589

الاختيار لتعليل المختار

محقق

محمود أبو دقيقة

الناشر

مطبعة الحلبي (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت)

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٣٥٦ هجري

مكان النشر

القاهرة

مناطق
العراق
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنَ الحِبِّ أَوِ الْبِئْرِ يَحْنَثُ بِالْإِنَاءِ، وَالسَّمَكُ وَالْأَلْيَةُ لَيْسَا بِلَحْمٍ، وَالْكَرِشُ وَالْكَبِدُ وَالرِّئَةُ وَالْفُؤَادُ وَالْكُلْيَةُ وَالرَأْسُ وَالْأَكَارِعُ وَالْأَمْعَاءُ وَالطِّحَالُ لَحْمٌ، وَالشَّحْمُ شَحْمُ الْبَطْنِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى الْمَاءِ دُونَ النَّهْرِ وَقَدْ وُجِدَ.
قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنَ الْجُبِّ أَوِ الْبِئْرِ يَحْنَثُ بِالْإِنَاءِ) وَهَذَا فِي الْبِئْرِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنْهَا إِلَّا بِإِنَاءٍ حَتَّى قَالُوا: لَوْ نَزَلَ الْبِئْرَ وَكَرَعَ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجْتَمِعَانِ تَحْتَ لَفْظٍ وَاحِدٍ وَالْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةٌ، وَأَمَّا الْجُبُّ إِنْ كَانَ مَلْآنَ يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنْهُ لَا يَحْنَثُ بِالِاغْتِرَافِ. وَالْإِنَاءُ لِتَعَيُّنِهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ فَهُوَ عَنِ الشُّرْبِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فِيهِ.
قَالَ: (وَالسَّمَكُ وَالْأَلْيَةُ لَيْسَا بِلَحْمٍ) فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَيُّ لَحْمٍ أَكَلَ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ غَيْرُ السَّمَكِ حَنِثَ سَوَاءٌ أَكَلَهُ طَبِيخًا أَوْ مَشْوِيًّا أَوْ قَدِيدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا: كَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ، وَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ وَصَيْدِ الْحَرَمِ، لِأَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ اللَّحْمِ وَصِفَةِ الذَّابِحِ.
فَأَمَّا السَّمَكُ وَمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ لَا يَحْنَثُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ إِطْلَاقِ اسْمِ اللَّحْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا أَكَلْتُ لَحْمًا وَقَدْ أَكَلَ السَّمَكَ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْحَقِيقَةُ دُونَ لَفْظِ الْقُرْآنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى دَابَّةً فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]، وَكَذَا لَوْ خَرَّبَ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لَا يُخَرِّبُ بَيْتًا، وَكَذَا لَا يَحْنَثُ بِالْقُعُودِ فِي الشَّمْسِ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي السِّرَاجِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْمُتَعَارَفُ، وَكَذَلِكَ الْأَلْيَةُ وَشَحْمُ الْبَطْنِ لَيْسَا بِلَحْمٍ لِأَنَّهُمَا لَا يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُمَا مَا يُتَّخَذُ مِنَ اللَّحْمِ، وَلَا يُسَمَّيَانِ لَحْمًا عُرْفًا، وَإِنْ نَوَاهُ أَوْ نَوَى السَّمَكَ يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ: (وَالْكَرِشُ وَالْكَبِدُ وَالرِّئَةُ وَالْفُؤَادُ وَالْكُلْيَةُ وَالرَّأْسُ وَالْأَكَارِعُ وَالْأَمْعَاءُ وَالطِّحَالُ لَحْمٌ) لِأَنَّهَا تُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ، وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي زَمَنِهِ بِالْكُوفَةِ. وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي لَا تُبَاعُ فِيهَا مَعَ اللَّحْمِ فَلَا يَحْنَثُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ فِي كُلِّ بَلْدَةِ وَكُلِّ زَمَانٍ. وَأَمَّا شَحْمُ الظَّهْرِ فَهُوَ لَحْمٌ، وَيُقَالُ لَهُ: لَحْمٌ سَمِينٌ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللَّحْمُ.
قَالَ: (وَالشَّحْمُ شَحْمُ الْبَطْنِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّحْمِ، وَيُقَالُ لَهُ: لَحْمٌ سَمِينٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَالَا: يَحْنَثُ لِأَنَّ اسْمَ الشَّحْمِ يَتَنَاوَلُهُ وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَفِي عُرْفِنَا: اسْمُ الشَّحْمِ لَا يَقَعُ عَلَى شَحْمِ الظَّهْرِ بِحَالٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَحْمًا فَاشْتَرَى شَحْمَ الظَّهْرِ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الشَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُهُ. حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ شَاةٍ فَأَكَلَ لَحْمَ

4 / 67