الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام
محقق
د. أحمد حجازي السقا
الناشر
دار التراث العربي
مكان النشر
القاهرة
مناطق
•مصر
الإمبراطوريات و العصور
المماليك (مصر، سوريا)، ٦٤٨-٦٩٢ / ١٢٥٠-١٥١٧
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
رب يسر وأعن يَا ألله
الْحَمد لله الَّذِي من علينا بتوحيده وَجَعَلنَا من أفضل عبيده الَّذِي جنبنا الْأَهْوَاء المذلة والآراء المضلة أرانا الْحق إِذْ هدَانَا لبرهانه وَدَلِيله وَأظْهر لنا الْبَاطِل وتفضل علينا بالعدول عَن سَبيله نحمده بمحامده الَّتِي لَا تحصى ونشكره على الْآيَة الَّتِي لم تزل تترى ونسأله الصَّلَاة على نجبه من كَافَّة الورى أنبيائه وَرُسُله أَئِمَّة الْهدى وخصوصا الْمَبْعُوث إِلَى الثقلَيْن الْمفضل على الْعَالمين الْمُؤَيد بِالْآيَاتِ الصادعة والبراهين القاطعة موضح الْحق بواضحات الدَّلَائِل ومرهق الْكفْر وَالْبَاطِل صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين وعَلى جَمِيع النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ ورضى الله عَن خلفائه الرَّاشِدين وَعَن صحابته أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين
أما بعد
فقد وقفت وفقك الله على كتاب كتب بِهِ بعض المنتحلين لدين الْملَّة النَّصْرَانِيَّة سَمَّاهُ كتاب تثليث الوحدانية بعث بِهِ من طليطلة أَعَادَهَا الله إِلَى مَدِينَة قرطبة حرسها الله متعرضا فِيهِ لدين الْمُسلمين نائلا فِيهِ من عِصَابَة الْحق الْمُوَحِّدين سَائِلًا عَمَّا لَا يعنيه ومتكلما بِمَا لَا يدريه فأمعنت النّظر فِيهِ فَإِذا بالمتكلم يهرف بِمَا لَا يعرف وينطق بِمَا لَا يُحَقّق نَاقض وَلم يشْعر وعمى من حَيْثُ يظنّ أَنه يستبصر ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ﴾ يلحن إِذا كتب ويعجم مَتى أعرب ... وَذي خطل فِي القَوْل تحسب أَنه
مُصِيب فَمَا يلمم بِهِ فَهُوَ قَائِله ...
دلّ بقوله على ضعف عقله وبمكاتبته على سوء محاولته تعاطى دَرَجَة النظار وسود بأباطيله ذَلِك الطومار ليستزل بِهِ الأغبياء
1 / 43
الأغمار وَيحصل بذلك على مآكله شنار ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وليته إِذا ادّعى النّظر سلك طَرِيقه وألتزم شُرُوطه فاعترف بالبديهيات وَلم ينظر الضروريات الَّتِي هِيَ أصُول النظريات وَلَكِن حل من عُنُقه ربقة الْعُقُول فَهُوَ فِي كل جَهَالَة يجول وإليها يَدْعُو وَبهَا يَقُول فليته لَو دفن من عواره مَا كَانَ مسطورا وَلَكِن كَانَ ذَلِك عَلَيْهِ فِي الْكتاب مسطورا ... وَإِن لِسَان الْمَرْء مَا لم تكن لَهُ
حَصَاة على عوراته لدَلِيل ...
