إعراب القرآن لابن سيده
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون * وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتبا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الأخرة نؤته منها وسنجزى الشكرين * وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصبرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين * فئاتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة والله يحب المحسنين * يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقبكم فتنقلبوا خسرين * بل الله مولكم وهو خير النصرين * سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا ومأواهم النار وبئس مثوى الظلمين * ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنزعتم فى الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين }.
كائن: كلمة يكثر بها بمعنى كم الخبرية. وقل الاستفهام بها. والكاف للتشبيه، دخلت على أي وزال معنى التشبيه، هذا مذهب سيبويه والخليل، والوقف على قولهما بغير تنوين. وزعم أبو الفتح: أن أيا وزنه فعل، وهو مصدر أوى يأوى إذا انضم واجتمع، أصله: أوى عمل فيه ما عمل في طي مصدر طوي. وهذا كله دعوى لا يقوم دليل على شيء منها. والذي يظهر أنه اسم مبني بسيط لا تركيب فيه، يأتي للتكثير مثل كم، وفيه لغات: الأولى وهي التي تقدمت. وكائن ومن ادعى أن هذه اسم فاعل من كان فقوله بعيد. وكلئن على وزن كعن، وكأين وكيين، ويوقف عليها بالنون. وأكثر ما يجيء تمييزها مصحوبا بمن. ووهم ابن عصفور في قوله: إنه يلزمه من، وإذا حذفت انتصب التمييز سواء أولها أم لم يليها، نحو قول الشاعر:
أطرد اليأس بالرجاء فكاين
آلما عم يسره بعد عسر
وقول الآخر:
وكائن لنا فضلا عليكم ونعمة
قديما ولا تدرون ما من منعم
{أم حسبتم} وأم هنا منقطعة في قول الأكثرين تتقدر ببل، والهمزة على ما قرر في النحو. وقيل: هي بمعنى الهمزة. وقيل: أم متصلة. قال ابن بحر: هي عديلة همزة تتقدر من معنى ما تتقدم، وذلك أن قوله: {أن يمسسكم قرح وتلك الأيام نداولها} إلى آخر القصة يقتضي أن يتبع ذلك: أتعلمون أن التكاليف يوجب ذلك، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير اختبار وتحمل مشقة وأن تجاهدوا فيعلم الله ذلك منكم واقعا. انتهى كلامه. وتقدم لنا إبطال مثل هذا القول. وهذا الاستفهام الذي تضمنته معناه الإنكار والإضراب الذي تضمنته أيضا هو ترك لما قبله من غير إبطال وأخذ فيما بعده.
صفحة ١٤٧