الانصاف في الانتصاف لأهل الحقق من أهل الاسراف
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم (1) وما توفيقي إلا بالله..
الحمد لله قديم السلطان، ذي الفضل العظيم، المنفرد بعموم الاحسان، الذي أوضح الدليل والبرهان، على الصراط المستقيم كل زمان، وأرسل الأنبياء لطفا للخلق [من] الانس والجان، إنه هو اللطيف الخبير، الواحد المنان، أرسلهم ليدعوا إلى (دار السلام) (2)، وهي الجنان، وليكلموا الخلق بتحقيق معرفة الدين القويم خير الآديان، وليسهلوا عليهم الوصول إليه سبحانه، والى جنانه، جنات الخيرات الحسان، وليبينوا لهم ما يسخطه مما يؤديهم إن ارتكبوه إلى النيران، صلى الله عليهم أجمعين صلاة تتجدد عليهم كل وقت وآن، وعلى أوصيائهم الذين أقامهم من بعدهم لاتمام النعمة وكمال الايمان، وخص بالصلاة الكاملة
صفحة ٢٩
محمدا خاتم الأنبياء، الذي شرفت به مضر وعدنان، ومنحه بجوامع الكلم وحسن الفهم وفصيح البيان، وأقام من بعده أوصياء على الأمة المرحومة بعناية البر الرحيم الرحمن، ليحفظوا سنته ودينه القويم المتين الأركان، ولتأهن الأمة بهم ومعهم التبديل والتغيير والاختلاف بالزيادة والنقصان، فحفظوا ما عرفوه عنهم من العرفان، صلى الله على مستحفظهم وعليهم وعلى آله أكمل الصلاة ما دام الملك الديان.
اما بعد، فإنى لما تأملت سنة سبع وخمسين وسبعمائة كتاب الشيخ العالم المحقق المدقق ابن تيمية، الذي رد فيه على كتاب (منهاج الكرامة) تأليف الشيخ الفاضل العلامة، قدوة المحققين، وعمدة العارفين، ونور السالكين، مفتي الشيعة، وركن الشريعة، ناصر السنة المحمدية، والذاعي إلى العترة المرضية، ومبطل السنن الأموية، بالبراهين الجلية، أبي منصور الحسن بن مطهر(قدس الله روحه). وجدت ابن تيمية قد طؤل في كتابه بما يمل، ويختصر ما ينبغي فيه البسط اختصارا بالمقصد يخل: وجدته قد أكثر على الامامية دعوى أنهم أهل تعصب وحمية، والقول في الدين بمحض الهوى، ولم يصدق في ذلك لفظأ ونية، بل هو الواقع في ذلك حجة آتي بها من قوله جلية، يعلمها الناظر في كتابه إذا كان منصفا ذا عقل وروية، أما المتغطرس المعاند فلا يرى الحق إلا باطلا، عنادا منه وعصبية، و سيأتي بيان ذلك بمشيئة واهب المشيئة.
ورأيته قد ذكر أقوالا وعقائد اختارها وارتضاها، وهي غير مرضية عند
صفحة ٣٠
اصحابه السنة، وأهل التحقيق منهم أولي العلوم](1) العقلية والنقلية.
و رأيته أيضا لم يستدل على بطلان أكثر أقوال الإمامية إلا بمعارضة قول من خرج عن الاسلام بالكلية، كالخوارج والغلاة من الاسماعيلية والنصيرية (2) .
فرأيت أن المتعين على كل ذي علم، أن يبين لذوي العقول والألباب، أن ابن تيمية هو المتعصب في القول والخطاب، وأنه القائل بالهوى المحض بغير صواب، بأدلة استدل بها من قوله وخطابه، الذي هو موجود مذكور في كتابه، و بالدلائل العقلية القطعية، والبراهين البينة من الآيات القرآنية، والآثار الصحيحة ل النبوية، المتفق على صحتها عند الفرق السنية والشيعية.
ولم أسلك طريقه في إبطال قول طائفة بمعارضة قول باطل لطائفة، كما هو دأب المفلس العادم للحجة، التائه عن المحجة، لثلا يشملني قوله تعالى: و يجادل الذين كفروا بالباطل ليذحضوا به الحق"(3)، بل استدل (على صحة ما أقول)(4) بأوضح الدلائل.
