الكلام على وصول القراءة للميت
محقق
أبو عبد الرحمن شوكت بن رفقي شحالتوغ
الناشر
الدار الأثرية [طبع ضمن مجموع فيه رسائل في حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للأموات]
الإصدار
الأولى 1430 هـ - 2009 م
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم الفاضل الورع الناسك الحبر البليغ المتقن المفيد المسند قاضي القضاة شيخ الشيوخ شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيح الإمام العالم عماد الدين أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد ابن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، قدس الله روحه ونور ضريحه. سأل سائل عن قوله سبحانه وتعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ، وما العذر عنها في عدم وصول ثواب القرآن إلى الميت؟
فأجبته: بأن العلماء اختلفوا فيها على ثمانية أقوال:
أحدها: أنها منسوخة بقوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن
صفحة ٢١٥
عباس. وإنما جاء نسخا وإن كانت خبرا لجوازه إذا كان بمعنى الأمر والنهي على ما قيل.
صفحة ٢١٦
القول الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وقوم موسى عليهما السلام، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، قاله عكرمة، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للتي سألته أن أبي مات ولم يحج قال: ((حجي عنه)) .
صفحة ٢١٧
القول الثالث: أن المراد بالإنسان هاهنا الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له، قاله الربيع بن أنس.
القول الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، أما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء، قاله الحسين بن الفضل.
القول الخامس: أن معنى {ما سعى} ما نوى، قاله أبو بكر الوراق ودل عليه بما روي في الحديث: ((إن الملائكة تصف كل
صفحة ٢١٨
يوم بعد العصر بكتبها في السماء الدنيا، فينادي الملك: الق تلك الصحيفة، فيقول: وعزتك ما كتبت إلا ما عمل، فيقول الله عز وجل: لم يرد به وجهي، وينادي الملك الثاني: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول الملك: وعزتك إنه لم يعمل ذلك، فيقول الله عز وجل: إنه نواه، إنه نواه)) .
القول السادس: إنه ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا فيثاب عليه فيها، حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي.
القول السابع: إن اللام في الإنسان بمعنى على، تقديره ليس على الإنسان إلا ما سعى.
القول الثامن: أن ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة فتارة فيكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيل سببه، مثل سعيه في تحصيل قراءته، وولد يترحم عليه، وصديق يستغفر، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة أهل الدين
صفحة ٢١٩
فيكون ذلك سببا حصل بسعيه. حكى هذين القولين الشيخ الإمام أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه علي بن الزاغواني رحمهما الله تعالى.
$فصل$
ومما أستدل به العلماء على وصول ذلك إلى الأموات أوجه:
أحدها: مما روى أبو بكر النجار في سننه بإسناده في كتاب الجنائز من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن العاص بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وإن هشام بن العاص نحر حصته من ذلك، خمسين بدنة أفتجزئ عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أباك لو كان آمن بالتوحيد فصمت عنه، أو تصدقت أو أعتقت عنه، بلغه ذلك)) .
فوجه الحجة أنه صلى الله عليه وسلم سوى بين الصوم والصدقة والعتق في الوصول إليه.
الدليل الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال:
صفحة ٢٢٠
يا رسول الله! صلى الله عليك، كان لي أبوان وكنت أبرهما حال حياتهما، فكيف لي بالبر بعد موتهما؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من البر بعد البر، أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تتصدق لهما مع صدقتك)) ، رواه الدارقطني.
الدليل الثالث: ما روى القاضي أبو يعلى بإسناده عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مر على المقابر فقرأ: {قل هو الله أحد} إحدى عشر مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)) ، رواه الدارقطني أيضا.
صفحة ٢٢١
الدليل الرابع: ما روى أبو بكر عبد العزيز صاحب الخلال بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات)) .
وبإسناده أيضا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما يس غفر الله له)) .
صفحة ٢٢٢
الدليل الخامس: ما روى أبو حفص بن شاهين بإسناده عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال الحمد لله رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، لله الملك رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله النور في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض وهو العزيز الحكيم، مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالدي لم يبق لوالديه حق إلا أداه إليهما)) .
وذكر القاضي الإمام أبو الحسن الفراء في كتابه بإسناده أن أنس بن مالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إنا نتصدق عن موتانا ونحج وندعوا لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال: ((نعم إنه ليصل إليهم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه)) . رواه أبو حفص العكبري.
صفحة ٢٢٣
وروي بإسناده عن سعد أنه قال: يا رسول الله! إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؟ قال: ((تصدق عن أمك)) ، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء)) .
وبإسناده عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أن أبي مات أفأعتق عنه؟ قال: ((نعم)) .
وبإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي أن الحسن والحسين عليهما السلام ((كانا يعتقان عن علي رضي الله عنه وأرضاه)) .
وروى مقاتل بن سليمان في أثناء تفسير الخمس مائة آية قال:
صفحة ٢٢٤