حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
الناشر
دار الفكر
الإصدار
الأولى
مكان النشر
بيروت
[مُقَدِّمَة]
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم
ــ
[حاشية الدسوقي]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَمَّلَ ذَوِي الْأَحْلَامِ بِمَعْرِفَتِهِمْ عِلْمَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَهَدَاهُمْ لِاسْتِخْرَاجِ دُرَرِ الْأَحْكَامِ فَاسْتَخْرَجُوهَا مِنْ بَحْرِهَا وَأَوْدَعُوهَا كَنْزَهَا بِدَقَائِق الْأَفْهَامِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ أَتَى بِالْكَلَامِ الْحَسَنِ وَاخْتُصِرَ لَهُ الْكَلَامُ. وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْحَافِظِينَ لِشَرِيعَتِهِ مِنْ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَى مَمَرِّ السِّنِينَ وَالْأَيَّامِ.
(وَبَعْدُ) فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ هَذِهِ تَقْيِيدَاتٌ عَلَى شَرْحِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ مُفِيدِ الطَّالِبِينَ وَمُرَبِّي الْمُرِيدِينَ الْمَرْحُومِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ الْعَدَوِيِّ لِمُخْتَصَرِ الْعَلَّامَةِ أَبِي الضِّيَاءِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامِ الْأَئِمَّةِ وَنَجْمِ السُّنَّةِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ اقْتَبَسَهَا مِنْ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ مُشِيرًا بِمَا صُورَتُهُ (بْن) لِلْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الْبُنَانِيِّ مُحَشِّي الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَبِمَا صُورَتُهُ (طفى) لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيِّ مُحَشِّي التَّتَّائِيِّ وَبِمَا صُورَتُهُ (ح) لِلْعَلَّامَةِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الْحَطَّابِ. وَحَيْثُ قُلْت: شَيْخُنَا فَالْمُرَادُ بِهِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الصَّعِيدِيُّ الْعَدَوِيُّ مُحَشِّي الْخَرَشِيِّ وَصَاحِبُ التَّآلِيفِ الشَّرِيفَةِ وَالتَّحْقِيقَاتِ الْمُنِيفَةِ وَحَيْثُ ذَكَرْتُ (عبق) فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي الزَّرْقَانِيُّ وَحَيْثُ ذَكَرْتُ (شب) فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الشَّبْرَخِيتِيُّ وَحَيْثُ ذَكَرْت (خش) فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَلَّامَةُ عِيسَى مُحَمَّدٌ الْخَرَشِيُّ وَحَيْثُ ذَكَرْت (مج) فَالْمُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرُ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِتَمَامِهَا وَالنَّفْعَ بِهَا كَالنَّفْعِ بِأَصْلِهَا وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
1 / 2
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الدسوقي]
(قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لَا بَأْسَ بِالتَّكَلُّمِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْفَنُّ الْمَشْرُوعُ فِيهِ الْمُؤَلَّفُ فِيهِ هَذَا الْكِتَابُ.
فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْفَنِّ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْهَا مِنْ جِهَةِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَحُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: إنَّ حُكْمَ الْبَسْمَلَةِ الْأَصْلِيَّ النَّدْبُ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَذْكَارِ أَنْ تَكُونَ مَنْدُوبَةً وَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا فِي أَوَائِلِ ذَوَاتِ الْبَالِ وَلَوْ شِعْرًا كَمَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ح وَحَكَى الْخِلَافَ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَحَمَلَهُ عَلَى شِعْرِ غَيْرِ الْعِلْمِ وَالْوَعْظِ ثُمَّ قَدْ تَعْرِضُ لَهَا الْكَرَاهَةُ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعِنْدَ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ كَشَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ وَتَحْرُمُ إذَا أَتَى بِهَا الْجُنُبُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَا عَلَى أَنَّهَا ذِكْرٌ بِقَصْدِ التَّحَصُّنِ وَكَذَا تَحْرُمُ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْحَرَامِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَقِيلَ بِكَرَاهَتِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ وَتَحْرُمُ فِي ابْتِدَاءِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ وَقَالَ الرَّمْلِيُّ بِالْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا فِي أَثْنَائِهَا فَتُكْرَهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَتُنْدَبُ عِنْدَ الثَّانِي وَلَمْ أَرَ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا شَيْئًا فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهَا حَالَةُ وُجُوبٍ
1 / 3
الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي فَضْل عُلَمَاء الشَّرِيعَة عَلَى مِنْ سِوَاهُمْ وَجَعَلَهُمْ مَلْجَأ لِعِبَادِهِ فِي الدَّارَيْنِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
إلَّا بِالنَّذْرِ وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْبَسْمَلَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الذَّكَاةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْوَاجِبُ مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ لَا خُصُوصُ الْبَسْمَلَةِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ
بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ رَابِعِ النَّحْرِ وَمَنْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ لَا يَجِبُ أَنْ يُوفِيَ بِذَلِكَ النَّذْرِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ وَالظَّاهِرُ اللُّزُومُ خُصُوصًا وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُلَاحَظٍ بِالنَّذْرِ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ وَإِلَّا كَانَتْ وَاجِبَةً قَوْلًا وَاحِدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُبَاحَةً؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِهَا أَنَّهَا ذِكْرٌ، وَأَقَلَّ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَجَازَتْ كَتَعَوُّذٍ بِنَفْلٍ الْمُوهِمُ لِذَلِكَ وَقَوْلُ الشَّاطِبِيِّ (وَفِي الْإِجْزَاءِ خَيْرُ مَنْ تَلَا) الْمُرَادُ بِهِ عَدَمُ تَأَكُّدِ الطَّلَبِ وَنَفْيُ الْكَرَاهَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ أَصْلَ النَّدْبِ ثَابِتٌ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَهَا حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا ثَوَابَ لَهُ بَعِيدٌ جِدًّا
(قَوْلُهُ: الَّذِي) نَعْتٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَوْصُولَ وَصِلَتَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْتَقِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُفَضِّلِ لِعُلَمَاء الشَّرِيعَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ التَّعْبِيرِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ لِلْمَوْصُولِ مَعَ أَنَّ الْمُشْتَقَّ أَخْصَرُ؛ لِأَنَّ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَأَسْمَائِهِ تَوْقِيفِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ إلَّا مَا وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ إطْلَاقُهُ وَلَمْ يَرِدْ إطْلَاقُ الْمُفَضِّلِ عَلَيْهِ فَلِذَا تُوُصِّلَ بِالْمَوْصُولِ لِوَصْفِهِ بِصِلَتِهِ.
وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الْمَوْصُولَ وَصِلَتَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْتَقِّ وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ وَصِفَتَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْحَمْدَ الْوَاقِعَ مِنْ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ لَا أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَةِ ذَاتِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ
(قَوْلُهُ: الشَّرِيعَةِ) الْمُرَادُ بِهَا الْأَحْكَامُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُمْ بِمَعْنَى النِّسَبِ وَهِيَ كَمَا تُسَمَّى شَرِيعَةً بِاعْتِبَارِ تَشْرِيعِ الشَّارِعِ لَهَا تُسَمَّى أَيْضًا مِلَّةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تُمْلَى لِتُكْتَبَ وَتُسَمَّى أَيْضًا دِينًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُتَدَيَّنُ وَيُتَعَبَّدُ بِهَا وَالْمُرَادُ بِعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ الْعُلَمَاءُ الْمُزَاوِلُونَ لَهَا تَقْرِيرًا وَاسْتِنْبَاطًا وَإِفَادَةً (قَوْلُهُ: عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) أَيْ عَلَى مَنْ كَانَ مُغَايِرًا لَهُمْ: أَيْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ عُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ أَفْضَلَ وَأَشْرَفَ مِمَّنْ كَانَ مُغَايِرًا لَهُمْ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ سِوَى بِمَعْنَى غَيْرَ وَقَالَ غَيْرُهُ أَنَّهَا اسْمُ مَكَان وَفِي هَذَا بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ
(قَوْلُهُ: فِي الدَّارَيْنِ) أَيْ
1 / 4
وَاجْتَبَاهُمْ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْأَعْظَمِ وَالرَّسُولِ الْأَكْرَمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى سَائِرِ إخْوَانِهِ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَآلِ كُلٍّ وَالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَلَى سَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ خُصُوصًا الْأَرْبَعَةَ الْمُجْتَهَدِينَ وَمُقَلِّدِيهِمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ (أَمَّا بَعْدُ) فَيَقُولُ أَفْقَرُ الْعِبَادِ إلَى مَوْلَاهُ الْقَدِيرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرْدِيرِ: هَذَا شَرْحٌ مُخْتَصَرٌ عَلَى الْمُخْتَصَرِ لِلْإِمَامِ الْجَلِيلِ الْعَلَّامَةِ أَبِي الضِّيَاءِ سَيِّدِي خَلِيلٍ اقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى فَتْحِ مُغْلَقِهِ وَتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
يَلْجَئُونَ لَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمَّا لُجُوءُهُمْ إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالنَّظَرِ لِشَفَاعَتِهِمْ لَهُمْ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَالْمَنَازِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهِ ﷺ وَقِيلَ لِتَعْلِيمِهِمْ إيَّاهُمْ كَيْفِيَّةَ التَّمَنِّي عَلَى اللَّهِ ﷿ (قَوْلُهُ: وَاجْتَبَاهُمْ) أَيْ وَاخْتَارَهُمْ فِي أَزَلِهِ لِذَلِكَ عَمَّنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ
(قَوْلُهُ: الْأَعْظَمِ) أَيْ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ (قَوْلُهُ: الْأَكْرَمِ) أَيْ مِنْ كُلِّ كَرِيمٍ (قَوْلُهُ: وَعَلَى سَائِرِ إلَخْ) أَيْ بَاقِي مِنْ السُّؤْرِ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ أَوْ أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى جَمِيعِ أَخْذًا لَهُ مِنْ سُورِ الْبَلَدِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِهَا (قَوْلُهُ: وَآلِ كُلٍّ) أَيْ وَعَلَى آلِ كُلٍّ أَيْ أَتْبَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ الْمُرْسَلِينَ، وَقَوْلُهُ وَالْقَرَابَةِ أَيْ قَرَابَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْ أَقَارِبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ وَالتَّابِعِينَ أَيْ لِلصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُ: وَعَلَى سَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَيْ بَاقِيهِمْ فَهُوَ عَطْفٌ مُغَايِرٌ أَوْ جَمِيعِهِمْ فَيَكُونُ عَطْفَ عَامٍّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَائِرَ قِيلَ: إنَّهَا بِمَعْنَى بَاقٍ وَقِيلَ بِمَعْنَى جَمِيعٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَالِحٌ هُنَا (قَوْلُهُ: خُصُوصًا) مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفِ أَيْ أَخُصُّ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ بَعْدَ مَنْ تَقَدَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْمُجْتَهِدِينَ خُصُوصًا (قَوْلُهُ: إلَى يَوْمِ الدِّينِ) أَيْ الْجَزَاءِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ لِوُقُوعِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ فِيهِ ثُمَّ إنَّ الْغَايَةَ إنْ جُعِلَتْ رَاجِعَةً لِلْمُقَلِّدِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ وَالْمَعْنَى وَمُقَلِّدِيهِمْ حَالَةَ كَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ طَائِفَةً بَعْدَ طَائِفَةٍ إلَى قُرْبِ يَوْمِ الدِّينِ؛ لِأَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ إلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ الْكُفَّارِ وَإِنْ جُعِلَتْ رَاجِعَةً لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ التَّأْبِيدِ أَيْ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ حَالَةَ كَوْنِهَا مُسْتَمِرَّةً إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ ذِكْرِ الْغَايَةِ وَإِرَادَةِ التَّأْبِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ
إذَا غَابَ عَنْكُمْ أَسْوَدُ الْعَيْنِ كُنْتُمْ ... كِرَامًا وَأَنْتُمْ مَا أَقَامَ أَلَائِمُ
(قَوْلُهُ: أَفْقَرُ الْعِبَادِ) أَيْ أَشَدُّ الْعِبَادِ افْتِقَارًا إلَى مَوْلَاهُ وَهَذَا مُبَالَغَةٌ إذْ كُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إلَى خَالِقِهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ فَلَيْسَ أَحَدٌ أَشَدَّ افْتِقَارًا مِنْ أَحَدٍ (قَوْلُهُ: شَرْحٌ مُخْتَصَرٌ) أَيْ مِنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي والشبرخيتي وَالتَّتَّائِيِّ وَمِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى الْخَرَشِيِّ، وَالْعُمْدَةُ فِي ذَلِكَ الْأَوَّلُ
