449

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

محقق

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

الناشر

دار الكتاب العربي

الإصدار

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

سنة النشر

١٩٩٩م

ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزَعَمُوا أَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الْعِلْمِ يَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، فَإِذَا قَضَيْنَا بِصِحَّتِهِ، صَحَّ النَّسْخُ حِينَئِذٍ.
قَالَ: وَاحْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقِصَّةِ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْأُمَّةِ خَمْسِينَ صَلَاةً، ثُمَّ نَسَخَهَا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِهَا، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَدُ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ عَلِمَ، وَلَكِنَّهُ قَبْلَ "عِلْمِ"* جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَعِلْمُ الْجَمِيعِ لَا يُشْتَرَطُ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ اسْتَقَرَّ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ "انْتَهَى"**.
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِ الْأُمَّةِ يَقْتَضِي وُقُوعَ النَّسْخِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِينَ بِمَا كُلِّفُوا بِهِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ نَسْخًا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: نَسْخُ الْحُكْمِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ اتَّفَقَتِ الْأَشَاعِرَةُ عَلَى جَوَازِهِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَنْعِهِ.
وَحَكَى الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ:
وَالثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ التَّعْرِيفِيَّةِ، فَمَنَعُوهُ فِي الْأَوَّلِ وَجَوَّزُوهُ فِي الثَّانِي، كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. انْتَهَى.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ قَدْ عَلِمَ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُوَسَّعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ غَدًا، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَوْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفعل، ويؤمر بِالْعِبَادَةِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ مُضِيِّ وَقْتٍ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْجَوَازِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانَ عَنِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُمْ عَنْ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَقِّ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ -كَمَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ- وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ إِلَى الْمَنْعِ، وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ، وَالْجَصَّاصُ، وَالْمَاتُرِيدِيُّ، وَالدَّبُّوسِيُّ، وَالصَّيْرَفِيُّ.
احْتَجَّ الْجُمْهُورُ: بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا مَعَ أَنَّ الْمُقْتَضَى مَوْجُودٌ، وَهُوَ أنه

* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".

2 / 57

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول | أصول