فاستخرت الله تَعَالَى فِي جَوَابه على تَخْلِيط مَعَانِيه وتثبيج خطابه بعد أَن أَقُول لَهُ اعْلَم يَا هَذَا إِن الْبُغَاة بأرضنا لَا تستنسر والتمييز عندنَا بَين الْفضة والقصة متيسر وَهَا أَنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أجاوبك على مَا كتبت حرفا حرفا وَأبين فَسَاده الَّذِي لَا يكَاد يخفى على أَنهم لَو فتح عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء ﴿فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون﴾ فَكيف لَا وَقد ركبُوا من اسْتِحَالَة الإتحاد والتثليث والحلول مَا يدْرك فَسَاده بضرورة الْعُقُول وَقد قَالُوا فِي الآب والإبن والأقانيم مَا تمجه بفطرته الأولى كل ذِي فهم مُسْتَقِيم وَلَا يَتَّسِع لقبوله قلب ذِي عقل سليم ... وَمن كَانَ اللعين لَهُ لِسَانا
فَكل جداله زور ونكر
فَكل مقالهم إفْك وزيغ
وَنَصّ كِتَابهمْ شرك وَكفر ...
وَمن أعظم مَا ظهر عَلَيْهِم من الْفَاسِد فصرفوا لذَلِك عَن التَّوْفِيق والرشاد إنكارهم مَا يدل على نبوة نَبينَا من المعجزات وواضح الدلالات وَقد قاربت الضرورات حَتَّى أَنْكَرُوا مَا جَاءَ فِي كتبهمْ من الْإِعْلَام على نبوته وَإِيجَاب إتباع شَرِيعَته فَلَقَد كانو يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم ويعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وسأذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا وَقع فِي أَنَاجِيلهمْ من وَصفه وصحيح نَعته وَلما تبين للعقلاء عنادهم سقط لذَلِك إرشادهم وَوَجَب حملهمْ على السَّيْف وجهادهم فقد يفعل الله بِالسَّيْفِ وَاللِّسَان مَا لَا يفعل بالبرهان وَمن كَلَام الْحُكَمَاء يزغ الله بالسلطان مَالا يزغ بِالْقُرْآنِ فَأَعْرض الْعُقَلَاء عَنْهُم
1 / 44
واكتفوا من الرَّد عَلَيْهِم بحكاية مَذْهَبهم ووكلوا النَّاظر فِيهِ لظُهُور تناقضه وَفَسَاد مَعَانِيه
وَقد كنت عزمت على الإقتداء بالعقلاء فِي الْإِعْرَاض حَتَّى أَكثر هَذَا الْمُتَكَلّم من التَّعَرُّض والإعتراض فَتعين لذَلِك الْجَواب وَأَنا أسأَل الله التَّوْفِيق للصَّوَاب ومجانبة الْخَطَأ وَمَا يُوجب العتاب أَنه ولى التَّوْفِيق وَهُوَ بإجابة السَّائِلين حقيق
فصل لتعلم يَا هَذَا المنتسب لدين الْمَسِيح أَنى أجاوبك إِن شَاءَ الله تَعَالَى بمنطق عَرَبِيّ فصيح أسلك فِيهِ مَسْلَك الأنصاف وأترك طَرِيق التعصب والإعتساف على أَن كلامك لَا يسْتَحق الإصغاء إِلَيْهِ وَلَا الْجَواب عَنهُ لِأَنَّك لَا تحسن السُّؤَال وَلَا تعرف تَرْتِيب الْمقَال بل تَقول مَا لَا تفهم وتكتفي بأنك تَتَكَلَّم وَلكَون كلامك هَذَا كثير الْغَلَط ظَاهر التَّنَاقُض والشطط وَأَنت مَعَ ذَلِك لَا تعرف مَذَاهِب النَّصَارَى الْمُتَقَدِّمين الَّذين كَانُوا بِنَوْع نظر مُتَمَسِّكِينَ وَإِن كَانُوا عَن مَذْهَب الْحق ناكبين حَتَّى أَنهم لَو سمعُوا كثيرا مِمَّا ذكرته لتبرأوا عَنهُ ولأنفوا مِنْهُ إِذْ لَا ينْسب أَكثر ذَلِك إِلَى