إعراب القرآن لابن سيده
ولم يرتفق والناس محتضرونه {إلا أن تغمضوا فيه} موضع أن نصب أو خفض عند من قدره إلا بأن تغمضوا، فحذف الحرف، إذ حذفه جائز مطرد، وقيل: نصب بتغمضوا، وهو موضع الحال، وقد قدمنا قبل، أن سيبويه لا يجيز انتصاب أن والفعل مقدرا بالمصدر في موضع الحال، وقال الفراء: المعنى معنى الشرط والجزاء، لأن معناه إن أغمضتم أخذتم، ولكن إلا وقعت على أن ففتحتها، ومثله: إلا أن يخافه و{إلا أن يعفون}(البقرة: 237) هذا كله جزاء، وأنكر أبو العباس وغيره قول الفراء، وقالوا: أن، هذه لم تكن مكسورة قط، وهي التي تتقدر، هي وما بعدها، بالمصدر، وهي مفتوحة على كل حال، والمعنى: إلا بإغماضكم.
وقرأ الجمهور: تغمضوا، من أغمض، وجعلوه مما حذف مفعوله، أي: تغمضوا أبصاركم أو بصائركم، وجوزوا أن يكون لازما مثل : أغضى عن كذا.
{ومن يؤت الحكمة} قرأ الجمهور مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهو ضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت. وقرأ يعقوب: ومن يؤت، بكسر التاء مبنيا للفاعل. قال الزمخشري: بمعنى ومن يؤته الله. انتهى.
فإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك، ليس في يؤت ضمير نصب حذف، بل مفعوله مقدم بفعل الشرط، كما تقول: أيا تعط درهما أعطه درهما.
وقرأ الأعمش: ومن يؤته الحكمة، بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول: ليؤت، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في: يؤت، عائد على الله تعالى. وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها.
صفحة ٥٩