(قَوْلُهُ: عَلَى فَتْحِ مُغْلَقِهِ) أَيْ بَيَانِ تَرَاكِيبِهِ فَالْمُرَادُ مِنْ مُغْلَقِهِ تَرَاكِيبُهُ أَيْ عِبَارَاتُهُ الصَّعْبَةُ وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهَا تَبْيِينُهَا وَتَوْضِيحُهَا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ بِالِاسْتِعَارَةِ فَقَدْ شَبَّهَ صُعُوبَةَ التَّرَاكِيبِ بِغَلْقِ الْأَبْوَابِ بِجَامِعِ عُسْرِ التَّوَصُّلِ لِلْمَطْلُوبِ مَعَ كُلٍّ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ
1 / 5
بِحَيْثُ مَتَى اقْتَصَرْت عَلَى قَوْلٍ كَانَ هُوَ الرَّاجِحَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى وَإِنْ اعْتَمَدَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ خِلَافَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى أَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ فَإِنَّهُ الْمَوْلَى الْكَرِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنَّا بِهِ وَجَمَعَنَا مَعَهُ فِي دَارِ السَّلَامِ بِسَلَامٍ مَعَ مَزِيدِ الْإِنْعَامِ وَالْإِكْرَامِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ أُؤَلِّفُ لِأَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيرُ الْمُتَعَلِّقِ مِنْ مَادَّةِ مَا جُعِلَتْ الْبَسْمَلَةُ مَبْدَأً لَهُ وَالِابْتِدَاءُ بِهَا مَنْدُوبٌ كَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إذْ الِابْتِدَاءُ قِسْمَانِ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ وَإِضَافِيٌّ وَهُوَ مَا يُقَدَّمُ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ أَوْ أَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ أَمَامَ الْمَقْصُودِ وَإِنْ كَانَ ذَا أَجْزَاءٍ (يَقُولُ) أَصْلُهُ يَقُولُ كَيَنْصُرُ فَخُفِّفَ بِنَقْلِ الضَّمَّةِ الثَّقِيلَةِ عَلَى الْوَاوِ إلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا (الْفَقِيرُ) فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أَوْ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ
ــ
[حاشية الدسوقي]
لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ، وَالْفَتْحُ تَرْشِيحٌ مُسْتَعَارٌ لِلْبَيَانِ فَشَبَّهَ الْبَيَانَ بِالْفَتْحِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ مَتَى اقْتَصَرْت) أَيْ حَالَةُ كَوْنِ ذَلِكَ الِاخْتِصَارِ مُلْتَبِسًا بِحَالَةٍ هِيَ أَنِّي مَتَى اقْتَصَرْت إلَخْ، وَمَتَى هُنَا شَرْطِيَّةٌ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ ظَرْفُ زَمَانٍ، وَقَدْ يُتَوَسَّعُ فِيهَا فَتُسْتَعْمَلُ لِلْمَكَانِ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمَكَانُ أَيْ مَحَلُّ الرَّقْمِ أَيْ بِحَيْثُ إنِّي فِي أَيِّ مَكَان اقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ كَانَ هُوَ الرَّاجِحَ (قَوْلُهُ: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى أَسْتَعِينُ) أَيْ وَأَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الشَّرْحِ أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ الْإِعَانَةَ عَلَى تَأْلِيفِهِ أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخْلُقَ فِي قُدْرَةً عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ) أَيْ أُفَوِّضُ أُمُورِي كُلَّهَا إلَيْهِ وَقَوْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ أَيْ الِاعْتِمَادُ (قَوْلُهُ: وَعَنَّا بِهِ) أَيْ وَرَضِيَ عَنَّا بِسَبَبِهِ (قَوْلُهُ: فِي دَارِ السَّلَامِ) أَيْ دَارِ السَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ وَالْكَدُورَاتِ وَهِيَ الْجَنَّةُ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ بِسَلَامٍ أَيْ حَالَةَ كَوْنِنَا مُلْتَبِسِينَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ أَهْوَالِ الْآخِرَةِ وَشَدَائِدِهَا مُصَاحِبِينَ لِمَزِيدِ الْإِنْعَامِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوْلَى إلَخْ) عِلَّةٌ لِتَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ خَاصًّا لَا عَامًّا كَأَبْتَدِئُ مَثَلًا، وَقَدَّرَ فِعْلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ وَمُؤَخَّرًا لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَالِاهْتِمَامِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوْلَى إلَخْ) إنَّمَا كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْمُتَعَلِّقِ مِنْ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَلْيَقُ بِالْمَقَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَارِعٍ فِي شَيْءٍ يُضْمِرُ مَا جُعِلَتْ التَّسْمِيَةُ مَبْدَأً لَهُ وَأَوْفَى بِتَأْدِيَةِ الْمَرَامِ أَيْ الْمَطْلُوبِ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ حِينَئِذٍ عَلَى تَلَبُّسِ الْفِعْلِ كُلِّهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ وَالِاسْتِعَانَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَادَّةِ مَا جُعِلَتْ إلَخْ) أَيْ مِنْ مَادَّةِ تَأْلِيفٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَقَوْلُهُ مَبْدَأً لَهُ أَيْ ابْتِدَاءً وَأَوَّلًا لَهُ (قَوْلُهُ: وَالِابْتِدَاءُ بِهَا) أَيْ فِي الْأُمُورِ ذَوَاتِ الْبَالِ وَلَوْ شِعْرًا (قَوْلُهُ: مَنْدُوبٌ)، وَقَدْ تَعْرِضُ الْكَرَاهَةُ لِلِابْتِدَاءِ بِهَا كَابْتِدَاءِ الْمَكْرُوهَاتِ، وَقَدْ يَحْرُمُ كَابْتِدَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَلَا يَكُونُ الِابْتِدَاءُ بِهَا وَاجِبًا إلَّا بِالنَّذْرِ وَلَا يَكُونُ مُبَاحًا، وَقَدْ عَلِمْت حَاصِلَ مَا فِي الْمَقَامِ (قَوْلُهُ: إذْ الِابْتِدَاءُ قِسْمَانِ إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ فُهِمَ مِنْ الْكَلَامِ تَقْدِيرُهُ إذَا كَانَ الِابْتِدَاءُ بِكُلٍّ مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْدُوبًا فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الِابْتِدَاءُ بِالثَّلَاثَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِوَاحِدٍ يُفَوِّتُ الِابْتِدَاءَ بِغَيْرِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَتَأَتَّى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ قِسْمَانِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ) أَيْ وَهُوَ ابْتِدَاءٌ لَمْ يُسْبَقْ مُتَعَلَّقُهُ بِشَيْءٍ (قَوْلُهُ: بِالذَّاتِ) أَيْ فَيُجْعَلُ الِابْتِدَاءَ بِالْبَسْمَلَةِ حَقِيقِيًّا لِقُوَّةِ حَدِيثِهَا، وَيُجْعَلُ الِابْتِدَاءُ بِغَيْرِهَا كَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ إضَافِيًّا