من تكايس مِنْهُم وَلَا يرْوى بِحَال عَنْهُم على أَنهم فِي أصُول عقائدهم مُخْتَلفُونَ وَفِي ورطة الْجَهْل مرتبكون وسنبين لَك ذَلِك كُله إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلما تبين ذَلِك مِنْك أعرض الْمُسلمُونَ عَن جوابك ونزهوا أنفسهم عَن خطابك إِذْ الْأَعْرَاض عَن الْجَاهِلين شرعة رب الْعَالمين على لِسَان سيد الْمُرْسلين وَأَيْضًا فَمن لم يعرف شُرُوط النّظر وَلم يسْلك مسالك الْبَحْث والعبر فَالْكَلَام مَعَه ضرب فِي حَدِيد بَارِد وَعمل لَيْسَ لَهُ جدوى وَلَا عايد
وَلما أَعرضُوا عَنْك لجهالتك تبجحت بذلك عِنْد عصابتك فَظَنَنْت أَن سكوتنا عَنْك إِنَّمَا هُوَ لرهبة مِنْك حَتَّى لقد أبلغتنا عَنْك نكرا وَقلت فِي كتابك هَذَا فحشا وهجرا فَنحْن وَإِيَّاك كَمَا قَالَ ... سكت عَن السَّفِيه فَظن أَنى
عييت عَن الْجَواب وَمَا عييت ...
فَعظم هَذَا الْأَمر حِين نمى خَبره إِلَى مَعَ أَنه رغب إِلَى فِي ذَلِك جمَاعَة من الإخوان فَصَارَ ذَلِك على كَأَنَّهُ من فروض الْأَعْيَان فاغتنمتها
1 / 45
فرْصَة وسررت بهَا قصَّة لعلمي أَن النكاية فِي الْعَدو بالبرهان وَاللِّسَان أوقع من نكاية السَّيْف والسنان
والرجا من مَالك الدَّاريْنِ الْجمع بَين الْأَمريْنِ واحراز أجر العملين على أَنى لَا أتعرضهم بقزع السباب وَلَا أنزل مَعَهم إِلَّا إعتذار وعتاب وَإِنَّمَا هُوَ إِظْهَار جهلهم وتناقض مَذْهَبهم وَقَوْلهمْ
فأذكر كَلَام هَذَا السَّائِل كَمَا بَلغنِي وَأبين من خطئه وتناقضه مَا شَاءَ الله أَن يفهمني فأناقشه فِي لَفظه وَأظْهر سوء نَقله وَحفظه
فَتَارَة أسأله وَأُخْرَى أجاوبه ليعلم أَن النَّاقِد بَصِير والباحث خَبِير وليتبين عيه وجهله للكبير وَالصَّغِير ثمَّ من بعد الْفَرَاغ من تتبع كَلَامه أعطف بالمناظرة على أقسته ورهبانه فأحكى مذاهبهم كَمَا دونوها فِي كتبهمْ وعَلى مَا تلقفوها من أسقاقفتهم ثمَّ أسبرها على محك الْعرض وَأبين بعض مافيها من الْفساد والنقض وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
وَقد استخرت الله تَعَالَى فِي أَن أجمل هَذَا الْكتاب على صدر وَأَرْبَعَة أَبْوَاب
الْبَاب الأول فِي الْكَلَام على الأقانيم الْبَاب الثَّانِي: فِي الِاتِّحَاد والحلول
الْبَاب الثَّالِث فِي الْكَلَام على النبوات وَإِثْبَات نبوة نَبينَا ﵊
الْبَاب الرَّابِع فِي جمل من فروع أحكامهم أبين فِيهَا أَن لَيْسَ لَهُم فِي أحكامهم مُسْتَند إِلَّا مَحْض الْهوى والتحكم واللدد
وكل بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب يتَضَمَّن فصولا وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى أَن يُطلق ألسنتنا بِالْحَقِّ وَالْحكمَة ويخرسها عَن الْبَاطِل والفتنة أَنه ذُو الْفضل وَالنعْمَة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة
1 / 46
صدر الْكتاب
نذْكر فِي هَذَا الصَّدْر كَلَام هَذَا السَّائِل فِي خطْبَة كِتَابه وَالْجَوَاب عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
