اول لها إذ كنا نعتقد ان الله تعالى ابتدئها وانه موجود قبلها ووافقونا بقولهم لا آخر لها لانهم وان ذهبوا في ذلك الى بقاء الدنيا على ما هي عليه واستمرار الافعال فيها وانه لا آخر لها فانا نذهب في دوام الافعال الى وجه آخر وهو تقضى أمر الدنيا وانتقال الحكم الى الاخرة واستمرار الافعال فيها من نعيم اهل الجنة الذي لا ينقطع عن اهلها وعذاب النار الذي لا ينقضى عن المخلدين فيها فافعال الله عزوجل من هذا الوجه لا آخر لها وهؤلاء ايدك الله هم الدهرية القائلون بان الدهر سرمدية لا اول له ولا آخر وان كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة قبلها حركة من غير نهاية وسيتحرك بعدها بحركة بعدها حركه لا الى غاية وان لا يوم إلا وقد كان قبله ليله ولا ليله إلا وقد كان قبلها يوم ولا انسان إلا ان يكون من نطفه ولا نطفه تكونت إلا من انسان ولا طائر إلا من بيضه ولا بيضه إلا من طائر ولا شجره إلا من حبه ولا حبه الا من شجره وان هذه الحوادث لم تزل تتعاقب ولا تزال كذلك ليس للماضي فيها بدايه ولا للمستقبل منها نهايه وهي مع ذلك صنعه لصانع لم يتقدمها وحكمه من حكيم لم يوجد قبلها وان الصنعه و--- [ 3 ]

صفحة ٢

الصانع قديمان لم يزالا تعالى الله الذي لا قديم سواه وله الحمد على ما اسداه من معرفه الحق واولاه وانا بعون الله اورد لك طرفا من الادله على بطلان ما ادعاه الملحدون وفساد ما تخيله الدهريون (دليل) فما يدل على ان الحوادث الماضية لا بد لها من اول اننا في كل وقت من اوقات زماننا بين آخر ماضيها واول مستقبلها فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى هو أحد طرفيه ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه انما ياتي من مستقبل الحوادث الى مائة سنة يكثر عدد الماضي ويزيد فيه فمعلوم انه قبل الزيادة اقل عددا منه إذ انضمت إليه وهذا يدل على تناهى عدد ما مضى وحصر طرفيه لانه لو كان لا نهايه له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه وقد صح بما بيناه ان الحوادث الماضية تصير الى مائة سنة اكثر عددا مما هي اليوم عليه فبان بهذا تناهيها وصح اولها كما صح آخرها ويبطل مقال الدهرية فيها (معارضة) وقد قال الملحدون ان جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل لانكم تقولون ان افعال الله تعالى المستقبلة لا آخر لها ومع هذا فقد علمتم اولها وهو أحد طرفيها فيجب ان يكون ما يوجد الى مائة سنة ينقص منها وإذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها وانحصار طرفيها (انفصال) فيقال لهم بين الماضي والمستقبل في ذلك فرق وهو ان الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مضيه فقد شمل جميعها حكم الوجود فوجب ان يزيد فيها كل ما يخرج الى الوجود وليس المستقبل كذلك لانها لم توجد وإنما هي في امكان الفاعل فلا يصح فيها النقض ولا سبيل الى القول فيها بالتناهى (دليل آخر) على تناهى ما مضى وهو انه قد مضت ايام وليال ووقفنا اليوم عند آخرها فلا يخلوا ان تكون الايام اكثر عددا من الليالى أو الليالى اكثر من الايام أو يكونا في العدد سواء فإن كانت الايام اكثر من الليالى تناهت الليالى لانها اقل منها واقتضى ذلك تناهى الايام ايضا لبطلان اتصالها قبل الليالى بغير ليال بينها فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا وان كانت الليالى اكثر من الايام كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهى الاول فتناهى الايام لزيادة الليالى عليها ويقتضى ذلك تناهى الليالى ايضا لفساد اتصالها قبل الايام بغير ايام بينها فوجب على هذا الوجه الاخر تناهيهما معا وان كانت الايام والليالى في العدد سواء كان بمجموعهما اكثر عددا من احدهما بانفراده وهذا يشهد بتناهيهما إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا اكثر منه وقد علمنا ان الليالى مع الايام جميعا

