جمهرة أشعار العرب

محقق

علي محمد البجادي

الناشر

نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، الذين نزل القرآن بألسنتهم، واشتقت العربية من ألفاظهم، واتخذت الشواهد في معاني القرآن وغريب الحديث من أشعارهم، وأسندت الحكمة والآداب إليهم، تأليف أبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي. وذلك أنه لما لم يوجد أحدٌ من الشعراء بعدهم إلا مضطرًا إلى الاختلاس من محاسن ألفاظهم، وهم إذ ذاك مكتفون عن سواهم بمعرفتهم، وبعد فهم فحول الشعر الذين خاضوا بحره، وبعد فيه شأوهم، واتخذوا له ديوانًا كثرت فيه الفوائد عنهم، ولولا أن الكلام مشتركٌ، لكانوا قد حازوه دون غيرهم، فأخذنا من أشعارهم إذ كانوا هم الأصل، غررًا هي العيون من أشعارهم، وزمام ديوانهم. ونحن ذاكرون في كتابنا هذا ما جاءت به الأخبار المنقولة، والأشعار المحفوظة عنهم، وما وافق القرآن من ألفاظهم، وما روي عن رسول الله، ﷺ، في الشعر والشعراء، وما جاء عن أصحابه والتابعين من بعدهم، وما وصف به كل واحد منهم، وأول من قال الشعر، وما حفظ عن الجن، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
اللفظ المختلف ومجاز المعاني
فمن ذلك ما حدثنا به المفضل بن محمد الضبي يرفعه إلى عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قدم نافع بن الأزرق الحروري إلى ابن عباس يسأله عن القرآن، فقال ابن عباس: يا نافع! القرآن كلام الله ﷿؛ خاطب به العرب بلفظها، على لسان أفصحها؛ فمن زعم أن القرآن غير العربية فقد افترى، قال الله تعالى: " قرآنًا عربيًا

1 / 11

غير ذي عوج " وقال تعالى: " بلسانٍ عربيٍ مبين " وقد علمنا أن اللسان لسان محمد، ﷺ، وقال تعالى: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبين لهم " وقد علمنا أن العجم ليسوا قومه، وأن قومه هذا الحي من العرب، وكذلك أنزل التوراة على موسى، ﵇، بلسان قومه بني إسرائيل؛ إذ كانت لسانهم الأعجمية، وكذلك أنزل الإنجيل على عيسى، ﵇، لا يشاكل لفظه لفظ التوراة، لاختلاف لسان قوم موسى وقوم عيسى.
وقد يقارب اللفظ اللفظ أو يوافقه، وأحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو غيرها، فمن ذلك الإستبرق بالعربية، وهو بالفارسية الإستبره، وهو الغليظ من الديباج. والفرند، وهو بالفارسية الفكرند. وكور وهو بالعربية حور. وسجين وهو موافق اللغتين جميعًا، وهو الشديد. وقد يداني الشيء الشيء وليس من جنسه، ولا ينسب إليه، ليعلم العامة قرب ما بينهما. وفي القرآن مثل ما في كلام العرب من اللفظ المختلف، ومجاز المعاني، فمن ذلك قول امرىء القيس بن حجر الكندي: الطويل
قِفا فاسألا الأطلالَ عن أُمّ مالكِ ... وهل تُخبِرُ الأطلالُ غيرَ التّهالُكِ
فقد علم أن الأطلال لا تجيب، إذا سئلت، وإنما معناه قفا فاسألا أهل الأطلال،

1 / 12

وقال الله تعالى: " واسأل القرية التي كنا فيها " يعني أهل القرية، وقال الأنصاري: المنسرح
نَحنُ بما عندَنا وأنتَ بما ... عندَك راضٍ، والرّأيُ مُختلفُ
أراد نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ، فكف عن خبر الأول إذ كان في الآخر دليلٌ على معناه، وقال الله تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين " فكف عن خبر الأول لعلم المخاطب بأن الأول داخلٌ فيما دخل فيه الآخر من المعنى. وقال شداد بن معاوية العبسي أبو عنترة الوافر:
وَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنّي، فإنّي ... وَجِروَةَ لا تَرودُ ولا تُعار
ترك خبر نفسه وجعل الخبر لجروة، وقال الله ﷿: " ومن يشاق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب " فكف عن خبر الرسول. وقال الربيع بن زياد العبسي: الطويل
فإن طِبْتُمُ نَفسًا بمَقتَلِ مالكٍ، ... فنَفسي، لَعمري، لا تَطيبُ بذلكا

1 / 13

فأوقع لفظ الجمع على الواحد. وقال الله تعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه " وقال النابغة: البسيط
قالت: ألا لَيتما هذا الحمامُ لَنا ... إلى حَمامَتِنا أو نِصفُهُ، فَقَدِ
فأدخل ما عاريةً لاتصال الكلام، وهي زائدةٌ، والمعنى: ألا ليت هذا الحمام لنا، وقال الله تعالى: " فبما رحمةٍ من الله لنت لهم " وقال الله تعالى: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها " فما في ذلك كله صلةٌ غير واقعةٍ لا أصل لها. وقال الشماخ بن ضرار التغلبي: الوافر
أَعايِشَ ما لِقَومِكِ لا أراهمْ ... يُضيعُونَ الهِجانَ مَعَ المُضيعِ
لا ههنا زائدة، والمعنى: ما لقومك أراهم. وقال تعالى: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " لا ههنا زائدة، والمعنى: غير المغضوب عليهم والضالين.
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي: الوافر
وكلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ، ... لَعمرُ أبيكَ، إلاّ الفَرقدانِ

1 / 14

فجعل إلا بدلًا من الواو؛ والمعنى: والفرقدان كذلك، وقال الله تعالى: " الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم " إلا ههنا لا أصل لها، والمعنى: واللمم، وقال تعالى: " فلولا كانت قريةٌ آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس " والمعنى: وقوم يونس، وقال خفاف بن ندبة السلمي: الطويل
فإنْ تَكُ خَيلي قد أُصِيبَ صَميمُها ... فعَمدًا على عَيني تَيمّمْتُ مالِكَا
أقُولُ لَهُ، والرّمحُ يأطِرُ مَتنَهُ: ... تأمّل خِفافًا! إنّني أنا ذلِكَا
معناه: تأملني فأنا هو. وقال الله تعالى: " ألم. ذلك الكتاب " يعني هو هذا الكتاب، والعرب تخاطب الشاهد مخاطبة الغائب. قال امرؤ القيس بن حجر في موافقة اللفظ: مجزوء الكامل
وَتَبَرّجَتْ لتَرُوعَنا، ... فَوَجدتُ نَفسي لم تُرَعْ
وقال تعالى: " غير متبرجاتٍ بزينةٍ " والتبرج: هو أن تبدي المرأة زينتها، وقال امرؤ القيس بن حجر: الوافر
وماءٍ آسِنٍ برَكَتْ علَيهِ، ... كأنّ مُناخَها مُلقى لجامِ
الآسن: المتغير، قال تعالى: " فيها أنهارٌ من ماءٍ غي آسن " أي غير متغير، وقال امرؤ القيس بن حجب: الطويل
ألا زَعمتْ بَسباسةُ اليومَ أنّني ... كَبِرتُ، وأنْ لا يُحسن السِّرّ أمثالي

1 / 15

السر: النكاح، قال الله تعالى: " ولكن لا تواعدوهن سرًا " وقال امرؤ القيس: الوافر
أرانا مُوضِعينَ لأمرِ غَيبٍ، ... ونُسحَرُ بالطّعامِ وبالشّرابِ
وقال تعالى: " ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة " والإيضاع ضرب من السير. وقال امرؤ القيس: الطويل
خَفَاهُنّ من أَنْفَاقِهِنّ، كَأنّمَا ... خَفَاهُنّ ودقٌ من عَشيٍ مُجَلِّبِ
خفاهن: أظهرهن، قال الله تعالى: " إن الساعة آتيةٌ أكاد أخفيها " أي أظهرها، وقال زهير بن أبي سلمى: البسيط
لئن حَلَلْتَ بجَوٍ في بَني أسَدٍ، ... في دينِ عمرٍو، وحالتْ بيننا فَدَكُ
في دين عمرو: يعني في طاعة عمرو، وقال الله تعالى: " ولا يدينون دين الحق " أي لا يطيعون. وقال زهير: البسيط
مُكَلَّلٍ بأُصولِ النّبتِ، تَنسِجُهُ ... ريحُ الجَنوبِ، لِضَاحي مائِهِ حُبُكُ

1 / 16

الحبك: الطرائق في الماء، قال الله تعالى: " والسماء ذات الحبك " أي الطرائق. وقال زهير أيضًا: الطويل
بأرضِ فَلاةٍ لا يُسَدّ وَصِيدُهَا، ... عليّ، ومَعروفي بها غيرُ مُنكَرِ
والوصيد: الباب، قال الله جل وعلا: " وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد " أي بالباب، وقال: " إنها عليهم مؤصدةٌ " أي مغلقة. وقال زهير أيضًا: الطويل
ويُنغِضُ لي يوم الفِجارِ، وقد رأى ... خيولًا عَليها، كالأسودِ، ضَوارِي
ينغض: يرفع رأسه، قال الله تعالى: " فسينغضون إليك رؤوسهم " أي يرفعونها ويحركونها بالاستهزاء. وقال النابغة للنعمان بن المنذر: البسيط
إلاّ سلَيْمَانَ، إذ قالَ المَليكُ لَهُ: ... قُم في البرِيّةِ، فاحدُدْها عن الفَنَدِ
الفند الكذب، قال الله تعالى " لولا أن تفندون " أي تكذبون. وقال النابغة أيضًا: البسيط
تَلُوثُ، بعد افتضالِ البُرْدِ، مِئزَرَها ... لوثًا على مثلِ دِعصِ الرّملةِ الهاري
الهاري: المتهدم من الرمل، قال الله تعالى: " على شفا جرفٍ هارٍ " أي متهدم.

