حاشية السندي على سنن النسائي
الناشر
مكتب المطبوعات الإسلامية
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٠٦ هجري
مكان النشر
حلب
[كتاب الطهارة]
(تَأْوِيل قَوْله ﷿ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم الْآيَة)
يُرِيد رَحمَه الله تَعَالَى أَن تَمام مَا يذكر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي هَذَا الْكتاب بِمَنْزِلَة بَاب الطَّهَارَة أَو كتاب الطَّهَارَة فِي غَيره وَتَمام الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة فِي الطَّهَارَة دَاخِلَة فِي هَذِه التَّرْجَمَة وَأما مَا ذكر فِيهَا من الحَدِيث فَأَما أَن مُرَاده بذلك التَّنْبِيه أَن الطَّهَارَة تبدأ بِغسْل الْيَدَيْنِ كَمَا ذكره الْفُقَهَاء فَإِنَّهُم عدوا الْبدَاءَة بِالْغسْلِ الْمَذْكُور من سنَن الْوضُوء وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِهَذَا الحَدِيث وَغَيره لَكِن فِي دلَالَة هَذَا الحَدِيث عَلَيْهِ بحث ظَاهر إِذْ سوق الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ لافادة ابْتِدَاء الْوضُوء بِغسْل الْيَدَيْنِ لَا مُطلقًا وَلَا مُقَيّدا بِوضُوء يكون بعد الْقيام من النّوم إِذْ لَا دلَالَة لَهُ على كَون الْغسْل للْوُضُوء ليَقَع بداءته بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لافادة منع إِدْخَال الْيَدَيْنِ فِي المَاء إِذا لم تكن طهارتهما مَعْلُومَة أَو إِذا كَانَت نجاستهما مشكوكة قبل غسلهمَا ثَلَاثًا وَلَا دلَالَة لذَلِك على أَن الْوضُوء يبْدَأ بِمَاذَا نعم فِي الْبَاب أَحَادِيث أخر تدل على أَن الْوضُوء يبْدَأ بِغسْل الْيَدَيْنِ وَلَو كَانَتَا طاهرتين جزما كَمَا فِي
1 / 1
الْوضُوء على الْوضُوء مثلا وَأما مُرَاده بالتبعية على أَن المَاء الْمَطْلُوب للْوُضُوء يَنْبَغِي أَن يكون خَالِيا من شُبْهَة النَّجَاسَة فضلا عَن تحققها وَهَذَا أقرب إِلَى الحَدِيث وان كَانَ الأول هُوَ الْمَشْهُور بَين الْفُقَهَاء وَالله تَعَالَى أعلم
[١] قَوْله إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه الظَّاهِر أَن الْمَقْصُود إِذا شكّ أحدكُم فِي يَدَيْهِ مُطلقًا سَوَاء كَانَ لأجل الاستيقاظ من النّوم أَو لأمر آخر الا أَنه فرض الْكَلَام فِي جزئي وَاقع بَينهم على كَثْرَة ليَكُون بَيَان الحكم فِيهِ بَيَانا فِي الكلى بِدلَالَة الْعقل فَفِيهِ احالة للْأَحْكَام إِلَى الاستنباط ونوطه بالعلل فَقَالُوا فِي بَيَان سَبَب الحَدِيث أَن أهل الْحجاز كَانُوا يستنجون بِالْحِجَارَةِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَن حَالَة النّوم أَن تَطوف يَده على ذَلِك الْموضع النَّجس فنهاهم عَن إِدْخَال يَده فِي المَاء فَلَا يغمس بِالتَّخْفِيفِ من بَاب ضرب هُوَ الْمَشْهُور وَيحْتَمل أَن يكون بِالتَّشْدِيدِ من بَاب التفعيل أَي فَلَا يدْخل فِي وضوئِهِ بِفَتْح الْوَاو أَي المَاء الْمعد للْوُضُوء وَفِي رِوَايَة فِي الْإِنَاء أَي الظّرْف الَّذِي فِيهِ المَاء أَو غَيره من الْمَائِعَات قَالُوا هُوَ نهي أدب وَتَركه اساءة وَلَا يفْسد المَاء وَجعله أَحْمد للتَّحْرِيم وَقَوله حَتَّى يغسلهَا أَي
1 / 7
