هداية المسترشدين
محقق
مؤسسة النشر الإسلامي
الناشر
مؤسسة النشر الإسلامي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢١ هجري
مكان النشر
قم
معالم الدين:
فصل الفقه في اللغة: الفهم وفي الاصطلاح هو: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات كزيد مثلا، وبالصفات ككرمه وشجاعته، وبالأفعال ككتابته وخياطته.
وخرج بالشرعية غيرها كالعقلية المحضة واللغوية. وخرج بالفرعية الأصولية. وبقولنا: " عن أدلتها " علم الله سبحانه، وعلم الملائكة والأنبياء، وخرج بالتفصيلية علم المقلد في المسائل الفقهية، فإنه مأخوذ من دليل إجمالي مطرد في جميع المسائل، وذلك لأنه إذا علم أن هذا الحكم المعين قد أفتى به المفتي، وعلم أن كلما أفتى به المفتي، فهو حكم الله تعالى في حقه، يعلم بالضرورة أن ذلك الحكم المعين هو حكم الله سبحانه في حقه. وهكذا يفعل في كل حكم يرد عليه.
وقد أورد على هذا الحد: أنه إن كان المراد بالأحكام البعض لم يطرد، لدخول المقلد إذا عرف بعض الأحكام كذلك، لأنا لا نريد به العامي، بل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد. وقد يكون عالما متمكنا من تحصيل ذلك، لعلو رتبته في العلم، مع أنه ليس بفقيه في الاصطلاح.
وإن كان المراد بها الكل لم ينعكس، لخروج أكثر الفقهاء عنه، إن لم يكن كلهم، لأنهم لا يعلمون جميع الأحكام، بل بعضها أو أكثرها.
صفحة ٤٩
ثم إن الفقه أكثره من باب الظن، لابتنائه غالبا على ما هو ظني الدلالة أو السند. فكيف أطلق عليه العلم.
والجواب: أما عن سؤال الأحكام، فبأنا نختار أولا: أن المراد البعض. قولكم: " لا يطرد لدخول المقلد فيه "، قلنا: ممنوع، أما على القول بعدم تجزي الاجتهاد، فظاهر، إذ لا يتصور على هذا التقدير، انفكاك العلم ببعض الأحكام كذلك عن الاجتهاد، فلا يحصل للمقلد، وإن بلغ من العلم ما بلغ. وأما على القول بالتجزي، فالعلم المذكور داخل في الفقه، ولا ضير فيه، لصدقه عليه حقيقة وكون العالم بذلك فقيها بالنسبة إلى ذلك المعلوم اصطلاحا وإن صدق عليه عنوان التقليد بالإضافة إلى ما عداه.
ثم نختار ثانيا: أن المراد بها الكل - كما هو الظاهر، لكونها جمعا محلى باللام، ولا ريب أنه حقيقة في العموم - قولكم: " لا ينعكس لخروج أكثر الفقهاء عنه "، قلنا: ممنوع، إذ المراد بالعلم بالجميع التهيؤ له، وهو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه من المآخذ والشرائط، بأن يرجع إليه، فيحكم. وإطلاق " العلم " على مثل هذا التهيؤ شايع في العرف، فإنه يقال في العرف: " فلان يعلم النحو " مثلا، ولا يراد أن مسائله حاضرة عنده على التفصيل. وحينئذ فعدم العلم بالحكم في الحال الحاضر لا ينافيه.
واما عن سؤال الظن، فبحمل " العلم " على معناه الأعم، أعني ترجيح أحد الطرفين، وإن لم يمنع من النقيض، وحينئذ فيتناول الظن.
وهذا المعنى شايع في الاستعمال، سيما في الأحكام الشرعية.
وما يقال في الجواب أيضا - من أن الظن في طريق الحكم، لا فيه نفسه، وظنية الطريق لا تنافى علمية الحكم - فضعفه ظاهر عندنا. وأما عند المصوبة القائلين بأن كل مجتهد مصيب - كما سيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى، في بحث الاجتهاد - فله وجه. وكأنه لهم. وتبعهم فيه من لا يوافقهم على هذا الأصل، غفلة عن حقيقة الحال.
صفحة ٥٠
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعترته الأطائب الأكرمين.
