التحقيقات على شرح الجلال للورقات

الناشر

مركز الراسخون

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م

مكان النشر

دار الظاهرية - الكويت

•
مناطق
اليمن
التحقيقات
على
شرح الجلال للورقات
تأليف
أبي زكريا
فضل بن عبد الله مراد
الأستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر
أستاذ مقاصد الشريعة والفقه وأصوله وقواعده بجامعة الإيمان سابقًا

1 / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.

[الشرح والإيضاح]
يقول أفقر العباد إلى ربه ومولاه أبو زكريا فضل بن عبد الله مراد اليماني
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على الصادق المصدوق، أما بعد فهذا إيضاح وشرح على شرح الجلال المحلي للورقات.
جمعت تحقيقاته وفرائده من كتب الأصول؛ لينتفع بها المدرس للورقات وشرحه، وتبصرة للطالب النبيه على المباحث المتعلقة بالكتاب تعلقا قريبا.
وقد نقلت المذاهب من الكتب الأصول بلا واسطة، وحققت مذاهب القوم في المسائل التي نسب إليهم خلاف ما ذهبوا إليه.
وبنيت الفروع الفقهية على تلك الأصول؛ ليتضح للطالب بالمثال ما لا يتضح بالمقال.
وأسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه وينفع به قارئه والناظر فيه، طالبا الدعاء لي ولوالدي ومشايخي، موقنا أن الخلل وارد على الإنسان فمن رأى ذلك سدد وقارب وبالله ثقتي وعليه اعتمادي وتوكلي وهو حسبي ونعم الوكيل.

1 / 5

أقول:
إنما اقتصر الإمام الجويني على البسملة دون الحمدلة تأسيًا بأول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، قال الحافظ: فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها ... ويؤيده وقوع كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها.
كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل (^١) ...، وحديث البراء في قصة سهيل ابن عمرو في صلح الحديبية (^٢)، وغير ذلك من الأحاديث.
وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب، دون الرسائل والوثائق، و"تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره كمالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم افتتح كتابه بخطبة ... وقد استقر عمل الأئمة المصنفين افتتاح كتب العلم بالبسملة وكذا معظم كتب الرسائل" ا. هـ كلام الحافظ ﵀ (^٣).
وقد جرى السلف في تصانيفهم على الحمد والصلاة، والسلام لفظًا، والاكتفاء بالبسملة في الكتابة، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﷺ إذا كتب الحديث، ولا يكتبها.
والحامل لهم على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًا بالخطب دون الكتب (^٤)، وأيضًا فإن الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم كاف مع ما رتب عليه

(^١) صحيح البخاري، برقم: ٧.
(^٢) صحيح البخاري، برقم: ٢٧٣١.
(^٣) فتح الباري على البخاري ١/ ٨١ بتصرف
(^٤) المصدر السابق.

1 / 6

من أسماء الصفات الرحمن الرحيم، ولا يعنى بالحمد إلا هذا لأنه الوصف بالجميل على جهة التفضيل كما أفاد العسقلاني ﵀.
فائدة:
قال بعضهم: يجب من جهة الصنائع على كل شارع في تصنيف أربعة أمور البسملة، والحمد، والصلاة على النبي ﷺ، والتشهد.
ويسن له ثلاثة أمور:
تسمية نفسه، وتسمية كتابه، والابتداء على المقصود وهو المعروف ببراعة الاستهلال (^١).
تنبيه: لا منافاة بين ما ذكره الحافظ من عمل السلف على الاكتفاء بالبسملة كتابةً وبين ما قاله النووي عليه رحمة الله تعالى في شرحه لمسلم: "هذا الذي فعله من ذكره الصلاة على النبي ﷺ بعد الحمدلة عادة العلماء ﵃" (^٢). إذ المقصود في كلام الحافظ عمل المتقدمين ممن في طبقة البخاري وممن هو أعلى طبقة وكذا من نزل عن طبقته، ممن لم يقدم في ابتداءاته خطبة، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حَمِد وشهد كما صنع مسلم وغيره" (^٣).
فقول النووي عادة العلماء أي من قدم خطبة بين يدي تصنيفه والله أعلم.

(^١) المصدر السابق.
(^٢) شرح النووي على مسلم ١/ ١٥٩ طبعة دار القلم.
(^٣) المصدر السابق.

