Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي هذا الشهر، حكم القاضي محب الدين أبو البركات الهيثمي بانفراد الذكور من أولاد المحرقي بنظر وقف عليهم، وكانت امرأة منهم قد حكم لها بعض قضاة الحنفية، بأنها ناظرة بحكم أنها أرشد الموجودين وأغدر لها بعض من حكم له الهيثمي، وممن نفذ ذلك الحكم الهيثمي، وكانت المرأة مزوجة ببعض جماعة الشرف الأنصاري، فقام الأنصاري في ذلك وقعد، وكان الذكور عصبة من الطواشية والجند، وأقام الأنصاري عصبة، وكان مآل النظر إلى قاضي الحنفية، فعضب الأنصاري بعض الحنفية والمالكية والحنابلة، ثم سعى أن يعقد لذلك مجلس في قاضي الحنفية السعد بن الديري في المؤيدية، فسعى الهيثمي أن يكون ذلك عند السلطان، فأجيب، ثم سعى الأنصاري، حتى جعل ذلك في الصالحية، فحضر لذلك في نحو العشرين من الشهر، وقد صار القضاة الثلاثة في ذلك ألبا واحدا على الهيثمي، فسألوه عن ذلك، فاحتج بظهور شرط الواقف، بخلاف ما حكم به نائب الحنفي، فاحتجوا بتنفيذه لذلك، فاحتج بأنه لم يكن رأى شرط الواقف، وحصلت أمور كثيرة، عجزوا عن إبطال حكمه بشيء منها، فرأوا أن يصلحوا بين الفريقين، الذكور والإناث، ففعلوا، وحكم بذلك نائب الحنفي، فأبلغ الأنصاري السلطان أنه وقع الصلح وقال: لو كان حكمه صحيحا لم يجب إلى الصلح، وأوهمه أن الهيثمي هو الذي حكم بالصلح، وساعدته عصبتهن فعزله السلطان، فبلغته عصبة الهيثمي جلية الأمر، فعزل نائب الحنفي، وهو شخص من كبار الجهلة يقال له علي الميموني، فلما لم يقعوا على طائل عثروا على أن أبا البركات حقن دم يهودي وقع في حق النبي صلى الله عليه وسلم، بما لا يتدينون به، فقاموا في ذلك، وتعصب المالكية وغيرهم، حتى بعض الشافعية في ذلك، فأرسل السلطان نقيب الجيش إلى أبي البكرات يوم الثلاثاء خامس عشري الشهر فأخذه إلى بيته، ورسم عليه، ثم أمر القضاة فطلعوا يوم ختم البخاري، يوم الأربعاء سادس عشريه، آذان الظهر للكلام في القضية، ففعلوا، فأخذ الشافعي العلم صالح البلقيني يتكلم بما يؤدي إلى حقن دم اليهودي، من تلك الواقعة، فاحتد عليه السلطان، وأسمعه هو وغيره من رفقته وغيرهم ما لم يكن يظن أنه يحصل لقاضي الشافعية، لكن سوء السيرة يوجب ذلك فلا قوة إلا بالله.
حكي لي أنه أخذ حكم أبي البكرات ليقرأه، فأخذ يقرأ القصة التي سأل اليهودي فيها سماع الدعوى عليه بذلك، فتلكأ في قراءتها، فقال الأنصاري: إذا كان سيدنا قاضي القضاة لا يحسن قراءة القصة، فكيف كتب عليها، فقال له الشافعي: اسكت يا عامي. فقال الأنصاري: العامي الذي يحكم الأحكام الباطلة. وقال غيره نحو ذلك وأسمعوه من التلويح المقارب للتصريح، بأنه يأكل الرشا ما يصلح لأفعاله الخبيثة.
وقال السلطان : أن اليهودي أرسل إلي خمسمائة دينار، فلم أقبلها.
فقال: أبو البركات: أنا ما حكمت له في هذه الواقعة بشيء، انظروا
الحكم هذا أنهى أن جماعة من المسلمين يسبوه، إلى أنه قال هذه المقالة القبيحة وهو سكران، فسألته عن دفع قولهم، فقال: إنه عاجز عن ذلك، فرأى الحاكم أن هذا يقرب من الإقرار، فسأله هل قلت ذلك؟
فقال: لا. فاستحلفه، فحلف، فرأى أن يعزره على ما رآه يقارب
الإقرار، فضربه وسجنه، ثم حكم بأنه باق على ما كان عليه من العهد، وحقن الدم؛ لكونه لم يقر، ولم تقم عليه بينة.
صفحة ٣٠٣