قوله: * (الفقه في اللغة: الفهم) * كما نص عليه الجوهري وغيره، قال الله تعالى: " ولكن لا تفقهون تسبيحهم " (1) وخصه بعضهم بفهم غرض المتكلم من كلامه، وآخر بفهم الأشياء الدقيقة. وفي مفردات الراغب: أنه التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد.
والفهم مطلق الإدراك، ولذا فسره الجوهري بالعلم. وقيل: هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب المطالب وسرعة انتقاله من المبادئ إلى المقاصد.
والظاهر ثبوت الإطلاقين، وكأن الأول هو الأصل في معناه والثاني مأخوذ منه.
وكيف كان، فالظاهر هنا هو الأول، إذ إطلاق الفقه على الثاني بعيد جدا، وعلى فرضه فالظاهر أنه مجاز فيه، كما لا يخفى.
قوله: * (وفي الاصطلاح) * الظاهر أن ذلك من مصطلحات الفقهاء، وليس معنى شرعيا ليكون حقيقة شرعية فيه بناء على القول بثبوتها. نعم قد أطلق التفقه في الدين على معرفة أحكام
صفحة ٥١
الشرع في الآية الشريفة (1)، وكذا في الأخبار المأثورة. والظاهر أن المراد به مجرد العلم بالأحكام الشرعية، فاستعماله في الآية فيما عدا المعنى اللغوي غير معلوم، وكذا في عدة من الأخبار المسوقة سوق الآية. إلا أن الظاهر شيوع إطلاقه على خصوص المعرفة بالأحكام الشرعية بعد شيوع الاسلام في أعصار الأئمة (عليهم السلام)، غير أن استعماله في خصوص المعنى المشهور غير معلوم، فقد يكون المراد به مطلق المعرفة بالأحكام الشرعية، سواء كانت بطريق النظر أو الضرورة على وجه السماع من المعصوم أو غيره على سبيل الاجتهاد أو التقليد، كما في قوله (عليه السلام):
" الفقه ثم المتجر " (2) فإن الظاهر أن المراد به معرفة أحكام التجارة ولو بطريق التقليد، حتى أن إطلاقه على علومهم (عليهم السلام) بالمسائل الفقهية غير بعيد. وإطلاق " الفقيه " على الكاظم (عليه السلام) معروف في كلام الرواة.
وكان يطلق أيضا في الصدر الأول على علم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال ومصلحاتها وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع على نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب، نص على ذلك بعض أفاضل المتأخرين (3) وقال: إن اسم الفقه في العصر الأول إنما كان يطلق على ذلك، وجعل آية التفقه شاهدة عليه.
ويظهر من كلام بعض المحدثين كون المعنى الأول من المعاني الشرعية، ولذا ناقش في المقام في اخراج الضروريات عن الفقه بالمعنى المذكور قائلا:
بأن الاجماع على بعض الأحكام من فرق الاسلام كلها لا يخرجها عن كونها مسألة فقهية بحسب إطلاق الشرع، ألا ترى أن كثيرا من الفرعيات مما قد انعقد إجماع المسلمين عليها مع أنها دونت في الكتب، وذكروا مدارك أحكامها. ونص بأن الفقهاء لم يزعموا أن هذا الاصطلاح اخترعوه من عند أنفسهم، بل قالوا:
صفحة ٥٢
إنه مفهوم من الأخبار وكلام الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ومن تتبع كلامهم لم يختلجه شك ولا ريب في ذلك.
وأنت خبير بأن ما ادعاه في المقام غير ظاهر، أقصى الأمر إطلاق الفقه في الكتاب والأخبار على العلم بالأحكام الشرعية في الجملة، وبمجرد ذلك لا يثبت كون ذلك من المعاني الشرعية، بل يمكن حمل عدة منها - بل كلها - على المعنى اللغوي، ويكون إطلاقها على علم الشريعة من قبيل إطلاق الكلي على الفرد، وليس في كلامهم ما يفيد كون ذلك معنى شرعيا، ولا ادعوه في المقام، كيف!
والتعبير عنه بالاصطلاح - كما في الكتاب وسائر تعبيرات الأصحاب - شاهد على خلافه.
وقد احتمله المحدث المذكور في بعض رسائله وقطع به في موضع آخر، ونص على أن ذلك معنى جديد بين المجتهدين، قال: وإطلاقه المتكثر في الأخبار هو البصيرة في أمر الدين. وعلى هذا فلا وجه للمناقشة المذكورة، إذ لا مشاحة في الاصطلاح.