--- [ 4 ]

صفحة ٣

اكثر عددا من احدهما وهذا موضح عن تناهيهما وبهذا الدليل نعلم ايضا تناهى جميع ما مضى من الحركات والسكنات ومن الاجتماعات والافتراقات ومن الطيور والبيض والشجر والحب وما يجرى مجرى ذلك (معارضة) قال الملحدون هذا الكلام عائد عليكم في نعيم المؤمنين في الجنة وعذاب الكافرين في النار وقد زعمتم كل واحد منهما لا نهاية له ولستم تذهبون الى ان احدهما اكثر من الاخر فنخاطبكم بما ذكرتم ولكن نقول لكم انهما بمجموعهما اكثر عددا من احدهما وهذا يوجب تناهيهما جميعا وحصرهما (انفصال) يقال لهم هذا الذي ذكرتموه لا يصح في المستقبلات وهو لازم لكم في الماضيات لأن الاعداد إذ يضم بعضها الى بعض بعد وجودها وحصرها وعدد الليل والنهار الماضيات فقد وجد أو انحصرا بالفراغ منهما والوقوف عند آخرهما فصح ضم بعضها الى بعض وامكن ما ذكرنا فيهما والمستقبلات من نعيم أهل الجنة وعذاب اهل النار فامور متوقعة لم توجد وليس لها آخر لانها تكون دائمة بغير انقضاء وما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض الى بعض وما يتوقع حدوثه ابدا بغير نهاية لا يكون مثل ما قد حدث وكان وتناهى بادراك آخره في كل حال (دليل آخر) ومما يدل على ان للافعال الماضية اولا كونها ووجودها ولو لم يكن لها اول ما صح وجودها لانها كالعدد الذي لا يصح ان يتوالى إلا ان يكون له اول أما واحدا أو جملة يبتدأ بها تقوم مقام الواحد (انفصال) قيل لهم لا يجب ذلك من قبل ان المستقبل منوطة بقدرة القادر والعاد يصح منه ان يعد ما دام حيا فإذا كان ليس لوجوده آخر صح ان ليس لعده آخر ومع ذلك فلا بد من ان يكون لعدده اول (دليل آخر) ومما يدل على ان الافعال لا يصح وجودها إلا بعد ان يبدأ باولها انه لو قيل لرجل لا تدخلن دارا حتى تدخل قبلها غيرها لم يصح منه دخول شئ من الدور ابدا ولم يمكن ذلك إلا بان يبتدأ بواحدة منها (سؤال) فإن قالوا هذا يستحيل كما ذكرتم في المستقبل من الافعال لانه لا بد للمستقبلات من اول فمن اين لكم ان هذا حكم الماضيات (جواب) قيل لهم علمنا ذلك من قبل ان الماضيات قد كانت مستقبلة قبل وجودها ومضيها فلو لم يكن لها اول ما صح وجودها وبعد فلو رأينا هذا الرجل الذي مثلنا به وهو يدخل دارا بعد دار فقلنا له هل كان بعد دخولك هذه الدور ابتداء حتى يقول لنا لم ابتدا بدار منها ولا دخلت دارا حتى دخلت قبلها دورا لا تتناهى فعلمنا انه كاذب

--- [ 5 ]

