ففي هذا الحديث بيان أن العبد لا يراها (إذا كان عليه وفاء) (١)، إنما ذلك فيه من حيث دليل خطابه، قال: "إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء"، دلَّ على أنَّه إذا لم يكن كذلك لا يحجب.
قلنا: ذلك ليس من دليل خطابه، بل من المنطوق به، وذلك أن قوله ﵇: "اضرب دونه الحجاب" لا يصح أن يقال إلا في مَن كان غير محجوب، فلو كان مَن لا وفاء عنده محجوبًا، كما يقدر مَن يبطل دليل الخطاب ما صح أن يقال: "إذا كان عنده وفاء فاحجبوه"، وإنما يقال ذلك فيمن كان غير محجوب.
ويضاف إلى هذا فهم أم سلمة ﵂، فإنها كانت مبدية له إلى أن علمت بأن عنده وفاء بما عليه، فهي ببدوّها له حاملة لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَاتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] على العبيد، إلا أنها أخبرت بمخصص عندها ورد على ذلك المطلق فقيَّده، وهو قوله: "إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه" (٢)، أقام وجدان الوفاء بما عليه مقام الأداء، فرتّب عليه وجوب الإحتجاب عنه.
ويتأكَّد هذا بما علمناه من أن أم سلمة ﵂ مستندة في هذا المعنى متحرجة فيه، حتى لقد أنكرت على عائشة دخول الغلام الأيفع عليها، مع أنها تتلو قوله ﷿: ﴿أَوِ الْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ الْنِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، وسنبين معنى إنكارها ذلك وما دار بينها وبين عائشة فيه إن شاء الله تعالى، إذا ذكرنا بدوّ المرأة للأطفال. وقد كانت ﵂ قيل لها ولميمونة: "أفعمياوان أنتما؟! " (٣)،
(١) في الأصل: "وأن ترى فان": والظاهر من السياق ما أثبت.
(٢) انظر التعليق وقم (٧)، ص: ٢٥٠.
(٣) أخرجه الإِمام أحمد: ٦/ ٢٩٦؛ وأبو داود في اللباس، باب في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِّلِمُؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾: ٦/ ٦٠ - ٦١: والترمذي في الأدب، باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، وقال: حديث حسن صحيح: ٥/ ١٠٢؛ وقوَّاه الحافظ ابن حجر في =
1 / 252
تقديم الطبعة الثالثة
تقديم
مقدمة المؤلف
الباب الثالث في نظر الرجال إلى الرجال
الباب الرابع في نظر النساء إلى النساء
الباب الخامس في نظر الرجال إلى النساء
الباب السادس في نظر النساء إلى الرجال
الباب السابع ما يجوز النظر إليه مما تقدم المنع منه لأجل ضرورة أو حاجة