نعم، قد أنكر بعض فضلاء المتأخرين كون المعنى المذكور من المعاني الاصطلاحية الطارئة، لئلا يحمل عليه إطلاق الشارع، ونص على أن إطلاق الفقه والتفقه على معرفة الأحكام عن أدلتها غير عزيز في الأخبار، مشهور في الصدر السابق.
وظاهر كلامه يومئ إلى دعوى الحقيقة الشرعية فيه. ثم إنه ذكر أخبارا كثيرة ذكر فيها لفظ " الفقه " أو " التفقه " مستشهدا بها على ذلك، وليس في شئ منها صراحة في إرادة خصوص المعنى المذكور، بل المنساق من كثير منها هو المعرفة بأحكام الدين كما أشرنا إليه. ثم إنه شدد النكير على جماعة من الأعلام حيث ادعوا أن اسم الفقه في الصدر السابق إنما يطلق على علم الآخرة... إلى آخر ما مر.
قلت: إن أراد الجماعة انحصار إطلاقه المعروف في الصدر السابق في ذلك
صفحة ٥٣
فالظاهر وهنه كما أشار إليه الفاضل المذكور، وليس هناك قرينة على إطلاقه في آية التفقه على ذلك كما ادعاه بعضهم. وإن أرادوا أنه كان إطلاقا معروفا في ذلك العصر في الجملة فليس بالبعيد، وفي غير واحد من الأخبار شهادة عليه، كقوله (عليه السلام): " لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله تعالى، وحتى يرى للقرآن وجوها كثيرة، ثم يقبل على نفسه، فيكون لها أشد مقتا " (1).
وكيف كان، فثبوت الحقيقة الشرعية في أحد المعاني المذكورة غير معلوم حتى يتعين حمل إطلاق الكتاب والأخبار عليه، بل واستعماله في خصوص المعنى المصطلح غير معلوم أيضا. نعم قد يستظهر إطلاقه عليه من بعض الروايات.
ثم إنه بعد انتشار علم الفقه وتدوينه في الكتب في عصر الصادقين (عليهما السلام) لا يبعد القول بحصول النقل في الجملة.
ثم إنه قد فرع المحدث المتقدم على ما مر ذكره مسألة النذر والوصية فيما لو نذر أو أوصى لمن تكلم في مسألة فقهية، فإن قلنا بخروج الضروريات عن الفقه لم يثبت ذلك لمن تكلم في إحدى تلك المسائل، وإلا ثبت له ذلك.
وفيه: أن الإطلاقات العرفية إنما تنصرف إلى معانيها المتداولة في المحاورات الجارية دون الاصطلاحات العلمية، سواء كانت مأخوذة عن الأئمة (عليهم السلام) أو لا، وإنما يتم ما ذكره على فرض اتحاد معناه الاصطلاحي والمعنى العرفي الشائع بين الناس، لكنه محل تأمل.
قوله: * (هو العلم بالأحكام) * قد شاع إطلاق العلم على أمور: خصوص التصديق اليقيني، ومطلق الإدراك الشامل له وللتصور، ونفس المسائل المبينة في العلوم، أي: المعلومات بالعلوم التصديقية وهي النسب التامة المغايرة للتصديقات بالاعتبار - كما بين في محله - وعلى الملكة التي يقتدر بها على استنباط المسائل.
ويطلق الحكم على التصديق، وعلى النسبة التامة الخبرية، وعلى خطاب الله
صفحة ٥٤
المتعلق بأفعال المكلفين، وعلى ما يعم الأحكام الخمسة الشرعية، وعلى ما يعمها والوضعية التي منها: السببية والشرطية والمانعية والصحة والبطلان، وإذا لوحظت وجوه العلم مع وجوه الأحكام ارتقى الاحتمالات إلى عشرين، والصحيح منها وجوه عديدة.
وتوضيح الحال: أن الأول والثاني من وجوه العلم لا مانع من إرادته في المقام، وأما الثالث فلا يرتبط بالأحكام، وأما الرابع فهو وإن صح ارتباطه بالأحكام إلا أنه لا يلائم الظرف الواقع بعده، إذ الملكة إنما تحصل من المزاولة والممارسة، ولا تحصل من الأدلة التفصيلية. ويمكن أن يصحح ذلك بجعل الظرف من متعلقات الأحكام أو التصديق المتعلق للملكة المذكورة حسبما يأتي الإشارة إليه.
