584

وفي أواخر يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأول من سنة اثنين وستين هذه، مات الشيخ الصالح القدوة الفاضل المفنن مدين [بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن علي بن يونس الحميري المغربي ثم الأشموني القاهري المالكي] تلميذ الزاهد، في بيته المجاور لزاويته، المجاورة لجامع شيخه الزاهد بالمقس في القاهرة، بعلة البطن، عن نحو ثمانين سنة، وأخبرت أنه لم ينقطع عن صلاة الجماعة بالزاوية إلا يوما واحدا، وكان شيخا وقورا فاضلا في الفقه، مشاركا في غيره ذا فهم مستقيم، وكان ناسكا، منقطعا عن الناس في زاوية شيخه المجاورة للجامع، وأول من روجه سيدي يحيى بن العطار في حدود سنة أربعين، فأقبل الأكابر على الشيخ مدين: كاتب السر الكمال بن البارزي، والجمال يوسف بن كاتب جكم ناظر الخاص، وأقبل بإقبالهما غيرهما، ثم لما مات، وطلب الشيخ عبادة لقضاء المالكية بعد قاضي القضاة الشمس السباطي سنة اثنيتن وأربعين امتنع من ذلك، واختفى عنده إلى أن ولي البدر بن التنسي ، واستمر منقطعا في زاويته، وقال: أنا لم أعرف الإسلام إلا بملازمتي للشيخ مدين؛ فهرع الناس إليه، وبعد صيته، وبنى له الأكابر زاويته، التي مات بها، وكان متولي عظم ذلك، ناظر الخاص، فكثر عنده المريدون، وكانت زاويته معمورة بالذكر آناء الليل والنهار، وكان عارفا بعشرة الناس، حسن التودد مع المزح واطراح النفس، واستجلاب الخواطر على هيئة لا تنقص من هيبته، ولا تخل بناموسه، ولم يكن في مانه أهل طريقة مثله، واستمر معظما عند الخاصة والعامة إلى أن مات، وصلى عليه بذلك الشارع قاضي الشافعية العلم صالح البلقيني، وحضر جنازته خلق كثير، مع أنه لم يدر له من يعلم به، فلم يشعر بذلك كثير من الناس رحمه الله، وأعظم أجر المسلمين فيه آمين.

صفحة ٣٤٧