494

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

محقق

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

الناشر

دار الكتاب العربي

الإصدار

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

سنة النشر

١٩٩٩م

ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ لَمْ يَقُولُوا بِإِهْدَارِ كُلِّ مَا يُسَمَّى قِيَاسًا، وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، أَوْ مَقْطُوعًا فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، بَلْ جَعَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقِيَاسِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ، مَشْمُولًا بِهِ، مُنْدَرِجًا تَحْتَهُ، وَبِهَذَا يَهُونُ عَلَيْكَ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ عِنْدَكَ مَا اسْتَعْظَمُوهُ، وَيَقْرُبُ لَدَيْكَ مَا بَعَّدُوهُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَاصِّ صَارَ لَفْظِيًّا، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَاخْتِلَافُ طَرِيقَةِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ الْمَعْنَوِيَّ، لَا عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا، ولا عرفا، وقد قدمنا لك أنما جَاءُوا بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تَسْتَحِقُّ تَطْوِيلَ ذُيُولِ الْبَحْثِ بِذِكْرِهَا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَنْهَضَ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ، فَإِنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ إِخْبَارِهِ ﷿ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهَا دِينَهَا، وَبِمَا أَخْبَرَهَا رَسُولُهُ ﷺ، مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا عَلَى الْوَاضِحَةِ الَّتِي لِيَلُهَا كَنَهَارِهَا.
ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ صَحِيحٍ، وَفَهْمٍ صَالِحٍ أَنَّ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمُطْلَقَاتِهِمَا، وَخُصُوصِ نُصُوصِهِمَا مَا يَفِي بِكُلِّ حَادِثَةٍ تَحْدُثُ، وَيَقُومُ بِبَيَانِ كُلِّ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ، عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ عَرَفَهُ، وَجَهِلَهُ من جهله.
الفصل الثالث: في أركان القياس
مدخل
...
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي أَرْكَانِ الْقِيَاسِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ، وَالْحُكْمُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَرْكَانِ فِي كُلِّ قِيَاسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالْحُكْمِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إِلَّا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِغَيْرِ أَصْلٍ، قَالَ: وَهُوَ مِنْ خَلْطِ الِاجْتِهَادِ بِالْقِيَاسِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ من أصل، "لأن الفروع"* لَا تَتَفَرَّعُ إِلَّا عَنْ أُصُولٍ. انْتَهَى.
وَالْأَصْلُ يُطْلَقُ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا: مَا يَقْتَضِي الْعِلْمُ بِهِ الْعِلْمَ بِغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: مَا لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى إِلَّا بِهِ.
وَمِنْهَا: الَّذِي يُعْتَبَرُ به ما سواه.

* في "أ": الفروع.

2 / 104