إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
محقق
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
الناشر
دار الكتاب العربي
الإصدار
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
سنة النشر
١٩٩٩م
مناطق
•اليمن
الإمبراطوريات و العصور
الأئمة الزيديون (اليمن صعدة، صنعاء)، ٢٨٤-١٣٨٢ / ٨٩٧-١٩٦٢
وَإِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِبَيَانِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَا وَعُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ الْبَيَانُ، قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا، وَالتَّالِي تَأْكِيدٌ لَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُتَأَخِّرَ إِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ الْأَضْعَفَ لَا يُؤَكِّدُ الْأَقْوَى، وَإِنْ جُهِلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فَلَا يُقْضَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بأنه المبين بعينه بل يقضي البيان بِحُصُولِ الْبَيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَقِيلَ: يَكُونَانِ بِمَجْمُوعِهِمَا بَيَانًا، قِيلَ: هَذَا إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمَرْجُوحَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ وُرُودًا، وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ بِالْأَضْعَفِ، هَذَا إِذَا اتَّفَقَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ.
أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُبَيِّنَ هُوَ الْقَوْلُ، وَرَجَّحَ هَذَا فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَيُحْمَلُ الْفِعْلُ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْقَوْلِ عَلَى الْبَيَانِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ إِلَّا بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِ الْقَوْلِ إِلَيْهِ، وَالدَّالُّ بِنَفْسِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا هُوَ الْبَيَانُ، كما في صورة إتفاقهما.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَّةِ
اعْلَمْ: أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ، مِنْ مُجْمَلٍ، وَعَامٍّ، وَمَجَازٍ، وَمُشْتَرَكٍ، وَفِعْلٍ مُتَرَدِّدٍ، وَمُطْلَقٍ، إِذَا تَأَخَّرَ بَيَانُهُ فَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي إِذَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ عَنْهُ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُكَلَّفُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْخِطَابُ، وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ.
وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ، فَهُوَ يَقُولُ بِجَوَازِهِ فَقَطْ، لَا بِوُقُوعِهِ، فَكَانَ عَدَمُ الْوُقُوعِ مُتِّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَلِهَذَا نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ إِجْمَاعَ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِلَى وَقْتِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يُؤَخِّرُ النَّظَرَ، وَقَدْ يُخْطِئُ إِذَا نَظَرَ، "فهذا الضَّرْبَانِ"* لَا خِلَافَ فِيهِمَا. انْتَهَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي:
تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ وُرُودِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَوْرِيَّةٍ، حَيْثُ يَكُونُ الْخِطَابُ لَا ظَاهِرَ له، كالأسماء المتواطئة، والمشتركة،
* في "أ": فهذانك القربان. وقال في هامش "أ": كذا بالأصل ولعله الصواب: فهذانك القدران.
2 / 26