إعراب القرآن لابن سيده
أما الوجه الأول فهو سائغ، وقد حذف المبتدأ مع من في مواضع منها: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} {وما منا إلا له مقام} {وما دون ذلك} على قول. وأما الوجه الثاني فهو فاسد، لأنه جعل إذ مبتدأة ولم يستعملها العرب متصرفة ألبتة، إنما تكون ظرفا أو مضافا إليها اسم زمان، ومفعولة باذكر على قول. أما أن تستعمل مبتدأ فلم يثبت ذلك في لسان العرب، ليس في كلامهم نحو: إذ قام زيد طويل وأنت تريد وقت قيام زيد طويل. وقد قال أبو علي الفارسي: لم ترد إذ وإذا في كلام العرب إلا ظرفين، ولا يكونان فاعلين ولا مفعولين، ولا مبتدأين انتهى كلامه. وأما قوله: في محل الرفع كإذا، فهذا التشبيه فاسد، لأن المشبه مرفوع بالابتداء، والمشبه به ليس مبتدأ. إنما هو ظرف في موضع الخبر على زعم من يرى ذلك. وليس في الحقيقة في موضع رفع، بل هو في موضع نصب بالعامل المحذوف، وذلك العامل هو مرفوع. فإذا قال النحاة: هذا الظرف الواقع خبرا في محل الرفع، فيعنون أنه لما قام مقام المرفوع صار في محله، وهو في التحقيق في موضع نصب كما ذكرنا. وأما قوله في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما، فهذا في غاية الفساد . لأن هذا الظرف على مذهب من يجعله في موضع خبر المبتدأ الذي هو أخطب، لا يجيز أن ينطق به، إنما هو أمر تقديري. ونص أرباب هذا المذهب وهم القائلون بإعراب أخطب مبتدأ، أن هذه الحال سدت مسد الخبر، وأنه مما يجب حذف الخبر فيه لسد هذه الحال مسده. وفي تقرير هذا الخبر أربعة مذاهب، ذكرت في مبسوطات النحو.
{وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين} وإن هنا هي الخففة من الثقيلة، وتقدم الكلام عليها وعلى اللام في قوله: {وإن كانت لكبيرة} والخلاف في ذلك فأغنى عن إعادته هنا. وقال الزمخشري: إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتقديره: وإن الشأن والحديث كانوا من قبل لفي ضلال مبين. انتهى. وقال مكي: وقد ذكر أنه قبل إن نافية، واللام بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، قال: وهذا قول الكوفيين. وأما سيبويه فإنه قال: إن مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، والتقدير على قوله: وإنهم كانوا من قبل في ضلال مبين. فظهر من كلام الزمخشري أنه حين خففت حذف اسمها وهو ضمير الشأن والحديث. ومن كلام مكي أنها حين خففت حذف اسمها وهو ضمير عائد على المؤمنين، وكلا هذين الوجهين لا نعرف. نحو: يا ذهب إليه. إنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت: إن زيدا ائم ثم خففت، فمذهب البصريين فيها إذ ذاك وجهان: أحدهما: جواز الأعمال، ويكون حالها وهي مخففة كحالها وهي مشددة، إلا أنها لا تعمل في مضمر. ومنع ذلك الكوفيون، وهم محجوجون بالسماع الثابت من لسان العرب. والوجه الثاني: وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل، لا في ظاهر، ولا في مضمر لا ملفوظ به ولا مقدر ألبتة. فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر، ولزمت اللام في ثاني مضمونيها إن لم ينف، وفي أولهما إن تأخر فنقول: إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيدا قائم. وإن وليه جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من فواتح الابتداء. وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم. والجملة من قوله: وإن كانوا، حالية. والظاهر أن العامل فيها هو: ويعلمهم، فهو حال من المفعول.
صفحة ١٧١