صفحة ٤

فيما ادعى (دليل اخر) ومما يدل على تناهى الافعال الماضية وانحصارها وصحة طرفيها خروجها الى الوجود على كمالها وفراغ فاعلها منها وكل شئ فعله الفاعل فقد يتوهم ان يفعل امثاله وهذا وجه صحيح يدل على تناهيها وانحصار طرفيها لجواز وجود اكثر منها (معارضة) وقال الملحدة هذا راجع عليكم في نعيم أهل الجنة لأن الله تعالى يقدر على امثاله فيتناهى بوجود اكثر منها (انفصال) فيقال لهم ومتى صحت المماثلة بين الموضعين والافعال الماضية فقد خرج جميعها الى الوجود ونعيم اهل الجنة ليس له جميع ليخرج الى الوجود وإنما يوجد شئ من غير ان يوقف له على وجه آخر من الوجوه فان قالوا فقد لزمكم على هذا ان يكون الله تعالى وعد أهل الجنة بنعيم لا يصلون الى جميعه ولا ينالون سائره قيل لهم قد اعلمناكم انه لا جميع له في الحقيقة له ولا سايره إذ ليس له آخرى والذي وعدهم الله به هو نعيم متصل غير منقطع فلو وجد حتى لا يبقى منه شئ ينتظر لكان في الحقيقة لم يف لهم بما وعد فان قالوا ان الافعال الماضية ايضا لا كل لها في الحقيقة لاستحالة حصرها قيل لهم ولم زعمتم ذلك وقد سلمتم لنا انها قد دخلت في باب الوجود عن آخرها واشتمل الحدوث عليها (مسألة) على الملحدة يقال لهم اخبرونا عن الشمس اليس لم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها فإن قالوا بلى قيل لهم فإذا جاز ان يفرغ الحركات التي لا نهاية لها وتحركت الشمس بها كلها حتى ينتهى الى آخرها فالا جاز ان تتحرك بالحركات المستقبله كلها حتى تفرغ منها وتقف عند آخرها ولا يبقى مستقبل بعدها فإن قالوا ان المستقبلات لا كل في الحقيقة لها اجابوا بمثل قولنا ثم لم ينفعهم ذلك فيما سالنا لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم وهو غير صحيح عندنا ان يلزمهم تقضى المستقبلات حتى توقف عند آخرها فإن قالوا ان الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة قيل لهم انه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق الى فهمه ولا سبيل لمدعيه الى اثبات علمه وهذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان وبعد فانا إذا لم تنازعكم في ذلك نسالكم فنقول الستم معترفين بان الشمس قد دارت الفلك قبل هذه الدورة التي هي فيها دورات لا نهاية لها فلا بد لهم من الاقرار بذلك فيقال لهم فقد عاد الامر الى الفراغ مما لا نهاية له فما انكرتم ان تنقضي دوراتها المستقبلة التي يقولون انها لا نهاية لها ويفرغ حتى تقف عند آخرها كما فرغت فيما مضى وهي الان في آخره فإن قالوا هذا يستحيل في المستقبل وهو صحيح في الماضي قيل لهم بنظير الكلام المتقدم

--- [ 6 ]

صفحة ٥

وهو ان الماضي قد كان مستقبلا فلو استحال ان يصير المستقبل ماضيا لاستحال في الماضي لانه قد كان مستقبلا (مسألة اخرى) عليهم يقال لهم ايجوز ان تدور الشمس في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية ام لا يجوز ذلك فإن قالوا غير جائز قيل لهم لم زعمتم ذلك وعندكم انها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها فليس في ذلك ما يفى بما قد مضى فإن قالوا لا يفى به جعلوا الماضي اكثر من المستقبل واوجبوا تناهى المستقبل وان قالوا ان الشمس ستدور دورات يفى عددها بما مضى اوجبوا تناهى ما مضى وقيل لهم افيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية فإن قالوا لا اقروا بوجود الاول والاخر واوجبوا تناهى الزمان من طرفيه وجعلوا لدورات الشمس بداية ونهاية وهو خلاف ما ذهبوا إليه وان قالوا انه ستدور دورات يفى بما مضى ويبقى من المستقبل ما لا نهاية له ايضا لم يبق شبهة في تناهى الماضي وصح اوله وبطل مذهبهم في قدمه والحمد لله (دليل آخر) على ان للافعال الماضية اولا فما يدل على ذلك انه قد ثبت ان كل واحد منها محدث كائن بعد ان لم يكن ولها محدث متقدم عليها فوجب ان يكون جميعهما محدثة كائنة بعد ان لم يكن ولها محدث متقدم عليها لأن جميعها هو مجتمع آحادها ولا يصح ان يختلف في الجمع والتفرقة هذا الحكم فيهما كما ان كل واحد من الزنج بانفراده اسود فا الجميع باجتماعهم سود والحكم في ذلك واحد في الجمع والتفريق وقد اجتمع معنا على ان جميعها افعال الفاعل وصنعة الصانع والعقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على افعاله وسبق الصانع لصنعته وليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله بسم الله الرحمن الرحيم واعلم ان الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها وجوب تقدم الصانع على الصنعة قالت انه متقدم عليها تقدم رتبته لا تقدم زمان فيجب ان نطالبهم بمعنى تقدم الرتبه ليوضحوه فيكون الكلام بحسبه وقد سمعنا قوما منهم يقولون ان معنى ذلك انه الفعال فيها والمدبر لها فسألناهم هل يدافع عنها حقيقة الحدث فعادوا الى الكلام الاول من ان كل واحد من اجزاء الصنعة محدث فاعدنا عليهم ما سلف حتى لزمهم الاقرار بحدوث الكل وطالبناهم بحقيقة المحدث والقديم فلم يجدوا مهربا من التقدم والقديم في الوجود على المحدث التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون احدهما موجودا والاخر معدوما ولسنا نقول ان هذا التقدم موجب الزمان لان الزمان