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ) أَيْ الِابْتِدَاءَ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ بِكُلٍّ مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ الِابْتِدَاءُ الْعُرْفِيُّ الَّذِي يُعْتَبَرُ مُمْتَدًّا لِلشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ فَيَكُونُ شَامِلًا لِلْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَكُونُ الِابْتِدَاءُ بِوَاحِدٍ مُفَوِّتًا لِلِابْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: بِنَقْلِ الضَّمَّةِ الثَّقِيلَةِ عَلَى الْوَاوِ) وَإِنَّمَا ثُقِّلَتْ تِلْكَ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ هُنَا
1 / 6
مِنْ الْفَقْرِ أَيْ الْحَاجَةِ أَيْ الدَّائِمِ الْحَاجَةِ أَوْ الْمُحْتَاجِ كَثِيرًا وَفِي نُسْخَةٍ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوكُ لِلَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ أَوْجَدَهُ مِنْ الْعَدَمِ (الْمُضْطَرُّ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الِاضْطِرَارِ أَيْ شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْفَقِيرِ وَهَذَا اللَّفْظُ مِمَّا يَتَّحِدُ فِيهِ اسْمُ الْفَاعِلِ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ لِزَوَالِ الْحَرَكَةِ الْفَارِقَةِ بَيْنَهُمَا بِالْإِدْغَامِ، وَأَصْلُهُ مُضْتَرَرٌ كَمُخْتَصَرٍ فَأُبْدِلَتْ التَّاءُ طَاءً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الضَّادِ وَأُدْغِمَتْ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ (لِرَحْمَةِ رَبِّهِ)
ــ
[حاشية الدسوقي]
لِكَوْنِهَا لَازِمَةً إذْ هِيَ حَرَكَةٌ بِنِيَّةٍ بِخِلَافِ هَذَا دَلْوٌ فَإِنَّ الضَّمَّةَ فِيهِ لَمْ تُسْتَثْقَلْ عَلَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا حَرَكَةُ إعْرَابٍ عَارِضَةٌ بِعُرُوضِ عَامِلِ الرَّفْعِ وَتَزُولُ عِنْدَ عَدَمِهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ الضَّمَّةَ إنَّمَا تُسْتَثْقَلُ عَلَى الْوَاوِ إذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا لَا إذَا سُكِّنَ وَلِذَا أُعْرِبَ دَلْوٌ بِالْحَرَكَاتِ وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهَا إنَّمَا ظَهَرَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ فِي الِاسْمِ لِخِفَّتِهِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَهُوَ ثَقِيلٌ، وَالثَّقِيلُ لَا يَحْتَمِلُ مَا فِيهِ ثِقَلٌ فَلِذَلِكَ نُقِلَتْ الضَّمَّةُ لِأَجْلِ الثِّقَلِ وَإِنَّمَا كَانَ الْفِعْلُ ثَقِيلًا لِتَرَكُّبِ مَدْلُولِهِ مِنْ الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَالنِّسْبَةِ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْفَقْرِ) أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَقْرِ وَقَوْلُهُ أَيْ الْحَاجَةِ هِيَ بِمَعْنَى الِاحْتِيَاجِ (قَوْلُهُ: أَيْ الدَّائِمِ الْحَاجَةِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَقَوْلُهُ: أَوْ الْمُحْتَاجُ كَثِيرًا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. وَقَوْلُهُ: كَثِيرًا أَيْ احْتِيَاجًا كَثِيرًا أَوْ زَمَنًا كَثِيرًا قِيلَ: وَالثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ دَائِمَ الِاحْتِيَاجِ صَارَ مُتَمَرِّنًا عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ شِدَّةُ تَأَلُّمٍ بِخِلَافِ الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لِلَّهِ) يُشِيرُ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَبْدِ هُنَا عَبْدُ الْإِيجَادِ لَا عَبْدُ الْعُبُودِيَّةِ إذًا لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ بَعْدُ الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى إذْ لَا يَصِحُّ لَهُ بَعْدَ وَصْفِهِ نَفْسَهُ أَوَّلًا بِالْعُبُودِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ أَعْنِي غَايَةَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ أَنْ يَصِفَهَا ثَانِيًا بِقِلَّةِ التَّقْوَى لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي وَلَا عَبْدُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ حُرٌّ لَا رِقٌّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ وَهُوَ الذُّلُّ وَالِانْكِسَارُ، وَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ عَبْدِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ الَّذِي دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» إذْ لَا يُسَوَّغُ لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِيمَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ وَقَوْلُهُ تَعِسَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ هَلَكَ وَقَوْلُهُ: وَإِذَا شِيكَ أَيْ أَصَابَتْهُ شَوْكَةٌ فِي جِسْمِهِ وَالِانْتِقَاشُ انْتِزَاعُهَا بِالْمِنْقَاشِ كَمَا فِي شب (قَوْلُهُ: أَيْ شِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُضْطَرُّ مَعْنَاهُ شَدِيدُ الِاحْتِيَاجِ الْمَجْهُودِ الَّذِي لَا يَرَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَلَا يَرَى لِإِغَاثَتِهِ إلَّا مَوْلَاهُ
