الاختيار لتعليل المختار
محقق
محمود أبو دقيقة
الناشر
مطبعة الحلبي (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت)
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٣٥٦ هجري
مكان النشر
القاهرة
وَهِيَ أَمَانَةٌ، وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ، وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ، وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَةِ- إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ. وَدَارِي لَكَ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى عُمْرَى، وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا؛ فَإِنْ آجَرَهَا، فَهَلَكَتْ - ضَمِنَ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَرْضًا كَاسْتِعَارَةِ الْحُلِيِّ.
قَالَ: (وَهِيَ أَمَانَةٌ) لَا يَضْمَنُهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ. قَالَ ﵊: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ»، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لُغَةً وَشَرْعًا؛ لِمَا بَيَّنَّا، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا.
وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ اسْتَعَارَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ، فَقَالَ: أَغَصْبًا تَأْخُذُهَا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ» أَيْ وَاجِبَةُ الرَّدِّ مَضْمُونَةٌ بِمَئُونَةِ الرَّدِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ.
قَالَ: (وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ)؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ. (وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ)؛ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، (وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ خِدْمَتُهُ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ.
(وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمْلَتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ)؛ لِمَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ. (وَدَارِي لَكَ سُكْنَى) ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ، (أَوْ سُكْنَى عُمْرَى)، أَيْ سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ.
قَالَ: (وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ، فَيُمَلِّكُهَا غَيْرَهُ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا مَرَّ.
ثُمَّ الْعَارِيَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ وَالِانْتِفَاعِ، كَمَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَا عَيَّنَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ - فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، فِي أَيِّ مَنْفَعَةٍ شَاءَ. وَيُرْكِبَ وَيُلْبِسَ غَيْرَهُ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ، فَلَوْ رَكِبَ هُوَ، أَوْ لَبِسَ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ. وَكَذَا لَوْ رَكِبَ غَيْرُهُ لَا يَرْكَبُ هُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا بِأَنِ اسْتَعَارَهُ يَوْمًا؛ لِيَسْتَعْمِلَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ غَيْرَهُ؛ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهَا لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ. وَكَذَا لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ؛ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ مُقَيَّدَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَهَا؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً - فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مَتَى شَاءَ.
وَالرَّابِعُ: إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً فِي الْوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي الِانْتِفَاعِ، بِأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً يَوْمًا، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا - فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا شَاءَ فِي الْيَوْمِ. فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ ضَمِنَ إِنِ انْتَفَعَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَقِيلَ: يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْهُ يُسْتَفَادُ، فَيَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَمَا زَادَ فَالْمُسْتَعِيرُ مُسْتَعْمِلٌ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَيَضْمَنُ.
قَالَ: (فَإِنْ آجَرَهَا، فَهَلَكَتْ - ضَمِنَ)؛
3 / 56