ندبا بِشَهَادَة التَّعْلِيل بقوله لِأَن أحدكُم لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده لِأَن غَايَته الشَّك فِي نَجَاسَة الْيَدَيْنِ وَالْوُجُوب لَا يَبْنِي على الشَّك وَعند أَحْمد وجوبا وَلَا يبعد من الشَّارِع الْإِيجَاب لرفع الشَّك وَفِي الحَدِيث دلَالَة على أَن الْإِنْسَان يَنْبَغِي لَهُ الِاحْتِيَاط فِي مَاء الْوضُوء وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن المَاء الْقَلِيل يَتَنَجَّس بِوُقُوع النَّجَاسَة وان لم يتَغَيَّر أحد أَوْصَافه وَفِيه أَنه يجوز أَن يكون النَّهْي لاحْتِمَال الْكَرَاهَة لَا لاحْتِمَال النَّجَاسَة وَيجوز أَن يُقَال الْوضُوء بِمَا وَقع فِيهِ النَّجَاسَة مَكْرُوه فجَاء النَّهْي عِنْد الشَّك فِي النَّجَاسَة تَحَرُّزًا عَن الْوُقُوع فِي هَذِه الْكَرَاهَة على تَقْدِير النَّجَاسَة وَأَيْضًا يُمكن أَن يكون النَّهْي بِنَاء على احْتِمَال أَن يتَغَيَّر المَاء بِمَا على الْيَد من النَّجَاسَة فيتنجس فَمن أَيْن علم أَنه يَتَنَجَّس المَاء بِوُقُوع النَّجَاسَة مُطلقًا وَالله تَعَالَى أعلم وَيُؤْخَذ من هَذَا الحَدِيث أَن النَّجَاسَة الْغَيْر المرئية يغسل محلهَا لازالتها ثَلَاث مَرَّات إِذْ مَا شرع ثَلَاث مَرَّات عِنْد توهمها الا لأجل أزالتها فَعلم أَن ازالتها تتَوَقَّف على ذَلِك وَلَا يكون بِمرَّة وَاحِدَة إِذْ يبعد أَن ازالتها عِنْد تحققها بِمرَّة ويشرع عِنْد توهمها ثَلَاث مَرَّات لازالتها وَالله تَعَالَى أعلم
قَوْله
[٢] يشوص فَاه بِالسِّوَاكِ بِفَتْح الْيَاء وَضم الشين الْمُعْجَمَة وبالصاد الْمُهْملَة أَي يدلك الْأَسْنَان بِالسِّوَاكِ عرضا قَوْله
1 / 8
[٣] وَهُوَ يستن الِاسْتِنَانُ اسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْأَسْنَانِ أَيْ يُمِرُّهُ عَلَيْهَا وَطَرَفُ السِّوَاكِ بِفَتْحِ الرَّاءِ عأعأ بِتَقْدِيم الْعين الْمَفْتُوحَة عَلَى الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أُعْ أُعْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ عَلَى الْعَيْنِ السَّاكِنَةِ وَفِي رِوَايَة أَخ بِكَسْر همزَة وخاء مُعْجمَة وَإِنَّمَا اخْتلفت الروَاة لتقارب مخارج هَذِه الْحُرُوف وَكلهَا ترجع إِلَى حِكَايَة صَوته ﷺ إِذا جعل السِّوَاك على طرف اللِّسَان يستاك إِلَى فَوْقِ بَاب هَلْ يَسْتَاكُ الْإِمَامُ بِحَضْرَةِ رَعيته كَأَنَّهُ أَشَارَ بِخُصُوص التَّرْجَمَة بالامام إِلَى أَن الاستياك بِحَضْرَة الْغَيْر يَنْبَغِي أَن يكون مَخْصُوصًا بِمن
1 / 9
لَا يكون ذَاك مستقذرا مِنْهُ لكَونه إِمَامًا وَنَحْوه وَالله تَعَالَى أعلم
قَوْله
[٤] سَأَلَ الْعَمَل أَي طلب كل مِنْهُمَا من النَّبِي ﷺ أَن يَجعله عَاملا على طرف قلت أَي اعتذارا عَن دخولهما مَعَه مَعَ كَونهمَا جَاءَا لطلب الْعَمَل تَحت شفته أَي حَال كَون السِّوَاك ثَابتا تَحت شفته قلصت أَي حَال كَون الشّفة قد ارْتَفَعت بِوَضْع السِّوَاك تحتهَا
قَوْله
[٥] مطهرة للفم بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا لُغَتَانِ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ وَهُوَ كُلُّ آلَةٍ يُتَطَهَّرُ بِهَا شُبِّهَ السِّوَاكُ بِهَا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْفَمَ وَالطَّهَارَةُ النَّظَافَة ذكره النَّوَوِيّ قلت لَا حَاجَة إِلَى اعْتِبَار التَّشْبِيه لِأَن السِّوَاك بِكَسْر السِّين اسْم للعود الَّذِي يدلك بِهِ الْأَسْنَان وَلَا شكّ فِي كَونه آلَة لطهارة الْفَم بِمَعْنى نظافته ومرضاة بِفَتْح مِيم وَسُكُون رَاء وَالْمرَاد أَنه آلَة لرضا الله تَعَالَى بِاعْتِبَار أَن اسْتِعْمَاله سَبَب لذَلِك وَقيل مطهرة ومرضاة بِفَتْح مِيم كل مِنْهُمَا مصدر بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل أَي
1 / 10