وقد سميت كتابي هذا ب(الاتصاف فى الانتصاف لأهل الحق من أهل الاسراف)، ورتبته على مقدمة، وبحث، وسبعة عشر مقاما، وخاتمة.
فالمقدمة: تشتمل على وصية لكل ذي روية.
صفحة ٣١
والبحث: يشتمل على قسمين: أحدهما أذكر فيه اعتقاد الامامية الذي ذكره ابن مطهر ووسمه بأنه: (منهاج الكرامة)، ووسمه ابن تيمية بأنه: (منهاج الندامة)، والقسم الآخر أذكر فيه اعتقاد السنة.
يتبين للناظر فيهما من قريب أيهما منهاج الكرامة من منهاج الندامة.
والمقامات: منها ستة عشر مقاما في المواضع التي أتكلم عليها وأجيب عنها مما هي أصل لجميع كلام ابن تيمية في كتابه، وما سواها مبني عليها إذا بطلت بطل ما بني عليها.
والمقام السابع عشر في ذكر خلاف الأمة على المسائل العقلية. والخاتمة: تشتمل على حكم وقواعد وبصائر وفوائد.
وضعت ذلك ابتغاء وجه الله، وتقربا إليه، واحتسابا له، وطاعة أبلغ بها الزلفى لديه، وأنجو من سخطه وأليم عقابه، وأسلم بها من اللعنة في قوله وخطابه، حيث قال: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بقد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللأعنون"(1).
و أنا أستمد من الله العناية والتوفيق والهداية إلى سواء الطريق، بأوكد الدلائل وأتم التحقيق، إنه سميع قريب، وهو الذي بفضله ألهمنا دعاءه، فهو سبحانه يسمع ويجيب بغير شك فى قول كل مصيب:
صفحة ٣٢
المقدمة
صفحة ٣٣
وأما المقدمة: فينبغي لكل عاقل يريد نجاة نفسه قبل حلول منيته، أن يعرف سبيل النجاة يسلكه على بصيرة ويقين، لئلا يندم غدا في النادمين، ويتمنى الرجعة ويسألها فلا يمكن منها متمكن، وهذا باجماع العلماء كافة أن معرفة سبل النجاة وسلوكه فرض لازم، من عرفه وسلكه غير غاض بما يستحق به العقاب، فهو من النارسالم.
وينبغى للناظر آن يقصد بنظره وجه الله سبحانه، وخلاص نفسه من العذاب الأليم الذي يستحق بالاعتقاد الذميم، فقد أوضح الله الحجة وأنارالدليل، ل فان عليه عز وجل بيان الحق، كما قال: (وعلى الله قصد التبيل"(1)، ولم يدع الخلق سبحانه في عمياء مبهمة، ولا في صخباء مظلمة، ولم يخلق الخلق عبثا، ولم يترك الخلائق سدى، بل أوضح سبحانه البراهين، وأرسل الأنبياء للتقرير (والتكميل)(2) والتبيين، صلى الله عليهم أجمعين.
صفحة ٣٥
فيجب(1) على كل عاقل أن يعتقد اليوم ويعمل ما ينجيه وينفعه غدا، ويحرم عليه أن يقلد [في الاعتقاد](2) أحدا كاننأ من كان، بل يجب أن يبحث عن الحق (غير مراع أحدا من الخلق ويقصده)(3) أين كان، ويتوصل إليه بقدر الامكان.
علم اليحجة واضح لمريده وآرى القلوب عن المحجة فى عما ولقد عجبت لهالك ونجاته موجودة ولقد عجبت لمن نجا(4) و ولا ينبغي أن يكون الناظر كابن تيمية، الذي لم يجزم أن الفرقة الناجية اصحابه السنة دون من عداهم من المعتزلة والزيدية والامامية، ولم يترك الاعتراض في ذلك على من جزم به وهم الامامية دون سائر فرق الأمة، فإن من احسن النظر لنفسه، آثر نجاتها يوم الحساب، فينبغي لهذا أن يتفكر وينظر في اقوال الفرق الاسلامية، التي يظن أن الناجي منها واحدة لا غير؛ وهن في زماننا هذا أربع فرق: (الامامية، والزيدية، والمعتزلة، والسنة)، وأما من سوى هؤلاء فخارجون عن الاسلام ومارقون منه وإن انتموا إليه كالخوارج والغلاة، ولا يظن ان لمن خرج عن الاسلام ومرق منه نجاة، ولا لمن والاهم وأحبهم (ووادهم وحكم بنجاتهم)(5).
