485

حدثني الشريف علي الكردي الذي كان رسول السلطان إلى سلطان تونس بالهدية، أنه لما وصل إلى تونس أنه مل سمعه من كثرة ما يقول له المغاربة: عيسى الغندور، صار عندكم شيئا ولا يعرفونك في المغرب بغير الغندور. فقال: يا جماعة الحمد لله ما قالوا أنني يهودي، اشهدوا أني غندور ، وأبي غندور، وجدي غندور. فقلت: وتظن أني لا أعرف معنى الغندور عند المغاربة، الغندور النحس الذي ليس له شغل، إلا النحس. فقال: اشهدوا أني نحس. فقلت: إذا رضيت لنفسك أن توصف بالنحس، فما الذي تركت لعرضك؟ ثم أحس الجماعة أن الأمير جاي، فقاموا لينصرفوا، فشرع يسألهم أن لا يذكروا هذا الأمر، وقال: لا تظنوا أنه تغير ما بيني وبينه، هذا صاحبي وحبيبي، ثم شرع يتألفني فأظهرت له قبول ذلك، ثم جاء الأمير، فشرع يذكر لي عن السلطان ما يقتضي تعظيمي وأطال في ذلك، فقام عيسى فذهب، فعلمت أن الله تعالى قد أذن في الانتقام منه، فقلت للأمير: قد حدث اليوم أمر لا بد من اطلاعك عليه، وهو أن عيسى وقع منه كيت وكيت إلى أن قلت: إني ذكرت له عيبه، ثم قلت: فتكلم بكلام يصلح، وأنت تعرف حالي إذا كلمني أحد بما لا يصلح، وأجملت عليه الباقي، فسكت، ثم بلغني أنه سأل عن القصة، فساءه ذلك ومدحني في غيبتي كثيرا وذم عيسى، وقال: إن ادعى عليه لا أنصره وما باله وبال الفقهاء، أنا أخاف والله من الفقهاء، فلما بلغ ذلك عيسى فت في عضده وخلع من قلبه، ثم تناقل الناس الحكاية، وتمادحوني، ووضعه الله بين الناس، حتى كأنه نادى منادي من السماء أن ضعوا عيسى، فإن الله قد وضعه، وضربه بذل في نفسه حتى كان يشاهده من لم يسمع الحكاية فيسأل فيخبر، وكان أعظم الناس رجوعا عنه، وتصغيرا له ناظر الخاص، أعرض عنه حتى كأنه لا يعرفه، وكان شخص ممن اختص به من أصحابي، وافتتن به لغرض دنيوي، وهو شرف الدين يحيى بن الشيخ محب الدين البكري، قد أخبرني قبل وقوع هذه القضية بنحو ثلاثة أيام، أنه رأى في نحو عاشر ذي القعدة هذا، أنه دخل إلي في مسجدي فإذا أنا أخنق إنسانا، وقد أشرف على التلف، فلما وصل إلي أمرته أن يخنقه معي، قال: فقلت لك: حتى أعرف ما أمره.قال: فأغلظت لي فما وسعني إلا موافقتك، فشرعت أخنقه ، قال: ثم أنك أنت شرعت تقطع أعضاءه بموسى، فقطعتها حتى لم يبق له إلا رجل واحدة. قال: ثم أنك حملته بين يديك وقد ماتن أو قال: صار في حكم الأموات، وأردت أن تخرجه من باب سر المسجد. قال: فشق علي؛ خيفة أن يراه الناس إذا أخرجته فينكروا. قال: ثم جاء شخص من باب المسجد الكبير ليدخل فخفت اطلاعه على ذلك، فبادرت إليه وشغلته بالكلام حتى رددته، ثم غبت عنك وجئتك في اليوم الثاني فوجدتك جالسا في المسجد تدرس ناسا من الطلبة في بعض العلوم، وما عندك باعث من ذلك. قال: فقلت لك: ما الذي اتفق في تلك القضية. قال: فقلت لي: راح الذي راح، فكان تأويل ذلك قصة هذا المنافق، وأن رجله شرف الدين موسى الأنصاري لم يبق له منزلة عند أحد سواه، ولا يبعد أن يكون هو موساه الذي قطع به، فإنه لولا هو كان سافر من مصر، واستراح وأراح.

فسعي في الإصلاح بيني وبينه، فسألني الأمير في ذلك، فقلت:

صفحة ٢٢٢