1 / 7

بسم الله الرحمن الرحيم
هذه ورقات قليلة، تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، ينتفع بها المبتدئ وغيره
وذلك أي لفظ أصول الفقه، مؤلف من جزئين أحدهما أصول والآخر الفقه
مفردين من الإفراد مقابل التركيب لا التثنية والجمع، والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه.
فالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول ما يبنى عليه غيره
كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض.
والفرع الذي هو مقابل الأصل ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله.

[الشرح والإيضاح]
- قوله فهذه ورقات
جمع سلامة منكر وهي تدل على القلة، وإنما صرح الشارح بقوله قليلة مع فهمه من قوله ورقات؛ للتنصيص على استعمال هذا الجمع في موضوعه لئلا يتوهم خروجه عنه إذ يستعمل للكثرة.
وقد أطال المحشون هنا الكلام على مرجع الإشارة هل هو ما في الذهن أو ما في الخارج أو الألفاظ أو النقوش أو المعاني بما لا طائل تحته.
- قوله: فصول.
الفصل: جملة مختصة من العلم مشتملة على مسائل غالبًا، وسمي فصلًا لانفصاله عن غيره بمغايرته له وتميزه عنه.

1 / 8

- قوله: ينتفع بها المبتدئ وغيره.
انتفاع المبتدئ بالتعلم، وغيره باستفادة ما فيها، أو تذكره لجلالة فوائدها وعزة كثير منها.
قوله: أصول الفقه ... فيه مسألتان
- الأولى: تعريف الأصل لغة
عرفه المصنف لغة، فقال: ما يُبنى عليه غيره، أي: بناءً حسيا، كالجدار على أساسه أو معنويًا، كالفقه على أصوله.
وقد اعترض على هذا بالوالد وفرعه فإنه لا يبنى عليه بل يتفرع منه؛ ولذلك قال بعضهم: ما منه الشيء. ولكنه غير جامع لخروج أصل الجدار.
ولذلك قال الآمدي: أصل كل شيء هو: ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه (^١).
وقال الإمام: ما يحتاج إليه الشيء (^٢).
الثانية: تعريف الأصل اصطلاحًا
لم يتعرض المصنف للأصل اصطلاحًا.
وله أربعة معان مشهورة (^٣):
الأول: الدليل كقولهم أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها.
قال في الكوكب: "وهذا الإطلاق هو المراد هنا" (^٤) ا. هـ.

(^١) الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٨.
(^٢) انهاية السول ١/ ٧. الإمام الرازي في المحصول والمنتخب وتبعه الأرموي
(^٣) فواتح الرحموت ١/ ٨٨ - شرح الكوكب المنير ١/ ٣٩، ارشاد الفحول ص ٣، رفع الحاجب ١/ ٤٤.
(^٤) شرح الكوكب المنير ١/ ٣٩.

1 / 9

الثاني: الرجحان كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع الحقيقة لا المجاز، ـ
الثالث: القاعدة المستمرة. كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل.
الرابع: المقيس عليه. وبعضهم جعل بدلًا عن هذه (القاعدة). كما يقال الفاعل مرفوع أصل من أصول النحو (^١).

(^١) فواتح الرحموت ١/ ٨٨ -

1 / 10

والفقه الذي هو الجزء الثاني، له معنى لغوي وهو الفهم.

[الشرح والإيضاح]
بيان معنى الفقه:
المسألة الأولى: قوله في تعريف الفقه لغة: الفهم
أقول صرح أهل اللغة كما في القاموس مادة ف. ق. هـ
أن الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه ا. هـ. وفي مختار الصحاح الفقه الفهم هذا أصله ثم خص به علم الشريعة ا. هـ.
وفي الأساس للزمخشري: قال أعرابي لقيس بن عمر: شهدت عليك بالفقه. أي: بالفهم والفطنة (^١)
وذكر ابن منظور هذه القصة في اللسان، وقال: الفقه العلم بالشيء، والفهم له. وغلب على علم الدين لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم ....
والفقه في الأصل الفهم يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين أي: فهمًا فيه، قال الله ﷿: "لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ" [التوبة: ١٢٢]، أي ليكونوا علماء به ... وفقه فقهًا بمعنى علم علمًا ... الخ (^٢)
فتحصل من هذا: أن كلام أهل العربية متوارد على أن الأصل في الفقه: الفهم، ويطلق كذلك على العلم، والفطنة.

(^١) الأساس للزمخشري ص: ٤٧٩.
(^٢) لسان العرب (١٣/ ٥٢٢).