وأما وجوه الأحكام فلا يصح إرادة الأول منها في المقام، إذ لا يرتبط به العلم بأحد المعاني المذكورة، ضرورة أنه لا محصل للتصديق بالتصديقات ولا لملكة التصديق بالتصديقات، وكذا لو أريد به مطلق الإدراك أو ملكته، على أن مرجعه إلى التصديق .
فما ذكره المحقق الشريف وتبعه بعض الأفاضل من تفسير الأحكام بالتصديقات ليس على ما ينبغي. ويمكن تصحيحه بحمل " العلم " على مطلق الملكة المجردة عن التصديق، فيصح تعلقه بالتصديقات.
ويبعده: أن المعروف في حمل " العلم " على الملكة هو إرادة ملكة العلم منه تنزيلا للقوة القريبة منزلة الفعل، لا الملكة المطلقة ليعلم تعلقها بالعلم من متعلقها، إلا أن الظاهر أن إطلاق " العلم " على مجرد الملكة وارد في الاستعمالات أيضا، كما يقال: فلان عالم بالصياغة أو الحياكة أو النجارة (1)، ويراد به حصول تلك الملكة له، فالظاهر صحة إطلاقه عليها، سيما إذا كان ما أطلق عليه من ملكات
صفحة ٥٥
العلوم وإن كان بعيدا عن ظاهر الإطلاق، فحينئذ يتعين أن يكون الظرف من متعلقات الأحكام.
فما ذكراه من تعلق الظرف بالعلم غير متجه، وكأنهما أرادا بالتصديق المصدق به، لشيوع إطلاقه عليه، فيرجع إلى الوجه الآتي.
وكيف كان، فالوجه المذكور وإن أمكن تصحيحه إلا أن فيه من التعسف والركاكة ما لا يخفى.
وأما الثاني فهو أظهر الوجوه في المقام، وعدم كونه من مصطلحات الأصوليين والفقهاء لا يبعد الحمل عليه، سيما قبل بيان الاصطلاح، مضافا إلى قيام بعض الشواهد المبعدة للحمل على المصطلح، كما ستعرف.
وأما الثالث فلا يصح إرادته في المقام، إذ ليس العلم بنفس الخطابات فقها، سواء فسر الخطاب بتوجيه الكلام نحو الغير أو الكلام الموجه نحوه، وأيضا لا معنى لتعلق الأدلة بها، إذ من جملة الأدلة الكتاب والسنة وهما عين الخطاب على الثاني، فيتحد المدلول والدليل، وقد وقع الخطاب بهما على الأول فلا يكونان دليلين عليه.
وقد أجاب الأشاعرة عن ذلك - بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالكلام النفسي - بحمل الأحكام على الخطابات النفسية وما عد في الأدلة من اللفظية، فجعلوا الثانية أدلة على الأولى.
وأورد عليه بعض أفاضل العصر: بأن الكلام اللفظي حينئذ كاشف عن المدعى لا أنه مثبت للدعوى، فلا يكون دليلا عليه بحسب الاصطلاح.
ويدفعه: أنه إنما يتم لو فسر الكلام النفسي بمدلول الكلام اللفظي، أعني نفس ما دل عليه اللفظ من حيث إنه مدلوله، إذ من الواضح عدم كون اللفظ دليلا على معناه في الاصطلاح وإن كان دالا عليه.
وأما إذا فسر بالكلام القائم بالذات الأزلية المدلول عليه بالخطاب اللفظي - كما هو الظاهر من مذهبهم حيث يذهبون إلى كونه من الصفات القديمة -
صفحة ٥٦
فالخطاب اللفظي دليل عليه بحسب الاصطلاح، إذ كما يدل اللفظ على مدلوله الخارجي يدل على كونه مطابقا لما في نفس المتكلم، فينتظم في المقام قياس بهذه الصورة: هذا ما دل الخطاب اللفظي على قيامه بالذات الأزلية، وكل ما دل عليه خطابه اللفظي فهو مطابق للحقيقة، فينتج أن خطابه النفسي هو ذلك.
