362

الاختيار لتعليل المختار

محقق

محمود أبو دقيقة

الناشر

مطبعة الحلبي (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت)

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٣٥٦ هجري

مكان النشر

القاهرة

مناطق
العراق
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون
كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ الْمُضَارِبُ شَرِيكُ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ، وَرَأْسُ مَالِهِ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا سُلِّمَ رَأْسُ الْمَالِ إِلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ]
ِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الضَّرْبِ، وَهُوَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] الْآيَةَ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ مُضَارَبَةً ; لِأَنَّ فَائِدَتَهُ وَهُوَ الرِّبْحُ لَا تَحْصُلُ غَالِبًا إِلَّا بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ بِلُغَةِ الْحِجَازِ مُقَارَضَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْمُضَارَبَةَ لِمُوَافَقَتِهِ نَصَّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] أَيْ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْآيَةِ وَبِالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يَدْفَعُ مَالَهُ مُضَارَبَةً، وَيَشْتَرِطُ عَلَى مُضَارِبِهِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ بَحْرًا وَأَنْ لَا يَنْزِلَ وَادِيًا وَلَا يَشْتَرِيَ بِهِ ذَاتَ كَبِدٍ رَطْبَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَجَازَهُ»، وَبُعِثَ ﵊ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَهُ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّ لِلنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْهُمُ الْغَنِيَّ الْغَبِيَّ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ، وَالْفَقِيرَ الذَّكِيَّ الْعَارِفَ بِأَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى شَرْعِيَّتِهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهَا.
وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ دَفَعْتُ هَذَا الْمَالَ إِلَيْكَ مُضَارَبَةً أَوْ مُقَارَضَةً أَوْ مُعَامَلَةً، أَوْ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ فِيهِ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ أَوْ ثُلُثَهُ، أَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ وَاعْمَلْ بِهَا بِالنِّصْفِ أَوْ بِالثُّلُثِ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ صَارَ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْعَمَلِ، وَالنِّصْفُ مَتَى ذُكِرَ عَقِيبَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُرَادُ بِهِ النِّصْفُ مِنَ الرِّبْحِ عُرْفًا وَأَنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ، وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ بِالنِّصْفِ كَانَ مُضَارَبَةً اسْتِحْسَانًا عَمَلًا بِالْعُرْفِ.
وَشَرَائِطُهَا خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالنَّقْدَيْنِ. الثَّانِي: إِعْلَامُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْعَقْدِ، إِمَّا بِالْإِشَارَةِ أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ، وَيَكُونُ مُسَلَّمًا إِلَى الْمَضَارِبِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا. الرَّابِعُ: إِعْلَامُ قَدْرِ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ لِلْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ، حَتَّى لَوْ شَرَطَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْهُمَا فَسَدَتْ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (الْمُضَارِبُ شَرِيكُ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ، وَرَأْسُ مَالِهِ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ) ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكُهُ فِي الرِّبْحِ لَا يَكُونُ مُضَارَبَةً عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: (فَإِذَا سَلَّمَ رَأْسَ الْمَالِ إِلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ) ; لِأَنَّهُ قَبْضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ (فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ) ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ

3 / 19