(قَوْلُهُ: فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْفَقِيرِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صِفَةً مُشَبَّهَةً أَوْ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ لِعَدَمِ أَخْذِ الشِّدَّةِ فِي مَفْهُومِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَوْلُهُ: أَخَصُّ مِنْ الْفَقِيرِ أَيْ أَقَلُّ أَفْرَادًا مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا اللَّفْظُ) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِيهِ اسْمُ مَفْعُولٍ لَا غَيْرُ (قَوْلُهُ: وَأَصْلُهُ) أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا وَقَعَ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الضَّادِ) أَيْ الَّتِي هِيَ أَحَدُ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ الْأَرْبَعَةِ الصَّادِ وَالضَّادِ وَالطَّاءِ وَالظَّاءِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَاءَ الِافْتِعَالِ مَتَى وَقَعَتْ بَعْدَ حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّهَا تُقْلَبُ طَاءً نَحْوُ مُظْطَلِمٍ وَمُطَّلَبٍ وَمُصْطَبَرٍ وَمُضْطَرِبٍ لِتَعَسُّرِ النُّطْقِ بِالتَّاءِ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحْرُفِ، وَاخْتِيرَتْ الطَّاءُ لِقُرْبِهَا مَخْرَجًا مِنْ التَّاءِ (قَوْلُهُ: وَأُدْغِمَتْ الرَّاءُ إلَخْ) وَلَا يَجُوزُ إدْغَامُ الضَّادِ فِي الطَّاءِ لِزَوَالِ اسْتِطَالَةِ الضَّادِ بِالْإِدْغَامِ (قَوْلُهُ: لِرَحْمَةِ رَبِّهِ) تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ الْفَقِيرِ
1 / 7
أَيْ عَفْوِهِ وَإِنْعَامِهِ (الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ) يُقَالُ فُلَانٌ مُنْكَسِرُ الْخَاطِرِ أَيْ حَزِينٌ مِسْكِينٌ ذَلِيلٌ لِكَوْنِهِ لَا يُعْبَأُ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالْخَاطِرِ الْقَلْبُ وَحَقِيقَةُ الِانْكِسَارِ تَفَرُّقُ أَجْزَاءِ الْمُتَّصِلِ الصُّلْبِ الْيَابِسِ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا بِخِلَافِ اللَّيِّنِ فَإِنَّ تَفَرُّقَ أَجْزَائِهِ يُسَمَّى قَطْعًا كَاللَّحْمِ وَالثَّوْبِ فَإِطْلَاقُ الْخَاطِرِ وَهُوَ مَا يَخْطِرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْوَارِدَاتِ عَلَى الْقَلْبِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ الْحَالِّ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ ثُمَّ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ صُلْبٍ كَحَجَرٍ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ بِحَيْثُ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يُعْبَأُ بِهِ بِجَامِعِ الْإِهْمَالِ فِي كُلٍّ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكْنِيَّةِ وَإِثْبَاتُ الِانْكِسَارِ تَخْيِيلِيَّةٌ ثُمَّ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ حَزِينًا مِسْكِينًا ذَلِيلًا لِكَوْنِهِ لَا يُعْبَأُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ اللَّهِ الصِّدِّيقِينَ (لِقِلَّةِ الْعَمَلِ) الصَّالِحِ (وَالتَّقْوَى) أَيْ امْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ وَهَكَذَا شَأْنُ الْعَبِيدِ الصِّدِّيقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ عَرَّفُوا أَنْفُسَهُمْ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَلَمْ يُثْبِتُوا لَهَا عَمَلًا وَلَا تَقْوًى وَلَا فَضْلَ إحْسَانٍ فَعَرَفُوا رَبَّهُمْ
ــ
[حاشية الدسوقي]
وَالْمُضْطَرِّ وَأُعْمِلَ الثَّانِي إذْ لَوْ أُعْمِلَ الْأَوَّلُ لَوَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ فِي الثَّانِي بِحَيْثُ يَقُولُ الْمُضْطَرُّ لَهَا لِرَحْمَةِ رَبِّهِ وَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عِلَّةٌ لِلْغِنَى لَا لِلْفَقْرِ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ صِفَةُ جَمَالٍ لَا يَصْدُرُ عَنْهَا الْفَقْرُ وَآثَرَ اللَّامَ عَلَى إلَى لِلِاخْتِصَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلتَّعَدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ وَالِاضْطِرَارَ يَتَعَدَّيَانِ بِإِلَى أَيْ غَايَةُ فَقْرِهِ وَاضْطِرَارِهِ إلَى أَنْ يَلُوذَ بِرَحْمَةِ رَبِّهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ عَفْوِهِ وَإِنْعَامِهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةُ فِعْلٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا إرَادَةُ إنْعَامِهِ فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ، وَالرَّبُّ مَعْنَاهُ الْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ أَوْ بِمَعْنَى الْمُرَبِّي وَالْمُبَلِّغِ لَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا (قَوْلُهُ: خَاطِرُهُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ لِلْمُنْكَسِرِ (قَوْلُهُ: لَا يُعْبَأُ بِهِ) أَيْ لَا يُعْتَنَى بِهِ (قَوْلُهُ: أَجْزَاءِ الْمُتَّصِلِ) أَيْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الْمُتَّصِلِ وَقَوْلُهُ: الصُّلْبِ بِضَمِّ الصَّادِ (قَوْلُهُ: مِنْ إطْلَاقِ الْحَالِّ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ) أَيْ وَالْعَلَاقَةُ الْحَالِّيَّةُ بِنَاءً عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّهَا وَصْفُ الْمُنْتَقَلِ مِنْهُ أَوْ الْمَحَلِّيَّةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا وَصْفُ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ أَوْ الْحَالِّيَّةُ وَالْمَحَلِّيَّةُ مَعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْعَلَاقَةِ وَصْفُ كُلٍّ مِنْ الْمُنْتَقَلِ مِنْهُ وَالْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ شَبَّهَهُ) أَيْ الْقَلْبَ بِشَيْءٍ صُلْبٍ إلَخْ فَلَفْظُ الْمُشَبَّهِ فِي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكِنِيَّةِ لَيْسَ مَذْكُورًا بِلَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَهُوَ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] اهـ وَلَك أَنْ تَقُولَ: إنَّهُ أَطْلَقَ الْخَاطِرَ عَلَى الْقَلْبِ مَجَازًا مُرْسَلًا لِعَلَاقَةِ الْحَالِّيَّةِ ثُمَّ شَبَّهَ حُزْنَ الْقَلْبِ بِالِانْكِسَارِ وَاسْتَعَارَ الِانْكِسَارَ لِلْحُزْنِ وَاشْتُقَّ مِنْ الِانْكِسَارِ مُنْكَسِرٌ بِمَعْنَى حَزِينٌ وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى حَزِينُ الْقَلْبِ وَذَلِيلُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ إلَخْ وَعَلَى هَذَا فَلَا كِنَايَةَ وَلَا شَيْءَ اهـ أَوْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ الْمُتَأَلِّمُ قَلْبُهُ فَأَطْلَقَ الْخَاطِرَ وَأَرَادَ مَحَلَّهُ وَهُوَ الْقَلْبُ وَأَطْلَقَ الِانْكِسَارَ الَّذِي هُوَ تَفَرُّقُ الْأَجْزَاءِ عَلَى مَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ وَهُوَ التَّأَلُّمُ مَجَازًا مُرْسَلًا لِعَلَاقَةِ الْحَالِّيَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَالسَّبَبِيَّةِ فِي الثَّانِي