1 / 17

وقال أعشى قيس، واسمه ميمون بن قيس: المتقارب
نحرتُ لهم مَوهِنًا ناقَتي، ... وعامِرُنا مُدلهِمٌّ غَطِشْ
يعني: وقد هدأت العيون، وغطش مظلم، كقوله تعالى: " وأغطش ليلها "، وقال الأعشى: الخفيف:
فَرعُ نَبعٍ يَهتَزّ في غُصُنِ المَجْ ... دِ، غزيرُ النّدى، شَديِدُ المِحَالِ
المحال: القوة، كقوله تعالى: " وهو شديد المحال " وقال الأعشى أيضًا: البسيط
تَقولُ بنيّ، وقد قَرّبتُ مُرتَحِلًا: ... يا رَبّ جَنّبْ أبي الأوصابَ والوَجَعا
علَيكِ مثلُ الذي صَلّيتِ، فاغتَمضي ... نَومًا، فإنّ لجَنبِ الحَيّ مُضطجعَا
الصلاة ههنا الدعاء، قال تعالى: " وصل عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم ". وقال الأعشى أيضًا الوافر
أَتَذكُرُ، بَعدَ أُمّتِكَ، النَّوارَا، ... وقد قُنّعتَ من شَيبٍ عِذارَا
الأمة: الحين، قال الله جل ذكره: " وادكر بعد أمةٍ "، أي بعد حين. وقال الأعشى أيضًا: الرمل
وأتاني صاحبٌ ذو حَاجَةٍ، ... واجبُ الحَقّ، قريبٌ رَحِمُهْ
الرحم: القرابة، وهو قوله تعالى: " وأقرب رحمًا ". وقال الأعشى: المتقارب
وبَيضاءَ كالنهِّيِ مَوضونَة، ... لها قَوْنَسٌ مثلُ جيبِ البَدنْ

1 / 18

وقال تعالى: " على سررٍ موضونةٍ "، أي مشتبكة. وقال الأعشى: البسيط
كأَنّ مِشْيَتَها مِنْ بَيْتِ جارَتِها ... مَوْرُ السَّحَابةِ لا رَيثٌ ولا عَجَلُ
وقال الله تعالى: " يوم تمور السماء مورًا "، والمور الاستدارة والتحرك. وقال الأعشى: الطويل:
يَقولُ بِهَا ذُو مِرّةِ القومِ منهُمُ ... لِصَاحبِهِ إذْ خافَ منها المَهالِكَا
المرة: الحيلة، ويقال القوة، قال تعالى: " ذو مرةٍ فاستوى ". وقال الأعشى: الرمل
ساقَ شِعري لهمُ قافيَةً، ... وعلَيهِم صارَ شِعري دَمدَمه
دمدمة أي تدميرًا، كقوله تعالى: " فدمدم عليهم ربهم بذنبهم "، أي دمر. وقال الأعشى: الكامل
أم غابَ رَبُّكَ فاعترَتْكَ خَصَاصَةٌ ... فلَعَلّ رَبّكَ أنْ يؤوبَ مُؤيَّدا
الرب: السيد، قال الله تعالى: " ارجع إلى ربك " أي سيدك. وقال الأعشى أيضًا: السريع
أَقْنِ حَياءً أنتَ ضَيّعْتَهُ، ... مالكَ بَعدَ الجَهلِ من عاذِرِ
أقن: أي أرض، قال الله تعالى: " وأنه هو أغنى وأقنى " أي أرضى.

1 / 19

وقال الأعشى: السريع
لَيَأتِيَنْهُ مَنْطِقٌ قاذِعٌ ... مُستَوسقٌ للمَسمَعِ الآثِرِ
الآثر: الراوية، قال الله تعالى: " سحرٌ يؤثر "، أي يروى. وقال الأعشى: الطويل
بكأسٍ كعينِ الدّيكِ باكَرْتُ خِدرَها ... بفتيانِ صِدقٍ، والنّواقيسُ تُضرَبُ
الكأس: الخمر، وهو قوله تعالى: " بكأسٍ من معين ". وقال الأعشى: الكامل.
سُبُطًا تَبَارَى في الأعنّةِ بَينَها ... حتى تَفيءَ عَشيّةً أنفالُها
الأنفال: الغنائم، وهو قوله تعالى: " يسألونك عن الأنفال " وقال الأعشى: الكامل
وأراكَ تُحبَرُ إن دَنَتْ لَكَ دارُها، ... ويَعُودُ نَفسَك، إن نأتْكَ، سِقَامُها
تحبر: تسر وتكرم، وقال الله تعالى: " في روضةٍ يحبرون ". وقال الأعشى يذكر النعمان: المتقارب
وخَرّتْ تَميمٌ لأذقانِها، ... سجودًا لذي التاجِ في المَعمَعة
الأذقان: الوجوه، كقوله تعالى: " ويخرون للأذقان يبكون ".
ثم المثل يقول الأعشى

1 / 20