510

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

محقق

عبد الكريم سامي الجندي

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى ١٤٢٦ هـ

سنة النشر

٢٠٠٥ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

لَا آتِي إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا إِلا صغر تموه: أُعْطِيكُم الْعَطِيَّةَ فِيهَا قَضَاءُ حُقُوقِكُمْ فَتَأْخُذُونَهَا مُتَكَارِهِينَ عَلَيْهَا، تَقُولُونَ: قَدْ نَقُصَ حَقُّنَا وَلَيْسَ هَذَا تَأْمِيلُنَا، فَأَيُّ أملٍ بَعْدَ أَلْفِ ألفٍ أُعْطِيهَا الرَّجُلَ مِنْكُمْ ثُمَّ أَكُونُ أَسَرَّ بِإِعْطَائِهَا مِنْهُ بِأَخْذِهَا؟ وَاللَّهِ لَقَدِ انْخَدَعْتُ لَكُمْ فِي مَالِي، وَذَلَلْتُ لَكُمْ فِي عِرْضِي، أَرَى انْخِدَاعِي تَكَرُّمًا، وَذُلِّي حِلْمًا، وَلَوْ وَلَّيْتُمُونَا رَضِينَا مِنْكُمْ بِالإِنْصَافِ ثُمَّ لَا نَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لِعِلْمِنَا بِحَالِنَا وَحَالِكُمْ، وَيَكُونُ أَبْغَضُ الأَمْوَالِ إِلَيْنَا أَحَبَّهَا إِلَيْكُمْ لأَنَّ أَبْغَضَهَا إِلَيْنَا أَحَبُّهَا إِلَيْكُم، قل يَا ابْن عباسٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ وُلِّينَا مِنْكُمْ مِثْلَ الَّذِي وُلِّيتُمْ مِنَّا اخْتَرْنَا الْمُوَاسَاةَ ثُمَّ لَمْ يَعَشِ الْحَيُّ بِشَتْمِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ نَنْبُشِ الْمَيِّتَ بِعَدَاوَةِ الْحَيِّ، وَلأَعْطَيْنَا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَمَّا إِعْطَاؤُكُمُ الرَّجُلَ مِنَّا أَلْفَ أَلْفٍ فَلَسْتُمْ بِأَجْوَدَ مِنَّا أَكُفًّا، وَلا أَسْخَى مِنَّا أَنْفُسًا، وَلا أَصْوَنَ لأَعْرَاضِ الْمُرُوءَةِ وَأَهْدَافِ الْكَرَمِ؛ وَنَحْنُ وَاللَّهِ أَعْطَى فِي الْحَقِّ مِنْكُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَأَعْطَى عَلَى التَّقْوَى مِنْكُمْ عَلَى الْهَوَى. فَأَمَّا رِضَاكُمْ مِنَّا بِالْكِفَافِ فَلَوْ رَضِيتُمْ بِهِ مِنَّا لَمْ نَرْضَ لأَنْفُسِنَا بِذَلِكَ والكفاف رضى من لَاحق لَهُ، فَلَوْ رَضِيتُمْ بِهِ مِنَّا الْيَوْمَ مَا قَتَلْتُمُونَا عَلَيْهِ أَمْسِ، فَلا تَسْتَعْجِلُونَا حَتَّى تَسْأَلُونَا، وَلا تَلْفِظُونَا حَتَّى تَذُوقُونَا. فَقَالَ الْفَضْلُ بْن الْعَبَّاس بْن عتبَة بْن أَبِي لهبٍ:
وَقَالَ ابْنُ حربٍ قَوْلَةً أُمَوِيَّةً ... يُرِيدُ بِمَا قَدْ قَالَ تفتيش هَاشم
أجب يَا ابْن عَبَّاسٍ تُرَاكُمْ لَوْ أَنَّكُمْ ... مَلَكْتُمْ رِقَابَ الأَقْرَبِينَ الأَكَارِمِ
أَتَيْتُمْ إِلَيْنَا مَا أَتَيْنَا إِلَيْكُمْ ... مِنَ الْكَفِّ عَنْكُمْ وَاجْتِبَاءِ الدَّرَاهِمِ
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَقَالا أُمْضِهِ ... وَلَمْ يَكُ عَنْ رَدِّ الْجَوَابِ بِنَائِمِ
نَعَمْ لَوْ وَلَّيْنَاكُمْ عَدَلْنَا عَلَيْكُمْ ... وَلَمْ تَشْتَكُوا مِنَّا انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ
وَلَمْ نَعْتَمِدْ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ غُمَّةً ... تُحْدِثُهَا الركْبَان أهل المواسم
وَلم نُعْطِكُمْ إِلا الْحُقُوقَ الَّتِي لَكُمْ ... وَلَيْسَ الَّذِي يُعْطِي الْحُقُوقَ بِظَالِمِ
وَمَا أَلَفُ ألفٍ تَسْتَمِيلُ ابْنَ جعفرٍ ... بهَا يَا ابْن حربٍ عِنْد حز الحلاقم
فَأصْبح يَرْمِي مَنْ رَمَاكُمْ بِبُغْضِهِ ... عَدُوُّ الْمَعَادِي سَالِمًا لِلْمُسَالِمِ
فَأَعْظِمْ بِمَا أَعْطَاكَ مِنْ نُصْحِ جَيْبِهِ ... وَمِنْ أَمْنِ غيبٍ لَيْسَ فِيهِ بِنَادِمِ
رِسَالَة من خَالِد الْقَسرِي إِلَى أبان البَجلِيّ
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن عبيد بْن نَاصح قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمرَان عَن أَبِيه قَالَ: كتب خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْقَسرِي إِلَى أبان بْن الْوَلِيد البَجلِيّ وَكَانَ قد ولاه الْمُبَارك: أما بعد فَإِن بالرعية من الْحَاجة إِلَى ولاتها مثل الَّذِي بالولاة من الْحَاجة إِلَى رعيتها، وَإِنَّمَا هم من الْوَالِي بِمَنْزِلَة جسده من رَأسه، وَهُوَ مِنْهُم بِمَنْزِلَة رَأسه من جسده فَأحْسن إِلَى رعيتك بالرفق بهم، وَإِلَى نَفسك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَلَا يكونُونَ هم إِلَى صَلَاحهمْ أسْرع مِنْك إِلَيْهِ، وَلَا عَن فسادهم أدفَع مِنْك عَنْهُ، وَلَا يحملك فضل الْقُدْرَة على

1 / 514