(قَوْلُهُ: ثُمَّ هُوَ) أَيْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّفْظَ بِتَمَامِهِ كِنَايَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: لِقِلَّةِ الْعَمَلِ) عِلَّةً لِانْكِسَارِ خَاطِرِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّرَ الْوَصْفَ بِالصَّالِحِ لِأَجْلِ صِحَّةِ التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا يَتَأَلَّمُ إلَّا مِنْ قِلَّةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَالْحَذْفُ لِقَرِينَةٍ، وَعَطْفُ التَّقْوَى عَلَى الْعَمَلِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ امْتِثَالًا، وَقَدْ لَا يَكُونُ امْتِثَالًا لِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: عَرِّفُوا أَنْفُسَهُمْ) أَيْ أَنْ يُعَرِّفُوا أَنْفُسَهُمْ بِالذُّلِّ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَعْرِفَتُهُمْ لِرَبِّهِمْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَهُ
1 / 8
فَكَانُوا فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﵃ وَالْمُصَنِّفُ كَانَ مِنْ أَجَلِّهِمْ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ كَشَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ (خَلِيلُ) اسْمُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِلْفَقِيرِ الْمُضْطَرِّ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ (خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ) نَعْتٌ لِخَلِيلٍ أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ ابْنِ مُوسَى وَوَهَمَ مَنْ قَالَ ابْنِ يَعْقُوبَ (الْمَالِكِيُّ) نِسْبَةٌ لِمَالِكٍ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتَعَبَّدُ عَلَى مَذْهَبِهِ وَيَبْحَثُ عَنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا إفَادَةً وَاسْتِفَادَةً وَهُوَ نَعْتٌ ثَانٍ لِخَلِيلٍ لَا لِإِسْحَاقَ لِأَنَّهُ كَانَ حَنَفِيًّا وَشَغَلَ وَلَدَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ لِمَحَبَّتِهِ فِي شَيْخِهِ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ وَسَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَكَانَ إِسْحَاقُ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاقِبِ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ وَنَصُّهُ وَكَانَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْأَخْيَارِ وَكَانَ قَدْ صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْ الْأَخْيَارِ مِثْلَ سَيِّدِي الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ وَكَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ أَيْ الْمَنُوفِيُّ يَأْتِي إلَيْهِ يَزُورُهُ
وَمِنْ مُكَاشَفَاتِ الْوَالِدِ أَنِّي قُلْت لَهُ يَوْمًا وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ يَا وَالِدِي سَيِّدِي أَحْمَدُ بْنُ سَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ ضَعِيفٌ عَلَى الْمَوْتِ فَقَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ لَا يُصِيبُهُ الْمَرَّةَ شَيْءٌ وَلَكِنَّ سَيِّدِي مُحَمَّدًا أَخُوهُ قَدْ مَاتَ فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُهُمْ كَمَا ذَكَرَ رَجَعُوا مِنْ دَفْنِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ جَاءَ أَحَدٌ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ وَذَكَرَ حِكَايَةً أُخْرَى مِنْ مُكَاشَفَاتِهِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْتَ ﵁ وَعَنْ وَالِدِهِ وَعَنْ أَشْيَاخِهِ آمِينَ تُوُفِّيَ الْمُصَنِّفُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ نَفْسَهُ فِي مَبْدَإِ كِتَابِهِ لِيَكُونَ كِتَابُهُ أَدْعَى لِلْقَبُولِ إذْ التَّأْلِيفُ الْمَجْهُولُ مُؤَلِّفُهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ غَالِبًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مَقُولُ الْقَوْلِ وَالْحَمْدُ لُغَةً
ــ
[حاشية الدسوقي]
تَعَالَى وَفِيهِ إشَارَةٌ لِمَا وَرَدَ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ (قَوْلُهُ: فَكَانُوا إلَخْ) هَذَا إشَارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وَهَذِهِ الْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ مَكَانَةٍ لَا عِنْدِيَّةُ مَكَان لِاسْتِحَالَتِهَا عَلَيْهِ تَعَالَى وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُقَرَّبِينَ مِنْهُ تَعَالَى قُرْبًا مَعْنَوِيًّا لَا حِسِّيًّا (قَوْلُهُ: خَلِيلُ) فَعِيلٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخُلَّةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ أَيْ الْمَحَبَّةُ الْخَالِصَةُ مِنْ مُشَارَكَةِ الْأَغْيَارِ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَهُوَ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ هُوَ خَلِيلُ) وَعَلَى هَذَا فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَنْ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ الْمُضْطَرُّ فَقِيلَ هُوَ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ
(قَوْلُهُ: نَعْتٌ لِخَلِيلٍ) أَيْ خَلِيلٍ الْمَنْسُوبِ لِإِسْحَاقَ بِالْبُنُوَّةِ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِالْمُشْتَقِّ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ ابْنَ جَامِدٌ فَكَيْفَ يَكُونُ نَعْتًا وَالنَّعْتُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا (قَوْلُهُ: أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفِ) أَيْ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَعَلَى هَذَا فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَنْ خَلِيلٌ (قَوْلُهُ: ابْنِ مُوسَى) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي ح وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إلَخْ) أَيْ وَغَلِطَ مَنْ أَبْدَلَ مُوسَى بِيَعْقُوبَ وَهُوَ ابْنُ غَازِيٍّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِسْحَاقَ إنَّمَا كَانَ وَالِدُهُ يُسَمَّى مُوسَى لَا يَعْقُوبَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَانَ حَنَفِيًّا) أَيْ لِأَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ حَنَفِيًّا (قَوْلُهُ: وَشَغَلَ وَلَدَهُ) أَيْ خَلِيلًا بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَفِي شب وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَكَثَ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَخَّصَهُ أَيْ بَيَّضَهُ فِي حَيَاتِهِ لِلنِّكَاحِ، وَبَاقِيهِ وُجِدَ فِي أَوْرَاقِ مُسَوَّدَةٍ فَجَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَفِي ح أَنَّ لَهُ شَرْحًا عَلَى بَعْضِهِ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ شَرَحَ أَلْفِيَّةَ ابْنِ مَالِكٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: مَكَثَ الْمُصَنِّفُ عِشْرِينَ سَنَةً بِمِصْرَ لَمْ يَرَ النِّيلَ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا يَعْنِي وَكَانَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْجُنْدِ الْمُتَقَشِّفِينَ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ نَفْسَهُ) أَيْ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ اسْمُهُ فِي مَبْدَإِ كِتَابِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ لِآخِرِ الْكِتَابِ (قَوْلُهُ: مَقُولُ الْقَوْلِ) أَيْ فَمَحَلُّهُ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَهَلْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنْ الْمَقُولِ لَهَا مَحَلٌّ عَلَى حِدَتِهَا أَوْ لَا بَلْ الْمَحَلُّ لِمَجْمُوعِهَا فَقَطْ فِيهِ خِلَافٌ (قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ وَالثَّنَاءُ خَبَرٌ وَقَوْلُهُ لُغَةً إمَّا حَالٌ مِنْ الْمُبْتَدَإِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ أَوْ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ إذْ الْأَصْلُ وَتَفْسِيرُ الْحَمْدِ حَالَةَ كَوْنِهِ لُغَةً أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ أَوْ نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ وَالْحَمْدُ فِي اللُّغَةِ
1 / 9
الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ كَانَ نِعْمَةً أَوْ لَا وَاصْطِلَاحًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ (حَمْدًا) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَحْمَدُهُ حَمْدًا لَا بِالْحَمْدِ الْمَذْكُورِ لِفَصْلِهِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْحَمْدِ أَيْ غَيْرُ مَعْمُولٍ لَهُ
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: الثَّنَاءُ) هَذَا التَّعْرِيفُ لِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْحَمْدِ وَهُوَ الْحَمْدُ الْحَادِثُ إذْ الْحَمْدُ الْقَدِيمُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانٍ لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَلَوْ قَالَ: الثَّنَاءُ بِالْكَلَامِ لَكَانَ شَامِلًا لِأَنْوَاعِ الْحَمْدِ الْأَرْبَعَةِ: حَمْدِ الْحَادِثِ لِلْحَادِثِ وَالْقَدِيمِ وَحَمْدِ الْقَدِيمِ لِلْقَدِيمِ وَلِلْحَادِثِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ صَادِقٌ بِالْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ (قَوْلُهُ: بِاللِّسَانِ) الْمُرَادُ بِهِ آلَةُ النُّطْقِ فَيَشْمَلُ مَا لَوْ نَطَقَتْ الْيَدُ بِالثَّنَاءِ عَلَى زَيْدٍ لِأَجْلِ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ خَرْقًا لِلْعَادَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى جَمِيلٍ) أَيْ لِأَجْلِ جَمِيلٍ فَعَلَى لِلتَّعْلِيلِ فَهُوَ إشَارَةٌ لِلْمَحْمُودِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ جَمِيلًا أَيْ فِي الْوَاقِعِ عِنْدَ الْمَحْمُودِ، وَلَوْ بِحَسَبِ اعْتِقَادِ الْحَامِدِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا وَإِلَّا كَانَ مَدْحًا وَلِذَا يُقَالُ: مَدَحْتُ اللُّؤْلُؤَةَ عَلَى صَفَاءِ لَوْنِهَا وَلَا يُقَالُ: حَمِدْتهَا عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَحْمُودِ بِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا كَأَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِصَبَاحَةِ الْوَجْهِ لِأَجْلِ إكْرَامِهِ إيَّاهُ وَلِذَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمَحْمُودَ بِهِ وَعَلَيْهِ تَارَةً يَخْتَلِفَانِ ذَاتًا وَاعْتِبَارًا كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَتَارَةً يَتَّحِدَانِ ذَاتًا وَيَخْتَلِفَانِ اعْتِبَارًا كَأَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِالْكَرَمِ لِأَجْلِ كَرَمِهِ فَالْكَرَمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُثْنًى بِهِ مَحْمُودٌ بِهِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى الْحَمْدِ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَرْكَانَ الْحَمْدِ الْخَمْسَةَ وَهِيَ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ وَالْمَحْمُودُ بِهِ وَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ فَالثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ هُوَ الصِّيغَةُ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ مُثْنِيًّا وَهُوَ الْحَامِدُ وَمُثْنًى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ وَمُثْنًى بِهِ وَهُوَ مَدْلُولُ الصِّيغَةِ الْمَحْمُودِ بِهَا
وَقَوْلُهُ: عَلَى جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ إشَارَةٌ لِلْمَحْمُودِ عَلَيْهِ لَا يُقَالُ تَقْسِيمُهُمْ الْحَمْدَ لِمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَحْمُودَ عَلَيْهِ لَيْسَ رُكْنًا لِتَحَقُّقِ الْحَمْدِ بِدُونِهِ كَمَا فِي الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مُرَادُهُمْ بِالْمُطْلَقِ مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ ذَاتِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُقَيَّدِ مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ مَا كَانَ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أَصْلًا فَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحَقُّقِ الْحَمْدِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَاتَ اللَّهِ أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ فَالْحَمْدُ مُطْلَقٌ وَإِنْ كَانَ نِعْمَةً فَالْحَمْدُ مُقَيَّدٌ.