فِي حِكَايَة كَلَام السَّائِل فِي خطْبَة كِتَابه
قَالَ كتاب تثليث الوحدانية فِي معرفَة الله ثمَّ قَالَ الْحَمد لله بَالغ القوى الَّتِي فطرنا عَلَيْهَا وأمرنا بِحَمْدِهِ فَنحْن نحمده ونشكره ونعظمه بِمثل تعارفنا فِي الْحَمد وَالشُّكْر والتعظيم لملوكنا وَأهل الرهبة من ذَوي السُّلْطَان منا فرضا لَهُ شاكرين حامدين معظمين غير واقفين على ذَاته وَلَا مدركين لشَيْء مِنْهُ وَإِنَّمَا نقع على أَسمَاء أَفعاله فِي خليقته وتدبيره فِي ربوبيته
الْجَواب عَن تَرْجَمته أما قَوْله تثليث الوحدانية فَكَلَام متناقض لفظا وفاسد معنى بَيَان ذَلِك أَن قَوْله تثليث الوحدانية كَلَام مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ وَلَا يفهم الْمُضَاف مَا لم يفهم الْمُضَاف إِلَيْهِ فَأَقُول لفظ الوحدانية مَأْخُوذ من الْوحدَة وَمَعْنَاهَا رَاجع إِلَى نفى التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فَهِيَ إِذن من أَسمَاء السلوب فَإِذا وَصفنَا بهَا مَوْجُودا فقد نَفينَا عَنهُ التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة والتثليث مَعْنَاهُ تعدد وَكَثْرَة فَإِذا أضَاف هَذَا الْقَائِل التَّثْلِيث للوحدة فَكَأَنَّهُ قَالَ تَكْثِير مَالا يتكثر وتكثير مَالا يتكثر بَاطِل بِالضَّرُورَةِ فَأول كلمة تكلم بهَا هَذَا السَّائِل متناقضة وباطلة بِالضَّرُورَةِ
وَأما قَوْله فِي معرفَة الله فَقَوْل لم يحط بِمَعْنَاهُ وَلَا فهم مُسَمَّاهُ وَإِلَّا فَمَا حد الْمعرفَة وَكم أقسامها وَهل يَصح أَن تكون مكتسبة لنا وَهل يجوز عقلا أَن يكلفنا بهَا الْأَنْبِيَاء وَإِن جَازَ ذَلِك فَمَا طَرِيق تَحْصِيلهَا
ثمَّ هول بِهَذَا اللَّفْظ وأوهم أَنه حصل مِنْهَا على حَظّ فَإِن كَانَ دليلك يَا هَذَا على معرفَة الله تَعَالَى مَا ضممته كتابك فابك على مصابك واقرع
1 / 47
أسفا على عقل نابك فَإِن الْوَاقِف على مَعْنَاهُ المقتحم لفحواه علم على الْقطع والقط أَنَّك لم تعرف الله تَعَالَى قطّ لِأَنَّك لم تذكر فِيهِ دَلِيلا صَحِيحا نعم وَلَا قولا فصيحا وَإِن كَانَ لَك دَلِيل آخر على معرفَة الله تَعَالَى لم تذكره هُنَا فَهَذِهِ تَرْجَمَة بِلَا معنى وَاسم يهول بِلَا مُسَمّى كلامك ياهذا كفارع حمص خلى من الْمَعْنى وَلَكِن يجمع ... ثمَّ نظم هَذِه التَّرْجَمَة على مَا أبديناه من التَّنَاقُض أَن يُقَال تَكْثِير مَا لَا يتكثر فِي معرفَة الله وَأي رابط بِهَذَا الْكَلَام وَهل هَذَا إِلَّا مضحكة الْخَاص وَالْعَام وعار لم يصل إِلَيْهِ أحد من عقلاء الْأَنَام
ثمَّ بعد ذَلِك شرع هَذَا الْقَائِل فِي الخطابة وصنعة الْكِتَابَة فسحب على سحبان ثوب النسْيَان وأنسى أبان كل مَا أبان وصير فصيح وَائِل أعيا من بَاقِل فَقَالَ الْحَمد لله بَالغ القوى الَّتِي فطرنا عَلَيْهَا فيا للعجب وَيَا لضيعة الدّين وَالْأَدب ... دع المكارم لَا ترحل لبغيتها
واقعد فَإنَّك أَنْت الجائع العاري ...