صفحة ٣٦
و أما هذه الفرق الأربع فيظن لهم النجاة ابتداء، وعند التحقيق والنظر العميق يعلم أن الناجي منهم فرقة واحدة لا غير، هذا إن صح وثبت أنهم أربع فرق على قول بعضهم وهو الحق، وإن صح وثبت آنهم جميعا فرقة واحدة كما قاله بعضهم، فالفرق الأربع ناجية أجمع، لكن (قد عرفتك أن)(1) الحق أنهم اربع فرق، لتباينهم واختلافهم وتضادأقوالهم، والحق لا يكون إلا في جهة واحدة.
ومتى كان كذلك، فالناجي فرقة لا غير، لوجهين: الاول: الاجماع على أن الناجي فرقة واحدة لا غير من جميع فرق (الأمة)(2).
الثانى: الخبر المأثور عن رسول الله المتضمن نجاة فرقة من ثلاث وسبعين فرقة من أمته (2)، وهذا الخبر قد تلقته الأمة بالقبول، فصار في قسم المعلوم لا المظنون، ولمطابقة الاجماع وأدلة العقول. وإذا تقرر أن الفرقة الناجية واحدة من الأربع لا غير: فاعلم أن كل واحدة منهم تدعي ذلك دون غيرها، (وتزعم أنها الفرقة
صفحة ٣٧
الناجية دون سواها)(1)؛ وأنت تعلم أيها العاقل أن هذا ليس مطلوبا هينأ، بل هو من أعظم المطالب، وأتم المقاصد، إلا عند من لم يصذق بالنشور والمعاد.
فيجب على من يريد آن يسلك سبيل النجاة، ويحب أن يكون ما هو عليه من الفرقة الناجية على يقين، أن ينظر في أدلة كل فرقة من هذه الأربع فرق، فمن وجد أدلتها قطعية يقينية تفيد الجزم واليقين بالنجاة، فهي الفرقة الناجية، فإنه من المحال أن تكون أدلة كل فرقة منهم توجب الجزم واليقين بالنجاة لها مع تباينهم ف في الاعتقاد والعمل، بل لا يوجب الجزم واليقين إلا أدلة فرقة واحدة لا غير، وأما من عداها فلا تفيد أدلته إلا الظن والتخمين.
والمتعين على العاقل أن يتبع ما يوجب الجزم واليقين، ويدع ما لا يفيد الا الظن والتخمين) (2)، ولا ينبغي له أن يهجر النظر في أدلة بعض هذه الفرق الأربع ويتركه معرضا عنه، (ويستمر على التقليد)(3) .
فان قلت : فما دليل الامامية على أنهم الفرقة الناجية؟ قلت: لا يتبين لك ذلك حتى تعلم وتتحقق أن الفرقة الناجية واحدة لا غير من جميع الفرق في جميع الأعصار والأزمان، والذي يدل على ذلك: (العقل، والنقل، والاجماع).
أما العقل: فإنه يحكم ويقطع بأن الحق من القولين المتقابلين المتضادين
صفحة ٣٨
في أحدهما دون الآخر، ولا يجوز أن يكون قولان متقابلان متضادان على شرائط التقابل والتضاد، إلا وأن يكون أحدهما حق والآخر باطل، ومن المحال الذي لا شك فيه، الحكم على القولين المتضادين في أصول الديانات العقليات انهما حقان!
وإذا كان الحق في كل مسألة دينية عقلية واحد، فالحق في جميع المسائل ل م طلقا يجب أن يكون واحدا مع (الفرقة المحقة الناجية)(1) .
وأما الكتاب: فقوله تعالى: (وممن خلقنا أمة يهذون بالحق ويه يغدلون"(2)، وقوله تعالى: "أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تذعوهم إليه"(3).
وهذا صريح بأن الحق واحد لا اختلاف فيه (ولا افتراق فيه)(4)، وهو مؤكد لما دل عليه العقل، فمحال أن يكون المختلفون المتفرقون المتباينون في الأحوال المتضادون في الاعتقاد والأقوال كلهم محقين ناجين.
وما يدل على ذلك أيضا، قول النبي: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون فى النار)(5)، وقوله : (لا تزال طائفة من
صفحة ٣٩