وقد علل (رحمه الله) في الحاشية عدم كون الخطاب اللفظي دليلا على الخطاب النفسي بحسب الاصطلاح بأنه: لابد في الدليل الاصطلاحي من تصور المدلول قبل الدليل والعلم به على سبيل الاجمال، وهو غير حاصل في المقام، إذ الخطابات النفسية إنما تعلم بعد ملاحظة الخطابات اللفظية من غير علم بها قبل ذلك أصلا لا إجمالا ولا تفصيلا.
وأنت خبير بعدم وضوح ما ذكره من الدعويين، إذ لا يلزم تقدم العلم الاجمالي بالمدلول على الدليل مطلقا حتى يكون ذلك من لوازم الدليل بالمعنى المصطلح، بل قد يكون العلم به مطلقا متأخرا عن الدليل، كما إذا حصل الانتقال إلى النار بعد ملاحظة الدخان، غاية الأمر أنه مسبوق في المثال بمعرفة الملازمة بين مطلق الدخان والنار وهو شئ آخر.
نعم، ما ذكره (رحمه الله) من لوازم الاستدلال، وأيضا لا مانع من تقدم العلم بالخطابات النفسية إجمالا على معرفة الخطابات اللفظية التفصيلية، كيف! وثبوت الأحكام على سبيل الاجمال من ضروريات الدين، كما أشار إليه في الجواب المختار عنده، وذلك عندهم هو العلم بالخطابات النفسية على الاجمال، وهو متقدم في المعرفة على العلم بالخطابات اللفظية، وهو ظاهر.
هذا، وقد أجاب الفاضل المذكور عن أصل الإيراد بحمل الأحكام على الأحكام الإجمالية التي دلت على ثبوتها الضرورة، قال: والمراد من الأدلة الخطابات التفصيلية، فيكون الفرق بين المدلول والدليل بالإجمال والتفصيل.
قلت: وأنت خبير بما فيه ، إذ لا محصل لما ذكره من التفرقة، فإن من البين أن المجهول في المقام إنما هي الخطابات التفصيلية وهي التي يتوقف إثباتها على
صفحة ٥٧
الأدلة، والمفروض في الحد المذكور كون الدليل عليها هي الخطابات التفصيلية التي هي عين ذلك المدلول المجهول، فالمحذور المذكور على حاله واعتبار العلم بها إجمالا لا يفيد شيئا في المقام. وليس العلم بها على سبيل الاجمال حاصلا من تلك الخطابات التفصيلية حتى يصح الفرق بين المدلول والدليل بالإجمال والتفصيل، بل العلم الاجمالي الحاصل في المقام على نحو سائر العلوم الإجمالية المتعلقة بالنتائج عند طلب الدليل عليها، ومن البين أنه ليس التفصيل الحاصل من الدليل دليلا على ذلك المعلوم الاجمالي، بل هو عين المجهول المعلوم على جهة الاجمال الحاصل من الدليل القائم عليه، على أنه من الواضح أن العلم بتلك الخطابات على سبيل الاجمال ليس من الفقه في شئ، فلا يصح تحديده به.
ثم إن ما ذكرناه على فرض حمل الخطاب في الحد المشهور للحكم على ظاهر معناه، وأما إن أول بما يجعل جامعا بين الأحكام الخمسة الشرعية والوضعية - كما هو ظاهر كلامهم في ذلك المقام حيث جعلوه مقسما لتلك الأحكام - رجع إلى المعنى الخامس، ولا يتوجه عليه شئ من الإيرادين المذكورين.
وأما الرابع فبعد تسليم شيوع إطلاق الحكم عليه بخصوصه لا يتجه إرادته في المقام، لخروج معظم مسائل الفقه عنه، كبيان شرائط العبادات وموانعها وأسباب وجوبها والبحث عن الصحة والفساد الذي هو المقصود الأهم في قسم المعاملات.
والتزام الاستطراد في جميعها أو كون البحث عنها من جهة الأحكام التكليفية التابعة لها - ولذا قيل بانحصار الأحكام في الخمسة الشرعية وإرجاع الوضعية إليها - كما ترى! نعم يتم ذلك على القول بانحصار الأحكام في التكليفية وإرجاع الوضعية إليها، وحينئذ فلا مانع من حملها على ذلك، إلا أن البناء على ذلك غير متجه، كما قرر في محله.
وأما الخامس فلا مانع من إرادته في المقام، إلا أنه إن فسر بالصفات الخاصة المحمولة - كما هو الظاهر من ملاحظة حدود الأحكام الشرعية - لم يمكن تعلق
صفحة ٥٨