كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة
الناشر
مطبعة سفير
مكان النشر
الرياض
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
كيفية دعوة الملحدين إلى اللَّه تعالى
في ضوء الكتاب والسنة
تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
صفحة غير معروفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في» كيفية دعوة الملحدين إلى اللَّه تعالى «بينت فيها بإيجاز الأساليب والطرق في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل اليسير مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر ضحى يوم الخميس ٢٥/ ٢/١٤٢٥هـ
1 / 3
تمهيد: إنزال الناس منازلهم:
الداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، وينزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم وطبائعهم وأخلاقهم ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب اللَّه ورسوله» (١).
وذُكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نُنزل الناس منازلهم» (٢).
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٣).
وقد بيَّن النبي ﷺ ذلك للدعاة إلى اللَّه ﷿ فقال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن - داعيًا ومعلمًا وقاضيًا -: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب ...» الحديث (٤).
(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ١/ ٢٢٥، (رقم ١٢٧).
(٢) مسلم، في المقدمة، مع شرح النووي، ١/ ٥٥، وسنن أبي داود مع العون، ١٣/ ١٩١.
(٣) مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١/ ١١.
(٤) البخاري مع الفتح، باب الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، ٣/ ٣٢٢، (رقم ١٤٥٨)، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وشرائع الإسلام، ١/ ٥٠، (رقم ١٩).
1 / 4
فبيَّن ﷺ لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف حالهم، ويستعد لهم، ويقدم لهم ما يناسبهم، وما يصلح أحوالهم.
وقال ﷺ لعائشة ’: «يا عائشة، لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (١).
فترك ﷺ هذه المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفاسد (٢).
فدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهمٌّ جدًا، فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).
(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، ١/ ٢٢٤، (١٢٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، (رقم ١٣٣٣)، (٤٠١، ٤٠٢).
(٢) قال ابن حجر ‘: >يستفاد منه ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه<. انظر: فتح الباري ١/ ٢٢٥.
(٣) انظر: شرح الإمام النووي على مسلم،١/ ٧٦، ١٩٧،وفتح الباري،١/ ٢٢٥،وكيف يدعو الداعية لعبد الله ناصح العلوان، ص ٧، ٣٧، ٤٧، ١٥٥،وزاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص٧.
1 / 5
والداعية الحكيم يكون مدركًا لما حوله، مقدرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.
والداعية إلى اللَّه – تعالى – لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقًا في تبليغه ولا مسددًا في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العُصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والماديين والدهريين؟ أم من الوثنيين المشركين؟
فإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدم معهم؟ وماذا يؤخر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟
وهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويحدده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه، من أجل استئصال المرض
1 / 6
طلبًا لصحة المريض، وهكذا الداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويحدد الداء، ويعرف الدواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة.
المبحث الأول: مفهوم الإلحاد
الإلحاد في الأصل هو: الميل والعدول عن الشيء، والظلم والجور، والجدال والمراء، يقال: لحد في الدين لحدًا، وألحد إلحادًا، لمن مال وعدل ومارى وجادل وظلم (١).
واللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت؛ لأنه قد أُميل عن وسط القبر إلى جانبه (٢).
والإلحاد: هو الميل عن الحق، والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويل الفاسد، والمنحرف عن صراط اللَّه والمعاكس لحكمه يسمى ملحدًا (٣).
(١) انظر: القاموس المحيط، فصل اللام، باب الدال ص١٠٤، والمعجم الوسيط، مادة (لحد)، ٢/ ٨١٧، ومختار الصحاح، مادة (لحد)، ص٢٤٧، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٥١٨، ٢/ ٢٦٨.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٤/ ٢٣٦.
(٣) انظر: الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، للشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري، ص٤٠.
1 / 7
والمراد بالملحدين في هذا المبحث: هو المعنى المصطلح عليه في هذا العصر، وهم: من أنكروا وجود رب خالق لهذا الكون، متصرف فيه، يدبر أمره بعلمه وحكمته، ويجري أحداثه بإرادته وقدرته، واعتبار الكون أو مادته الأولى أزلية، واعتبار تغيراته قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار الحياة - وما تستتبع من شعور وفكر حتى قمتها الإنسان - من أثر التطور الذاتي للمادة (١).
المبحث الثاني: الأدلة الفطرية
الفطر: الشق، والجمع منه فُطورٌ (٢)، قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ (٣)، وفطر اللَّه العالم: أوجده ابتداء (٤)، وفطر الخلق: خلقهم وبدأهم (٥)، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (٦)، والفطرة: الخلقة التي خُلِقَ عليها كل موجود أول
(١) انظر: كواشف زيوف المذاهب المعاصرة، لعبد الرحمن الميداني، ص٤٠٩.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤، ومختار الصحاح، مادة (فطر)، ص٢١٢.
(٣) سورة الملك، الآية: ٣.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤.
(٥) انظر: القاموس المحيط، فصل الفاء، باب الراء، ص٥٨٧.
(٦) سورة الأنعام، الآية: ٧٩.
1 / 8
خلقة (١)، والخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه، والدين (٢)، والطبيعة السليمة التي لم تُشَبْ بعيبٍ (٣)، قال الرسول ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون بها من جَدْعَاء» (٤)، ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٥).
فمن حكمة القول مع الملحدين أن يستخدم الداعية إلى اللَّه - تعالى - في دعوته لهم الأدلة الفطرية، فيوضح ويبين لهم أن المولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غَيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل؛ لآفة من آفات البشر والتقليد ... وكل مولود يولد
(١) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤.
(٢) القاموس المحيط، فصل الفاء، باب الراء، ص٥٨٧.
(٣) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤.
(٤) يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فخرج عن الأصل وهو تشبيه واقع ووجه واضح. انظر: فتح الباري، ٣/ ٢٤٩.
(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ٣/ ٢١٩، (رقم ١٣٥٨)، وأخرجه في عدة مواضع انظرها: ٣/ ٢١٩، ٢٤٩، ٨/ ٥١٢، ١١/ ٤٩٣، وأخرجه مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، ٤/ ٢٠٤٧، (رقم ٢٦٥٨).
1 / 9
على معرفة اللَّه والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (١).
والمقصود بفطرة اللَّه التي فطر الناس عليها: فطرة الإسلام (٢)، والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة؛ فإن حقيقة الإسلام هو الاستسلام للَّه وحده.
وقد ضرب رسول اللَّه ﷺ مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟».
فأوضح أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ (٣)، قال ﷺ: «إني خلقتُ عبادي كلهم حُنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ...» (٤).
وقد مثل شيخ الإسلام ابن تيمية الفطرة مع الحق بمثل يوضح ذلك، فقال: «ومثل الفطرة مع الحق مثل ضوء العين مع الشمس، وكل ذل عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٣/ ٤٥٧، وفتح الباري، ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.
(٢) وقد جزم بذلك البخاري فقال: والفطرة الإسلام. انظر: البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب لا تبديل لخلق الله، ٨/ ٥١٢.
(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٤/ ٢٤٥، وفتح الباري، ٤/ ٢٤٥.
(٤) مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ٤/ ٢١٩٧، (رقم ٢٨٦٥).
1 / 10
العارضة من: تهودٍ، وتنصرٍ، وتمجسٍ، مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس، وكذلك كل ذي حس سليم يحب الحلو، إلا أن يعرض في طبيعته فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرًّا» (١).
وليس المراد بقوله ﷺ: «يولد على الفطرة» أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين ويعتقد الإسلام بالفعل؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، وقبوله وإرادته للحق، وإقراره بالربوبية، فلو خُلّي من غير معارض ومن غير مغيِّر لما كان إلا مسلمًا ولم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه صارف، ومن ثم شُبِّهت الفطرة باللبن، فهي تستلزم معرفة اللَّه ومحبته وتوحيده (٣).
ويدل على ذلك رواية مسلم: «ما من مولو يُولَدُ إلا وهو على هذه الملة حتى يُبيِّن عنه لسانه» (٤).
(١) درء تعارض العقل والنقل، ٩/ ٣٧٥، والفتاوى لابن تيمية، ٤/ ٢٤٧.
(٢) سورة النحل، الآية: ٧٨.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٦/ ٢٠٨، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٤/ ٢٤٧، ١٦/ ٣٤٤، ٤/ ٢٤٩، وفتح الباري، ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.
(٤) مسلم، كتاب القدر، باب معنى: كل مولود يولد على الفطرة، ٤/ ٢٠٤٨، (رقم ٢٦٥٨) (٢٣).
1 / 11