مطهر للفم وَمرض للرب تَعَالَى أَو هما باقيان على المصدرية أَي سَبَب للطَّهَارَة وَالرِّضَا وَجَاز أَن يكون مرضاة بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي مرضِي للرب انْتهى قلت وَالْمُنَاسِب بِهَذَا الْمَعْنى أَن يُرَاد بِالسِّوَاكِ اسْتِعْمَال الْعود لَا نفس الْعود أما على مَا قيل أَن اسْم السِّوَاك قد يسْتَعْمل بِمَعْنى اسْتِعْمَال الْعود أَيْضا أَو على تَقْدِير الْمُضَاف ثمَّ لَا يخفى أَن الْمصدر إِذا كَانَ بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل يكون بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل من ذَلِك الْمصدر لَا من غَيره فَيَنْبَغِي أَن يكون هَا هُنَا مطهرة ومرضاة بِمَعْنى طَاهِر وراض لَا بِمَعْنى مطهر وَمرض وَلَا معنى لذَلِك فَلْيتَأَمَّل ثمَّ الْمَقْصُود فِي الحَدِيث التَّرْغِيب فِي اسْتِعْمَال السِّوَاك وَهَذَا ظَاهر قَوْله بْنُ الْحَبْحَابِ بِحَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ الأولى سَاكِنة قَوْله قد أكثرت عَلَيْكُم أَي بالغت فِي تَكْرِير طلبه
1 / 11
مِنْكُم وَفِي هَذَا الاخبار ترغيب فِيهِ وَهَذَا بِمَنْزِلَة التَّأْكِيد لما سبق من التكرير لمن علم بِهِ سَابِقًا وبمنزلة التكرير والتأكيد جَمِيعًا لمن لم يعلم بِهِ وَفِي بعض النّسخ قد أَكثرْتُم عَليّ فِي السِّوَاك وَهَذَا يَقْتَضِي أَنهم طلبُوا مِنْهُ إِيجَابه أَو تخفيفه بِأَن يرفع تَأَكد نَدبه عَنْهُم أوأنهم عدوا مَا قَالَه فِي شَأْنه كثيرا فَقَالَ لَهُم ذَلِك إنكارا عَلَيْهِم ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم
قَوْله
[٧] لَوْلَا أَن أشق أَي لَوْلَا خوف أَن أشق فَلَا يرد أَن لَوْلَا لانْتِفَاء الشَّيْء لوُجُود غَيره وَلَا وجود للْمَشَقَّة هَا هُنَا لأمرتهم أَي أَمر إِيجَاب والا فالندب ثَابت وَفِيه دلَالَة على أَن مُطلق الْأَمر للآيجاب بِالسِّوَاكِ أَي بِاسْتِعْمَالِهِ لِأَن السِّوَاك هُوَ الْآلَة وَقيل أَنه يُطلق على الْفِعْل أَيْضا فَلَا تَقْدِير كَذَا ذكره الْحَافِظ بن حجر فِي الْفَتْح وَفِيه دلَالَة على أَنه لَا مَانع من إِيجَاب السِّوَاك عِنْد كل صَلَاة الا مَا يخَاف من لُزُوم الْمَشَقَّة على النَّاس وَيلْزم مِنْهُ أَن يكون الصَّوْم غير مَانع من ذَلِك وَمِنْه يُؤْخَذ مَا ذكره المُصَنّف من التَّرْجَمَة وَلَا يخفى أَن هَذَا من المُصَنّف استنباط دَقِيق وتيقظ عَجِيب فَللَّه دره مَا أدق وَأحد فهمه قَوْله
1 / 12
[٨] قَالَت بِالسِّوَاكِ وَلَا يخفى أَن دُخُوله الْبَيْت لَا يخْتَص بِوَقْت دون وَقت فَكَذَا السِّوَاك وَلَعَلَّه إِذا انْقَطع عَن النَّاس للوحي وَقيل كَانَ ذَلِك لاشتغاله بِالصَّلَاةِ النَّافِلَة فِي الْبَيْت وَقيل غير ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم قَوْله
1 / 13
[٩] الْفطْرَة خمس الْفطْرَة بِكَسْر الْفَاء بِمَعْنى الْخلقَة وَالْمرَاد هَا هُنَا هِيَ السّنة الْقَدِيمَة الَّتِي اخْتَارَهَا الله تَعَالَى للأنبياء فَكَأَنَّهَا أَمر جبلي فطروا عَلَيْهَا وَلَيْسَ المُرَاد الْحصْر فقد جَاءَ عشر من الْفطْرَة فَالْحَدِيث من أَدِلَّة أَن مَفْهُوم الْعدَد غير مُعْتَبر والاستحداد اسْتِعْمَال الحديدة فِي الْعَانَة وَفِي هَذَا الحَدِيث قصّ الشَّارِب وَجَاء فِي بعض الرِّوَايَات
1 / 14
حلق وَفِي الْبَعْض أَخذ الشَّارِب وَقد اخْتَار كثير القص وحملوا الْحلق وَغَيره عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى أعلم
قَوْله
[١٣] فَلَيْسَ منا أَي من أهل طريقتنا المقتدين بسنتنا المهتدين بهدينا وَلم يرد خُرُوجه من الْإِسْلَام نعم سوق الْكَلَام على هَذَا الْوَجْه يُفِيد التَّغْلِيظ وَالتَّشْدِيد فَلَا يَنْبَغِي الاهمال قَوْله وَقت من التَّوْقِيت أَي عَن وحدد ومفاد الحَدِيث أَن أَرْبَعِينَ أَكثر الْمدَّة وَقيل الأولى أَن يكون من جُمُعَة إِلَى جُمُعَة قَوْله
1 / 15