410

الاختيار لتعليل المختار

محقق

محمود أبو دقيقة

الناشر

مطبعة الحلبي (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت)

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٣٥٦ هجري

مكان النشر

القاهرة

مناطق
العراق
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون
وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ. وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يَزْرَعْهَا - دَفَعَهَا الْإِمَامُ إِلَى غَيْرِهِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِحْيَاءِ إِذْنُ الْإِمَامِ، وَقَالَا: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إِلَيْهِ كَالصَّيْدِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ»، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ وَالْمَاءَ خُصَّ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الْأَصْلِ. وَحَدِيثُهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِذْنِ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ وَالْغَلَبَةِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بِدُونِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ.
وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ، فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ.
وَيَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ وَضْعٍ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَإِنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ يُعْتَبَرُ بِالْمَاءِ. وَالْإِحْيَاءُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا بِنَاءً، أَوْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعًا، أَوْ يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ مُسَنَّاةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَكُونُ لَهُ مَوْضِعُ الْبِنَاءِ وَالزَّرْعُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ كَانَ إِحْيَاءً لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ عَمَّرَ نِصْفَهَا لَهُ مَا عَمَّرَ دُونَ الْبَاقِي. وَذَكَرَ ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، أَوْ سَاقَ إِلَيْهَا مَاءً - فَقَدْ أَحْيَاهَا زَرَعَ، أَوْ لَمْ يَزْرَعْ. وَلَوْ شَقَّ فِيهَا أَنْهَارًا لَمْ يَكُنْ إِحْيَاءً إِلَّا أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا مَاءٌ فَيَكُونَ إِحْيَاءً.
(وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ)؛ لِمَا بَيَّنَّا. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا، ثُمَّ أَحَاطَ الْإِحْيَاءَ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى التَّعَاقُبِ - فَطَرِيقُ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الرَّابِعَةِ؛ لِتَعَيُّنِهَا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا، ثُمَّ تَرَكَهَا، فَزَرَعَهَا آخَرُ - قِيلَ: هِيَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا لَا رَقَبَتَهَا، وَقِيلَ: هِيَ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ بِلَامِ الْمِلْكِ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ: (وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يَزْرَعْهَا - دَفَعَهَا الْإِمَامُ إِلَى غَيْرِهِ)؛ لِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَالْإِمَامُ دَفَعَهَا؛ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ.
وَسُمِّيَ تَحْجِيرًا؛ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِنَ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ عَنْهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَضَعُونَ الْأَحْجَارَ حَوْلَهَا تَعْلِيمًا لِحُدُودِهَا؛ لِئَلَّا يَشْرَكَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ. وَالتَّحْجِيرُ أَنْ يُعَلِّمَهَا بِعَلَامَةٍ، بِأَنْ وَضَعَ الْحِجَارَةَ أَوْ غَرَسَ حَوْلَهَا أَغْصَانًا يَابِسَةً، أَوْ قَلَعَ الْحَشِيشَ أَوْ أَحْرَقَ الشَّوْكَ وَنَحْوَهُ، فَإِنَّهُ تَحْجِيرٌ. وَهُوَ اسْتِيَامٌ وَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ مَلَكَهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْيَاهَا.
كَمَا يُكْرَهُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَوْ عَقَدَ جَازَ الْعَقْدُ. وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ

3 / 67