أما قَوْله الْحَمد لله فَكَلَام حق ومقال صدق عِنْد من عرف مَعْنَاهُ وَفهم فحواه وَأما عنْدك فَكَلَام سمعته وَمَا وعيته وَكَيف تعيه أَو تطمع فِي أَنَّك تدريه وَأَنت بمعزل عَن اللِّسَان عرى عَن تَحْصِيل شَرَائِط الْبُرْهَان
دَلِيل ذَلِك أَن الْحَمد لله يتَوَجَّه لأسئلة وَأَنت لَا تهتدي لفهمها فَكيف لحلها مِنْهَا لفظية وَمِنْهَا معنوية فأولها حَده وَإِلَى مَاذَا يرجع وَمَا الْفرق بَينه وَبَين الشُّكْر وَهل هُوَ فِي هَذَا الْموضع عَام أم لَا وَهل يَصح أَن يُطلق على غير الله وَإِن أطلق فَهَل بِالْحَقِيقَةِ أم بالمجاز وعَلى أَي وَجه يُضَاف إِلَى الله تَعَالَى أَعلَى جِهَة الْملك أَو على جِهَة الإستحقاق أَو غَيرهمَا من أَنْوَاع الْإِضَافَة ولأي شَيْء يوضع فِي أَوَائِل الْكتب وَلَا يَكْتَفِي عَنهُ بِالتَّسْمِيَةِ
وَأما قَوْلك بَالغ القوى فَكَلَام مختل صدر عَمَّن لم يحصل تَنْزِيل مَفْهُومه على فَائِدَة لِأَن الْمُتَكَلّم بِهِ عمل بَالغ مَوضِع مبلغ ثمَّ ذهب
1 / 48
بمبلغ إِلَى معنى خَالق وَالْعرب الَّذين تكلم هَذَا السَّائِل بكلامهم وتعاطى مَفْهُوم خطابهم لَا يَتَكَلَّمُونَ بَالغ فِي معنى الْخَالِق لتباين اللَّفْظَيْنِ وإختلاف المفهومين وَمعنى الْخلق الْمَشْهُور عِنْدهم إختراع مَا لم يكن والإبلاغ هُوَ أَيْضا لَهُ كَائِن إِلَى غَايَة مَا فَإِن أنكر هَذَا الْمُتَكَلّم أَن يكون أَرَادَ هَذَا فقد شهد على نَفسه بالغلط واعترف بِأَن كَلَامه من أرذل أرذل السقط
ثمَّ أضَاف بَالغ إِلَى القوى والقوى جمع قُوَّة وَهِي الْقُدْرَة والشدة فَإِن كنت تُرِيدُ هَذَا فَأَي فَائِدَة للفظك وَأي لَطِيفَة لِقَوْلِك الَّتِي فطرنا عَلَيْهَا وَفِي الثيران والأباعير وَالْحمير من هُوَ أَشد مِنْك وَأقوى فقد فَضلهَا عَلَيْك حَيْثُ أبلغهَا من الشدَّة أَكثر مِمَّا أبلغك
وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَك يَا هَذَا أَن تذكر من نعم الله عَلَيْك النِّعْمَة الْخَاصَّة بالإنسان وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي بِهِ تميز عَن أَصْنَاف الْحَيَوَان ثمَّ من عَجِيب أَمر هَذَا السَّائِل وأدل دَلِيل على بلادته وجهله أَن هَذِه الْخطْبَة الَّتِي صدر بهَا كِتَابه على مَا هِيَ عَلَيْهِ من تثبيج النّظم وَعدم الفصاحة إِنَّمَا نقلهَا من رِسَالَة عبد الرَّحْمَن بن عصن ختن شبيب الَّتِي كَانَ أساقفة النَّصَارَى كتبُوا بهَا إِلَى الإِمَام الزَّاهِد أبي مَرْوَان بن ميسرَة ونسبوها لعبد الرَّحْمَن وَكَانُوا قد اجْتَمعُوا على كتَابَتهَا بطليطلة أَعَادَهَا الله فَلَمَّا كتبوها بعثوا بهَا إِلَى القَاضِي أبي مَرْوَان بن ميسرَة فَبعد أَن بذلوا جدهم وأجهدوا جهدهمْ كتبُوا لَهُ رِسَالَة مفتتحها هَذِه الْخطْبَة فِي بطاقة صَغِيرَة عدد أسطارها نَحْو ثَلَاثِينَ لحنوا فِيهَا وصحفوا فِي تِسْعَة وَعشْرين موضعا مِنْهَا وَمَعَ ذَلِك فأخلوا بالْكلَام وَلم يتَحَصَّل لَهُم من سُؤَالهمْ مطلب وَلَا مرام فأجابهم الإِمَام القَاضِي ﵀ وَأحسن فِي الْجَواب وَأظْهر لَهُم جهلهم وتبلدهم فِي ذَلِك الْكتاب
فَلَو كَانَ هَذَا السَّائِل عَارِفًا بمصالحه مُمَيّزا بَين محاسنه ومقابحه لاكتفى بإفحام أساقفته الْمُتَقَدّمَة وعثرته الجاهلة المضممة ولكان يستر ظَاهر خطاياهم وركيك كَلَامهم وَلَكِن أَرَادَ الله تَجْدِيد مَا قدم لَهُم من الفضيحة بمقالة صابية صَحِيحَة ثمَّ ليته إِذْ نقل إِلَى كِتَابه كَلَامهم لم يُفَسر الْمَعْنى وَلم يُغير اللَّفْظ بل غَيره تغييرا يدل على عدم الهجاء وَقلة الْحِفْظ فَقَالَ الحمدلله بَالغ القوى وَهِي فِي كِتَابهمْ الْمُتَقَدّم الذّكر الَّذِي نقل مِنْهُ الحمدلله بألغ القوى وَبَين مَفْهُوم كَلَامه
1 / 49
وَكَلَامهم مَا بَين الْقرن والقدم وَمَا بَين فصاحة الْعَرَب ورطانة الْعَجم
وَأما قَوْلك وأمرنا بِحَمْدِهِ فَقَوْل لَا تعرف حَقِيقَته وَلَا تسلك طَرِيقَته حَتَّى تعرف إِن كَانَ الله آمرا أم لَا وَإِن كَانَ آمرا فَمَا حَقِيقَة أمره وَإِلَى مَاذَا يرجع وَهل هُوَ قديم أَو حَادث إِلَى أسئلة كَثِيرَة لَا تعرف أَنَّك مَأْمُون من جِهَة الله تَعَالَى حَتَّى تعرفها فأعد للمسائل جَوَابا وللسائل خطابا
وَأما قَوْله فَنحْن نحمده ونشكره ونعظمه بِمثل تعارفنا فِي الْحَمد وَالشُّكْر فَكَلَام يَدُور على اللِّسَان وَلم يسْتَقرّ لَك شَيْء مِنْهُ بالجنان وَكَيف يحمد الله من ينتقصه وَكَيف يشكره من يكفره وَهل الْحَمد وَالنُّقْصَان وَالشُّكْر والكفران إِلَّا أَمْرَانِ متناقضان
