Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
ولما صارت له هذه المنزلة ورأى نفسه صدر المجالس، وما له عند الخاص والعام من المنزلة، شرع يطلق لسانه بما يهواه إبليس من الدواهي، فشاع أنه يقول: العلماء قساة القلوب، والشريعة تقسي القلب، والقرآن يقسي القلب، وحضرتي حضرة الرب. فإن أنكر عليه منكر قال: إن الشريعة تأمر بالقصاص والحدود، ولا يكون ذلك إلا مع شدة القلب وغلظته، وأما صاحب الحقيقة فلا يأمر إلا بالعفو والصفع واللين، فحضرته تلين القلب، ويقول: أنا أحيي وأميت. فإن أنكر عليه، قال: أحيي الليل بالقيام، وأميت النهار بالصيام، ويقول أنا قتلت فلانا، وأحييت فلانا لناس يسميهم، منهم الشيخ أبو القاسم النويري، قال إنه قتله لكونه كان ينكر عليه، ولما مات الشهاب المحلي قاضي اسكندرية، قال: إنه هو الذي قتله، لقضية وقعت له مع ولده، وكان يتحامى في الكلام بحضرتي في نحو ذلك، فلما طال الزمان وألف من الناس السكوت اشتدت جرأته، فأول ما سمعته منه من ذلك أن قال: ونحن سائرون إلى طندتا في أواخر شهر ربيع الآخر من سنة ستين هذه، وقد قص قصة الخضر مع موسى عليه الصلاة، فقال: موسى ما له مقام الصبر، فظننت إنكاري عليه ربما لا يفيد إلا بعد تمهيد الأمر مع الأمير، فلما ذهبت كلمت الأمير في ذلك، فقال: والله لقد ساءني ذلك، ثم توجهنا إلى مدينة المنصورة، فذكر تنزيه الله عز اسمه وتعالى جده فقال: الله لا ينزه. فقال له الشيخ تقي الدين القرقشندي: {قل هو الله أحد} إلى آخرها، ثم قال: هذا تنزيه الله لنفسه بنفسه فما تقول فيه؟ فسكت عيسى، وكان قل أن يدع أحدا من شره. يقول للواحد: أنت كبش، وللآخر: أنت تيس، وللآخر: أنت دجاجة، ونحو ذلك، ويفسر ذلك بما يريد، ويقول لواحد: أنت جوزة، لآخر: أنت ريحانة، ولآخر: أنت مثلث، ولآخر: أنت مربع، ويفسر كل ذلك بما الموت عند ذي المروءة أحب إليه منه، فاستذل الناس، وملأ قلوبهم شحناء غير أنه ليس في أهل مصر من يعد للهيج، ولا يذكر عند المبارزة.
صفحة ٢١٨