--- [ 7 ]

صفحة ٦

احد الافعال والله تعالى متقدم على جميع الافعال وليس ايضا من شرط التقدم والتاخر في الوجود ان يكون ذلك في زمان لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه على بعض ولا يقال ان ذلك مقتض لزمان آخر والكلام في هذا الموضع جليل ومن الحق فيه سقطت عنه شبه كثيرة وقد كنت اجتمعت في الرملة برجل عجمى يعرف بابى سعيد البزدعى وكان يحفظ شبها في هذا الباب وكنت كثيرا ما اكلمه واستظهر باثبات الحجة عليه فاورد على يوما شبهة كانت اكبر مما في يديه وتكلمت عليها بكلام لم اقنع به فاحكيه ثم كتبت كتابا الى بغداد الى حضرة سيدنا الشريف المرتضى ذى المجدين رضى الله عنه وذكرت الشبهة فيه فورد الي جوابه عنها فانا اذكر الشبهة والجواب وما وجدته بعد ذلك من الكلام في هذا الباب الشبهة قال الملحدة مستدلا على ان الصانع لم يتقدم الصنعة انى وجدت امرهما لا يخلو من ثلاث خصال أما ان تتقدم الصنعة عليه أو ان يتاخر عنه أو ان يكونا في الوجود سواء وقد فسد باتفاق تقدمهما عليه قال ويفسد ايضا تقدمه عليها إذ كان لا يخلو من ان يكون تقدمه عليها بمدة محصورة وتقدير اوقات متناهية أو بمدة غير محدودة وتقدير اوقات غير محصورة قال فان كان بينهما في الوجود امد محصور وتقدير زمان محدود فهو متناوله اول واخر فكما ان اخره حدوث الصنعة فكذلك اوله حدوث الصانع ونعوذ بالله من القول بذلك قال وان تقدمها بمدة لا تحد وتقدير اوقات لا تتناهى وتحصر فلا آخر لهذه المدة كما لا اول لها وإذا لم يكن لها آخر فقد بطل حدوث الصنعه وان نفيتم الاوقات والازمان التي يصح هذا فيها فانه لا يمكنكم انكار تقديرها وفي التقدير يلزم هذا هنا قال فهذا دليل على ان الصنعة والصانع قديمان لم يزالا (والجواب) قاله الشريف المرتضى رحمه الله أما الصانع من حيث كان صانعا فلا بد من تقدمه على صنعته سواء كان قديما أو محدثا لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث كان فاعلا ويستوى في هذا الحكم الفاعل القديم والفاعل المحدث غير ان الصانع القديم يجب ان يتقدم صنعته بما إذا قدرناه اوقاتا وازمانا كانت غير متناهية ولا محصورة ولا يجب هذا في الصانع المحدث بل يتقدم الصانع من المحدثين صنعته بالزمان الواحد والازمان المتناهية المحصورة والذي يدل على ان الصانع لا بد من ان يتقدم صنعته ويستوى في هذا الحكم القديم والمحدث انه لو لم يتقدم عليها لم تكن فعلا له وحادثة به لأن من شان

--- [ 8 ]

