الكافي في فقه ابن حنبل
الناشر
دار الكتب العلمية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٤ هجري
مكان النشر
بيروت
تصانيف
•الفقه الحنبلي
مناطق
•سوريا
[خطبة الكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
قال الشيخ العالم العلامة الأوحد، الصدر الكامل شيخ الإسلام قدوة الأنام، موفق الدين أبو عبد الله أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ﵀:
الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار، عالم خفيات الأسرار، غافر الخطيئات والأوزار، الذي امتنع عن تمثيل الأفكار وارتفع عن الوصف بالحد والمقدار، وأحاط
1 / 13
علمه بما في لجج البحار، وله ما سكن في الليل والنهار، أنعم علينا بالنعم الغزار، ومن علينا بالنبي المختار، محمد سيد الأبرار، المبعوث من أطهر بيت في مضر بن نزار، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - الأطهار، وصحابته المصطفين الأخيار، صلاة تجوز حد الإكثار، دائمة بدوام الليل والنهار.
هذا كتاب استخرت الله تعالى في تأليفه على مذهب إمام الأئمة، ورباني الأمة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵁ في الفقه، توسطت فيه بين الإطالة والاختصار، وأومأت إلى أدلة مسائله مع الاقتصار، وعزيت أحاديثه إلى كتب أئمة الأمصار؛ ليكون الكتاب كافيا في فنه عما سواه، مقنعا لقارئه بما حواه، وافيا بالغرض من غير تطويل، جامعا بين بيان الحكم والدليل، وبالله أستعين، وعليه أعتمد، وإياه أسأل أن يعصمنا من الزلل، ويوفقنا لصالح القول والنية والعمل، ويجعل سعينا مقربا إليه، ونافعا لديه، وينفعنا والمسلمين بما جمعنا، ويبارك لنا فيما صنعنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1 / 14
[كتاب الطهارة]
[باب حكم الماء الطاهر]
[كتاب] الطهارة باب حكم الماء الطاهر يجوز التطهر من الحدث والنجاسة بكل ماء نزل من السماء: من
1 / 15
المطر، وذوب الثلج والبرد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]
1 / 16
وقول النبي ﷺ: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد» متفق عليه. وبكل ماء نبع من الأرض، من العيون، والبحار، والآبار، لما
1 / 17
روى أبو هريرة ﵁ قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
1 / 18
و«كان النبي ﷺ يتوضأ من بئر بضاعة» رواه النسائي.
فصل:
فإن سخن بالشمس، أو بطاهر، لم تكره الطهارة به؛ لأنها صفة خلق عليها الماء، فأشبه ما لو برده، وإن سخن بنجاسة يحتمل وصولها إليه، ولم
1 / 19
يتحقق فهو طاهر؛ لأن الأصل طهارته، فلا تزول بالشك، ويكره استعماله لاحتمال النجاسة. وذكر أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يكره؛ لأن الأصل عدم الكراهة. وإن كانت النجاسة لا تصل إليه غالبًا، ففيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لأنه يحتمل النجاسة، فكره كالتي قبلها.
والثاني: لا يكره؛ لأن احتمال النجاسة بعيد، فأشبه غير المسخن.
وإن خالط الماء طاهر لم يغيره، لم يمنع الطهارة به؛
1 / 20
لأن النبي ﷺ: «اغتسل هو وزوجته من قصعة فيها أثر العجين» رواه النسائي وابن ماجه والأثرم [و] لأن الماء باق على إطلاقه.
فإن كان معه ماء يكفيه لطهارته فزاده مائعًا لم يغيره، ثم [تطهر] به، صح لما ذكرنا.
وإن كان الماء لا يكفيه لطهارته، فكذلك؛ لأنه المائع استهلك في الماء كالتي قبلها.
وفيه وجه آخر: لا تجوز الطهارة به؛ لأنه أكملها بغير الماء، فأشبه ما لو غسل به بعض أعضائه.
1 / 21
وإن غير الطاهر صفة الماء لم يخل من أوجه أربعة:
أحدها: ما يوافق الماء في الطهورية، كالتراب، وما أصله الماء كالملح المنعقد من الماء، فلا يمنع الطهارة به؛ لأنه يوافق الماء في صفته، أشبه الثلج.
والثاني: ما لا يختلط بالماء كالدهن والكافور والعود، فلا يمنع؛ لأنه تغير عن مجاورة، فأشبه ما لو تغير الماء بجيفة بقربه.
الثالث: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء، وما يجري عليه الماء من الكبريت والقار وغيرهما، وورق الشجر على السواقي والبرك، وما تلقيه الرياح والسيول في الماء من الحشيش والتبن ونحوهما، فلا يمنع؛ لأنه لا يمكن صون الماء عنه.
الرابع: ما سوى هذه الأنواع، كالزعفران والأشنان والملح المعدني، وما لا ينجس بالموت كالخنافس والزنابير، وما عفي عنه لمشقة التحرز إذا ألقي في الماء قصدًا، فهذا إن غلب على أجزاء الماء مثل أن جعله صبغًا، أو حبرًا، أو طبخ فيه، سلبه الطهورية
1 / 22