بَيَان ذَلِك أَنكُمْ تَجْعَلُونَ لله مَا تَكْرَهُونَ لأنفسكم وتنتقصون بِهِ أَبنَاء جنسكم هَا أَنْتُم تَكْرَهُونَ لرهبانكم وأقستكم إتخاذ الزَّوْجَة وَالْولد لِئَلَّا يتلطخ برذيلة مجْرى الْبَوْل وَدم الْحيض أَو تتشبه نِسْبَة الزَّوْجَة وَالْولد ثمَّ إِنَّكُم بجهالتكم تَزْعُمُونَ أَن اللاهوت تدرع بناسوت الْمَسِيح وَسكن فِي ظلمَة الرَّحِم مُدَّة ثمَّ خرج على مجْرى الْبَوْل وَدم الْحيض وتعلقت نِسْبَة الْوَلَد وَالزَّوْجَة وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ لله مَا تَكْرَهُونَ وتصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب لَا جرم أَن لكم النَّار وأنكم مفرطون وَكَيف يعظمه من يعبد غَيره ويعظم سواهُ وَيُخَالِفهُ فِي أمره ويرتكب مَا عَصَاهُ وَهَا أَنْتُم قد اتخذتم الْمَسِيح إِلَهًا أَو شطر إِلَه وعبدتم من دون الله غَيره وعظمتم سواهُ وخالفتم فِي ذَلِك قَول الْمَسِيح ﵇ وعصيتم أَمر خالقه ومرسله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام وَأَنْتُم تقرأون فِي كتابكُمْ عَن أشعياء ﵇ أَنه قَالَ عَن الله مبشرا بالمسيح ﵇ هَذَا غلامي الْمُصْطَفى وحبيبي الَّذِي ارتضت بِهِ نَفسِي وَكَذَلِكَ تقرأون فِي إنجيل ماركش أَن الْمَسِيح قَالَ
1 / 50
للْعَالم الَّذِي سَأَلَهُ عَن أول العهود إِن السَّيِّد إلهك إِلَه وَاحِد وَذكر كلَاما فَقَالَ لَهُ الْعَالم قلت الْحق يَا معلم إِن الله وَحده وَلَا إِلَه غَيره فَالله تَعَالَى يَقُول عَن الْمَسِيح هُوَ غلامي وَأَنْتُم تَقولُونَ هُوَ ولدك والمسيح يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنْت إِلَه آخر فتعالى الله عَمَّا تَقولُونَ وسبحانه عَمَّا تصفون وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فها أَنْتُم قد خالفتم أَمر الله وعظمتم سوى الله وَهَذَا إنجيل متاؤوش يشْهد عَلَيْكُم بِخِلَاف مَا إِلَيْهِ صرتم فَإِن فِيهِ أَن الْمَسِيح قَالَ لإبليس حِين رام خديعته قد صَار مَكْتُوبًا أَن تعبد السَّيِّد إلهك وتخدمه وَحده وَأَنْتُم تَعْبدُونَ غير الله وتسجدون لسواه تتحكمون فِي ذَلِك بأهوائكم وتخالفون قَول أنبيائكم ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ وَتقول بالعظائم على الله
وَأما قَوْلك بِمثل تعارفنا فِي الْحَمد فَإِن كَانَ وضع تعارف مَوضِع معرفَة فقد أخل بِالْمَعْنَى وَخَالف اللُّغَة وَلَو كَانَ يشم رَائِحَة من كَلَام الفصحاء لوبخ نَفسه على القالة هَذِه الشنعاء وَلَو نزلناه على أَنه أَرَادَ مَا تعارفه مخاطبوه فِيمَا بَينهم فِي معنى حمدالله لَكَانَ كَلَامه أَيْضا متناقضا وفاسدا وَعَن الصَّوَاب حايدا فَإِن حمد الله عِنْدهم ذمّ وشكرهم لَهُ كفر كَمَا تقدم وَمن كَانَ حَمده لله ذما