صفحة ٧

الفاعل ان يكون قادرا والقادر لا يقدر على الموجود لان وجوده يغني عن تعلق القدرة به فهذا يدل على استحالة مصاحبة الفاعل لفعله فاما تقدم الفعل على فاعله فاظهر فسادا لأن المؤثر في وجود الفعل وحدوثه كون فاعله قادرا فكيف يتقدم المؤثر فيه على المؤثر وأما تقدم الصانع القديم تعالى على صنعته فيجب ان يكون غير محصورة الاوقات وإنما وجب ذلك فيه ولم يجب في الصانع المحدث لكونه قديما لانه لو كان بين القديم والمحدث اوقات متناهية لخرج من ان يكون قديما ودخل في ان يكون محدثا لأن من شان القديم ان لا يكون بوجوده ابتداء وتناهى ما بينه وبين الاوقات وبين المحدث يقتضى ان يكون بوجوده اول وابتداء فاما ما تضمنه السؤال من التقسيم والتعويل في افساد تقدم الصنعه على الصانع على الاتفاق على ذلك فغير صحيح لأن مثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق بل لا بد ان يعين طريق العلم أما من ضرورة أو استدلال وقد بينا ما يدل على ان الصنعة لا تتقدم الصانع فاما ما مضى من السؤال من الزام نفي التناهى والاخر عن المدة التي تكون بين الصانع والصنعة كما نفى عنها الابتداء والتناهى من قبل اولها فغير صحيح ولا لازم لانا قد بينا انا متى جعلنا بين الصانع القديم وصنعته مدة متناهية الابتداء محصورة لحق القديم بالمحدث وخرج من ان يكون قديما وإذا جعلناها محصورة الانتهاء لم يجب ذلك فيها ولا ادى الى ما قد علمنا فساده من كون القديم محدثا ولا الى غيره من ضروب الفساد فلم يلزم نفي الاخر عن المدة قياسا على نفي الاول وقد بين شيوخ أهل العدل في كتبهم الفرق بين هذين الامرين وقالوا من المستحيل اثبات فاعل لم يزل فاعلا وليس بمنكر ولا مستحيل اثبات فاعل لا يزال فاعلا وبينوا ان نفي التناهي والابتداء عن الافعال من قبل اولها يخرجها من ان يكون افعالا وليس نفي التناهي عنها من قبل آخرها يخرجها من ان تكون افعالا وذكروا ان نعيم أهل الجنة وعقاب اهل النار دائمان لا انقطاع لهما ولا آخر ولم يؤد ذلك الى المحال والفساد الى ما ادى إليه نفي التناهي عن الافعال من قبل اولها وقالوا ليس بمنكر ان يدخل داخل دارا بعد دار ابدا بغير انقطاع ومن المستحيل المنكر ان يدخل دارا قبل دار ابدا بلا اول وقد استقصينا نحن هذا الكلام في مواضع كثيرة من كتبنا وذكرناه في الملخص وغيره من اجوبة المسائل والنقوض على المخالفين وأما ما تضمنه السؤال من ان هذا

--- [ 9 ]

صفحة ٨

يدل على ان الصنعة والصانع قديمان لم يزالا فمناقضة ظاهرة لان الوصف المتصف بالقدم ينقض كونه صفة كما ان وصف القديم بانه مصنوع ينقض كونه قديما وهل هذا إلا تصريح بان المحدث قديم والقديم محدث ولا خفاء بفساد ذلك هذا آخر الجواب الوارد الي من حضرة السيد الشريف المرتضى رضى الله عنه عن هذه الشبهة وجميع ما تضمنه من اطلاق القول بان بين القديم واول المحدثات اوقات لا اول لها فانما المراد به تقدير اوقات دون ان يكون القصد اوقاتا في الحقيقة لأن الاوقات افعال فقد ثبت ان للافعال اولا فلو قلنا ان بين القديم واول الافعال اوقاتا في الحقيقة لناقضناه ودخلنا في مذهب خصمنا نعوذ بالله من القول بهذا (جواب آخر عن هذه الشبهة) وقد قال بعض أهل العلم انه لا ينبغي ان نقول بين القديم وبين المحدث لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين والقديم لا اول له والواجب ان نقول ان وجود القديم لم يكن عن عدم ونقول انه لو امكن وجود حوادث بلا نهاية ولم يتناقض ذلك لامكن ان يفعلها حادثا قبل حادث لا الى اول فيكون قد وجدت حوادث بلا نهاية ولسنا نريد بذلك انه كان قبل فعل مدة يريد امتدادها لأن هذا هو الحدوث والتجدد وهو معنى الزمان والحركة فإن قال قائل انه لا يثبت في الاوهام إلا هذا الامتداد قيل له ليس يجب إذا ثبت في الوهم ان يكون صحيحا اليس عندكم انه ليس خارج العالم خلاء وذلك غير متوهم ثم يقال لهم ايثبت في الوهم ذلك مع فرضكم نفي الحركات والتغييرات ام مع فرضكم اثبات ذلك فإن قالوا مع فرضنا اثبات ذلك قيل لهم فيجب مع نفي ذلك ان لا يثبت هذا التوهم وان قالوا يثبت هذا التوهم مع فرضنا نفي ذلك قيل لهم فقد ثبت في التوهم النقيضان لأن هذا التوهم هو ان ينتقل ويمتد قال ثم يقال ارايتم لو قال لكم قائل ليس يثبت في ذهني موجود ليس في جهة فيجب ان يكون البارئ عزوجل في جهة اليس يكون يمكن ان يقال إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما وأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز فانه لا يثبت ذلك في الوهم فهكذا يكون جوابنا لكم ثم قال هذا المتكلم فإن قالوا فإذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم ان الباري سبحانه لم يتقدم فعله قيل بل نقول انه يتقدم على معنى ان وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله وقولنا ثم يترتب على عدم الفعال لا غير قال ونقول إذا فعل الله سبحانه شيئا انه كان يجوز ان يتقدم على معنى انه يفعله فيكون بينه وبين يومنا من الحوادث اكثر مما هو الان وليس الكثرة والتقدم والتاخر راجعا إلا

