Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي يوم السبت ثالث عشر صفر من السنة مات القاضي علاء الدين علي بن محمد بن آقبرس الشافعي، وكان مولده في أول القرن، وكان أول امره يرتزق بصناعة العنبر، ثم اشتغل بالعلم، ولازم الأشياخ إلى أن ضرب في الفنون بنصيب، وناب في القضاء لابن حجر وغيره، ولم يستنبه القاياتي في شيء مع إلحاحه عليه في السؤال، وصحب الأتارك، ولازم الظاهر جقمق قبل سلطنته بمدد، فلما تسلطن كان أحد خواصه وندمائه، وولي الحسبة، وكان مذموم السيرة في غالب ما يتولاه، وصنف أشياء، منها شرح الشفا للقاضي عياض في مجلدين أو ثلاثة، ولكن كانت دعاويه أكبر من علمه بكثير، وكان مستخفا بالناس، شديد الزهو والكبر والازدراء بالعظماء وهضمهم حقوقهم، من أعظم ما اتفق له في ذلك أنه لما مات قاضي القضاة ابن حجر، ووضع في سبيل المؤمني وتقدم أمير المؤمنين للصلاة عليه، وقف السلطان الملك الظاهر وراءه، ووقف الأمير الكبير إينال العلائي إلى جانبه، فجاء ابن آقبرس، فدفعه ودخل بينه وبين السلطان، فعظمت مشقة ذلك على الأمير الكبير، فلما ولي السلطنة خيف على ابن آقبرس منه، فلم يعامله إلا بالجميل، ولما مات أعطى جميع تعلقه لأولاده.
وكان يصحبه من قضاة السوء شخص يقال له شمس الدين التبريزي الحلبي، وآخر يقال له، ابن حبيلات من بلاد مصر، فرتبوا عنه وصية واستشهدوا فيها أمثالهما وضمناها أنه أوصى بمنافع لهما، وأنه أوصى للسلطان بمال كبير أظنه يزيد على ألف دينار ولجميع أركان الدولة كل واحد بشيء، وكان ابنه يحيى رجلا وكان فاضلا دينا، وكان مسافرا عند موته ، فلما حضر اجتمع بأركان الدولة، وشكى إليهم ذلك، فقال له ناظر الخاص الجمال يوسف: أنا أعرف أن ذلك باطل ولا أستحل أن آخذ منكم شيئا مما سمي لي، ولكن الرأي يقتضي أن ندفع إلى السلطان ما سمي له، فإن أمله قد تعلق به وإن لم تفعل ذلك لم تأمن غائلته، ففعل وكان ذلك من أغرب الأمور، وكفى به واعظا وزاجرا عن قرناء السوء والله الموفق.
صفحة ٣٣٩