1 / 11

المسألة الثانية: قولا الشيرازي والرازي في معنى الفقه وتحقيق المقام
ومن العلماء (الشيرازي) من زاد قيدا آخر هو الفهم الدقيق، وزاد غيره (الرازي) بأنه فهم غرض المتكلم
ولمناقشة ذلك نقول:
١_ تخصيصه بالفهم الدقيق إخراج له عن أصل وضعه اللغوي وملاحظة الوضع الاصطلاحي، فأنت ترى أهل اللسان لم يذكروا هذا القيد.
والذي قيده بهذا القيد هو الإمام الشيرازي في شرح اللمع، كما نبه عليه الإمام القرافي في نفائس الأصول وأقره (^١)، ولم ينتبه الطوفي أنه في شرح اللمع لا في اللمع فقال: ولم أجده في اللمع فلعله في غيره أو في غير مظنته (^٢).
وفي البحر المحيط نسبته إلى أبي إسحاق الشيرازي وصاحب اللباب من الحنفية (^٣).
وقد اطلعت بعد هذا على كلام للإمام الإسنوي في شرحه لمنهاج البيضاوي يرد به كلام الشيرازي مستدلًا بكلام أهل اللسان فقال: "وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا، وقال الآمدي: هو الفهم.
وهذا هو الصواب، فقد قال الجوهري: الفقه الفهم، تقول: فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم، قال الله تعالى: " فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا " [النساء: ٧٨]. وقال تعالى: " مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ " [هود: ٩١]. وقال تعالى: "وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " [الإسراء: ٤٤]. ا. هـ كلامه (^٤).

(^١) نفائس الأصول شرح المحصول ١/ ١١٩ - ١٢٠.
(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣٢.
(^٣) البحر المحيط للزركشي ١/ ١٤.
(^٤) نهاية السول ١/ ١٥ مع البدخشي وقد ناقشت دليل الامام الشيرازي بأكثر من هذا في كتابنا سبيل الأصول الى إرشاد الفحول يسر الله تمامه.

1 / 12

ونحوه قال الرهوني في شرحه على المختصر وصحح ما ذهب إليه الأكثر من أن الفقه الفهم (^١). وهذا هو مذهب أكثر الأصوليين غير أبي إسحاق الشيرازي ومن تبعه (^٢).
وقد حقق الطوفي الكلام على المسألة ونقل فيها قول الشيرازي وغيره ثم قال: فقد تحقق بما ذكرته أن الفقه هو الفهم. ا. هـ (^٣).
٢_ وقيده الإمام الرازي بالخطاب فقال: "الفقه في اللغة: فهم غرض المتكلم من كلامه" وتعقب بأنه: "يرد عليه أن المنقول عن اللغة أن الفقه هو مطلق الفهم" (^٤). ا. هـ.
وأصل هذا للإمام أبي الحسن في المعتمد، (^٥) وتبعه في المحصول كما قال الزركشي في البحر ورده، (^٦) ونقل عن ابن دقيق العيد قوله: وهذا تقييد للمطلق بما لا يتقيد به.
ودليل الإمام استعمالها في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. ونحوها من الآيات أي ما نفهم خطابك، وأورد عليه أهل الأصول نحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قال في البحر: وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب بل عدم الفهم مطلقًا من الأدلة العقلية والسمعية وطرق الاعتبار (^٧). وقال الإمام الهندي: وأما من فسره بأنه عبارة عن فهم غرض المتكلم فقد زاد قيدًا غير معتبر في مفهومه يدل عليه ما أنشدناه من الشعر، وقوله تعالى: "وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء: ٤٤]. لأنه نفي عنهم فقه تسبيحهم، وتسبيحهم ليس بالكلام على ما هو مذهب المحققين (^٨). ا. هـ، ومن العلماء من قال الفقه

(^١) تحفة المسئول في شرح مختصر منتهى السول ١/ ١٤٦ تحقيق د/ شبيلي.
(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٠ حيث نسبه إلى أكثر أهل الأصول.
(^٣) شرح مختصر الروضة ١/ ١٣٠
(^٤) شرح الكوكب ١/ ٤٠.
(^٥) المعتمد ص ٥.
(^٦) البحر المحيط ١/ ١٣ - ١٤.
(^٧) البحر المحيط ١/ ١٣ شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣٢.
(^٨) نهاية الوصول ١/ ١٩.

1 / 13