الاختيار لتعليل المختار
محقق
محمود أبو دقيقة
الناشر
مطبعة الحلبي (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت)
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٣٥٦ هجري
مكان النشر
القاهرة
وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ إِلَّا الْإِزَارَ، وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إِلَّا عَنِ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ، وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ إِلَّا أَنْ يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فَيَفْعَلَهُ بِمَا يَرَاهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ إِلَّا الْإِزَارَ) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِيصَالِ الْأَلَمِ إِلَيْهِ، وَحَدُّ الزِّنَا مَبْنَاهُ عَلَى شِدَّةِ الضَّرْبِ فَيَقَعُ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ، وَنَزْعُ الْإِزَارِ يُؤَدِّي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَلَا يُنْزَعُ.
قَالَ: (وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إِلَّا عَنِ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ) لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ، وَفِي نَزْعِ ثِيَابِهَا كَشْفُ عَوْرَتِهَا، وَالسِّتْرُ يَحْصُلُ بِدُونِ الْحَشْوِ وَالْفَرْوَ، وَفِيهِمَا مَنْعٌ مِنْ وُصُولِ الْأَلَمِ فَيُنْزَعَانِ وَتُضْرَبُ جَالِسَةً لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: يُضْرَبُ الرِّجَالُ فِي الْحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءِ قُعُودًا (وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ، وَعَلِيٌّ ﵁ حَفَرَ لِلْهَمْدَانِيَّةِ، وَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ.
(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، وَلَا يُمَدُّ وَلَا يُشَدُّ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ) لِأَنَّهُ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْجَلْدِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِّ الزَّجْرُ وَهُوَ لَا يَنْزَجِرُ بَعْدَ هَلَاكِهِ، وَزَجْرُ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالرَّجْمِ إِذِ الْقَتْلُ أَبْلَغُ الْعُقُوبَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ: (وَلَا يَجْمَعُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ، وَأَنَّهُ بَيَانٌ لِجَمِيعِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ كُلُّ الْمَذْكُورِ، أَوْ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَهُوَ الْجَزَاءُ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَاوِيهِ أَوْ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ، إِذِ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَلِأَنَّ النَّفْيَ يَفْتَحُ عَلَيْهَا بَابَ الزِّنَا لِقِلَّةِ اسْتِحْيَائِهَا مِنْ عَشِيرَتِهَا وَفِيهِ قَطْعُ الْمَادَّةِ عَنْهَا فَرُبَّمَا اتَّخَذَتْ ذَلِكَ مَكْسَبًا وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: كَفَى بِالتَّغْرِيبِ فِتْنَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» قُلْنَا: الْآيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فَنَسَخَتْهُ. بَيَانُهُ أَنَّ الْجَلْدَ فِي الْأَصْلِ كَانَ الْإِيذَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَآذُوهُمَا) ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَبْسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ثُمَّ قَالَ ﷺ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» الْحَدِيثَ فَكَانَ بَيَانًا لِلسَّبِيلِ الْمَوْعُودِ فِي الْآيَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ، فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِلْكُلِّ، أَوْ نَقُولُ: هُوَ حَدِيثُ آحَادٍ فَلَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فَيَفْعَلُهُ بِمَا يَرَاهُ) فَيَكُونُ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا لَا حَدًّا، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنَ التَّغْرِيبِ
4 / 86