--- [ 10 ]

صفحة ٩

الى الحوادث دون مدة يقع فيها ثم تكلم في نفي المدة فقال والذي يبين ان تقدم الحركات وتاخرها يثبت من دون مدة يقع فيها انه لا يخلو هذه المدة من ان تكون شيئا واحدا لا امتداد فيه ولا ينتقل من حال الى حال أو يكون فيه تنقل وامتداد والاول يقتضى اثبات الزمان على غير الوجه المعقول ويقتضى ان تكون الاشياء غير متقدم بعضها على بعض إذا كان بالاجل تقدمه وتاخره بتقدم الاشياء ويتاخر ليس فيه تقدم وتاخر فليت شعري اثبت التقدم والتاخر بنفسه ام بغيره ان كان يثبت فيه بغيره ادى الى ما لا نهاية له وان كان ذلك الزمان متقدما ومتاخرا بنفسه من غير ان يكون في شئ متقدم ومتاخر فهلا قيل ذلك في الحركات واستغنى عن معنى غيرها فصل وبيان وهذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة كافية في اثبات الحجة المستدل بها وهي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي لانه لا يطلق القول بان بين القديم واول المحدثات مدة ويقول ان قبلها بمعنى انه كان موجودا ثم وجدت وهي معنى ما ذكر هذا المتكلم في قوله ان وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله فهو على هذا الوجه قبل افعاله واعلم ايدك الله ان العبارات في هذه المواضع تضيق عن المعاني وتدعو الضرورة الى النطق بما عهد ووجد في الشاهد وان لم يكن المراد حقيقة في المتعارف ويجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى الى النفس كقولنا قبل وبعد وكان وثم فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الالفاظ إلا في الاوقات والمدد فإذا قلنا ان الله تعالى كان قبل خلقه ثم اوجد خلقه فليس هذا التقديم والتاخير مفيد الاوقات ومدد وقد تتقدم الاوقات بعضها على بعض بانفسها من غير ان يكون لها اوقات اخر وكذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا ان وجود الله قبل وجود خلقه فليس للوجود في الحقيقة معنى غير الموجود وإنما هو اتساع في القول والمعنى مفهوم معقول وقد سال أبو القاسم البلخى نفسه فقال ان قال قائل اخبرونا عن اول فعل فعله الله تعالى اكان من الجائز ان يفعل قبل غيره واجاب عن ذلك فقال هو جائز بمعنى ان يكون لم يفعله وفعل غيره بدله وفعله هو فاما غير ذلك فلا يجوز لانه يؤدى الى المحال وفي هذا القدر كفاية في الكلام على الملحدة الدهرية والحمد لله (مسألة) في تأويل خبر ان سال سائل فقال ما معنى قول النبي صلى الله عليه واله في الخبر المروى عنه لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر (الجواب) قيل له الوجه

--- [ 11 ]

صفحة ١٠