1 / 51
وشكره لَهُ كفرا وَكَانَ مَعْرفَته مثل شكره وحمده فقد حصل من الْعلم على ضِدّه وَخرج من الشُّكْر عَن حَده
وَأما قَوْلك والتعظيم لملوكنا وَأهل الرهبة من ذَوي السُّلْطَان منا فَقَوْل لَا يدل على زهدك فِي الدُّنْيَا وإقتدائك بورع الْمَسِيح عِيسَى وبخشية المعمد يحيى عظمت الْمُلُوك لملكهم طَمَعا فِي نيل سحت ملكهم وأعرضت عَن القسيسين ونسكهم وَلَو هديت السَّبِيل لَكَانَ الْأَنْبِيَاء والحواريون أَحَق وَأولى بالثناء والتبجيل لَكِن استهواك الطمع وإستفزك الجشع فآثرت الدُّنْيَا عَن الْآخِرَة فصفقتك اذن خاسرة وتجارتك بائرة
وَأما قَوْلك فرضا لَهُ شاكرين حامدين معظمين فَكَلَام غير مُنْتَظم وَلَيْسَ لَهُ مَفْهُوم ملتئم ذهب مَعْنَاهُ لِكَثْرَة لحنه يمجه الْعَاقِل ببديهة ذهنه أتلفت مَعْنَاهُ رضانة الْعَجم فَكَأَنَّهُ تبقى فِي نفس قائلة مكتتم
وَأما قَوْلك غير واقفين على ذَاته وَلَا مدركين لشَيْء مِنْهُ فلعمري لقد صدقت وَبِمَا أَنْت عَلَيْهِ من الْجَهْل بمعبودك نطقت فَأَيْنَ هَذَا من قَوْلك كتاب تثليث الوحدانية فِي معرفَة الله فقد جعلت هَذَا الْكتاب بزعمك موصلا إِلَى معرفَة الله ثمَّ لم ترجع النَّفس حَتَّى شهِدت على نَفسك بِالْجَهْلِ بِاللَّه فَظهر تنَاقض إعتقادك على لسَانك وَفِي تقييدك وَكَذَلِكَ يفعل الله بِكُل جَاهِل مهذار وَكَيف يعرف الله من لم يقف على معرفَة ذَاته وَلَا علم شَيْئا من صِفَاته وَهل ذَاته تَعَالَى إِلَّا عبارَة عَن وجوده فَإِن الموجودات الْمَوْجُود من غير مزِيد على مَا يعرف فِي مَوْضِعه بالبرهان فَمن لم يعرف ذَاته تَعَالَى لم يعرف وجوده وَمن لم يعرف وجوده فإمَّا شَاك وَإِمَّا جَاهِل
وَأما قَوْله وَإِنَّمَا نقع على أَسمَاء أَفعاله فِي خليقته وتدبيره فِي ربوبيته فَكَلَام لم يُورِدهُ فصيحا وَلَا فهمه صَحِيحا دَلِيل أَنه لم يردهُ فصيحا أَنه أَرَادَ بقوله نقع نَعْرِف وَإِلَّا لم يستقم كَلَامه فَكَأَنَّهُ قَالَ وَإِنَّمَا نَعْرِف أَسمَاء أَفعاله وَأَيْنَ نَعْرِف من نقع وَأي جَامع بَينهمَا عِنْد من عقل وَسمع فَإِن مَفْهُوم وَقع وَحَقِيقَته سقط الشَّيْء من أَعلَى إِلَى أَسْفَل وَلَيْسَ لهَذَا الْمَعْنى فِي كَلَامه مدْخل وَأما أَنه لم يفهمهُ صَحِيحا فَيدل عَلَيْهِ أَنه لَا يُجيب إِذا سُئِلَ عَنهُ فأصخ يَا هَذَا
1 / 52