إنْ قُلْت: إنَّ الذَّاتَ وَالصِّفَاتِ لَيْسَتْ اخْتِيَارِيَّةً، وَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا قُلْتُ مُرَادُهُمْ بِالِاخْتِيَارِيِّ مَا كَانَ غَيْرَ اضْطِرَارِيٍّ لَا مَا كَانَ حُصُولُهُ بِالِاخْتِيَارِ فَدَخَلَتْ الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ فِي الِاخْتِيَارِيِّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ
١ -
(قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ) قِيلَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَى جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّنَاءُ لِأَجْلِ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَةِ الْجِنَانِ لِلِّسَانِ عَلَى الثَّنَاءِ، أَمَّا إذَا أَثْنَى بِلِسَانِهِ، وَقَلْبُهُ مُعْتَقِدٌ خِلَافَهُ فَلَا يَكُونُ حَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ (قَوْلُهُ: كَانَ) أَيْ الْجَمِيلُ أَيْ الِاخْتِيَارِيُّ نِعْمَةً كَالْعَطَايَا أَوْ لَا كَالْعِبَادَاتِ وَحُسْنِ الْخَطِّ مَثَلًا فَهُوَ تَعْمِيمٌ فِي الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: فِعْلٌ) أَيْ مِنْ الْحَامِدِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ مَا قَابَلَ الِانْفِعَالَ فَيَشْمَلُ الْكَيْفَ كَالِاعْتِقَادَاتِ (قَوْلُهُ: يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ) أَيْ يَدُلُّ مَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ الَّذِي هُوَ الْمَحْمُودُ فَدَخَلَ الِاعْتِقَادُ فَلَا يُقَالُ: الْإِنْبَاءُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَلَا يَظْهَرُ فِي الِاعْتِقَادِ إذْ لَا اطِّلَاعَ لِغَيْرِ الْحَامِدِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ إنْعَامُهُ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ التَّعْظِيمُ بِالْمُشْتَقِّ وَهُوَ الْمُنْعِمُ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ (قَوْلُهُ: مَنْصُوبٌ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ
1 / 10
كَذَا قِيلَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَصْدَرِيَّةِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً يَعْنِي أَنَّ عَمَلَ الْحَمْدِ فِي حَمْدًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، وَعَمَلُهُ فِي لِلَّهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ فَيَكُونُ الْخَبَرُ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْحَمْدِ مِنْ جِهَةِ الْمَصْدَرِيَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا فِي حَمْدًا، وَالْفَصْلُ بِالْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ بِاعْتِبَارٍ يَمْنَعُ عَمَلَ الْمَصْدَرِ (يُوَافِي) أَيْ يُقَابِلُ (مَا تَزَايَدَ) أَيْ زَادَ (مِنْ النِّعَمِ) جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ بَيَانٌ لِمَا (وَالشُّكْرُ)
ــ
[حاشية الدسوقي]
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (قَوْلُهُ: كَذَا قِيلَ) قَائِلُهُ الْعَلَّامَةُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْمُصَنِّفِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ وَهُوَ لِلَّهِ وَقَوْلُهُ: أَجْنَبِيٌّ أَيْ مِنْ الْحَمْدِ (قَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ الْمَصْدَرِيَّةِ) أَيْ مَصْدَرِيَّةِ الْحَمْدِ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ) أَيْ الْحَمْدِ مُبْتَدَأً أَيْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مَعْمُولٌ لِلْمُبْتَدَإِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمْدَ لَهُ جِهَتَانِ جِهَةُ كَوْنِهِ مَصْدَرًا وَجِهَةُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَهُوَ بِهَذِهِ الْجِهَةِ يُغَايِرُ نَفْسَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ عَمِلَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً فِي لِلَّهِ فَلَوْ عَمِلَ فِي حَمْدًا لَكَانَ بِالْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ جِهَةُ الْمَصْدَرِيَّةِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ مُنِعَ عَمَلُهُ فِي حَمْدًا لِوُجُودِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ صَحَّ عَمَلُهُ فِيهِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ فَصْلٌ بِأَجْنَبِيٍّ حَقِيقَةً وَالْأَوَّلُ مَلْحَظُ النَّاصِرِ وَالثَّانِي مَلْحَظُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْحَقُّ (قَوْلُهُ: يُوَافِي مَا تَزَايَدَ إلَخْ) أَيْ يُقَابِلُ مَا تَزَايَدَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَيَأْتِي عَلَيْهَا وَلَمَّا كَانَتْ النِّعَمُ لَا تُحْصَى وَلَا تَتَنَاهَى لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَمْدَ لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى لَا يُقَابِلُهُ إلَّا مِثْلُهُ
إنْ قُلْتَ حَمْدُ الْمُصَنِّفِ جُزْئِيٌّ فَكَيْفَ لَا يَتَنَاهَى؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَنَاهَى بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الْكَمَالِيَّةِ وَهِيَ لَا تَتَنَاهَى أَوْ يُقَالُ جَعَلَهُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ لَكِنْ تَخْيِيلًا لَا تَحْقِيقًا (قَوْلُهُ: أَيْ زَادَ) هُوَ بِمَعْنَى كَثُرَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ الْحَمْدَ يَفِي بِالنِّعَمِ لَا الْعَكْسُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ إلَى صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَفَاءِ بِسَبَبِ مَا فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فَكَأَنَّ الْحَامِدَ يُرِيدُ أَنْ يَغْلِبَ النِّعَمَ وَيَزِيدَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّ النِّعَمَ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَلَمَّا كَانَتْ النِّعْمَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ إيصَالُ الْمُنْعَمِ بِهِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وَهُوَ هُنَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ الْمُنْعَمِ بِهِ نَبَّهَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ عَلَى جَوَازِ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَأَمَّا عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ فَبِوَاسِطَةِ أَنَّهُ أَثَرُ الْإِنْعَامِ وَمَا كَانَ بِلَا وَاسِطَةٍ أَقْوَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُنْعَمَ بِهِ لَا يَكُونُ نِعْمَةً حَقِيقَةً إلَّا إذَا كَانَتْ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ كَذَا قَالَتْ الْأَشَاعِرَةُ فَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ بَلْ مَا أَلَذَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُ حَيْثُ يُلِذُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ إلَى الْمَوْتِ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّهَا نِعْمَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الشُّكْرُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَلَاذَّ الْوَاصِلَةَ إلَيْهِمْ نِقَمٌ فِي صُورَةِ نِعَمٍ فَسَمَّاهَا الْأَشَاعِرَةُ نِقَمًا نَظَرًا لِحَقِيقَتِهَا وَالْمُعْتَزِلَةُ سَمَّتْهَا نِعَمًا
1 / 11