غاية البيان شرح زبد ابن رسلان
الناشر
دار المعرفة
الإصدار
الأولى
مكان النشر
بيروت
الْمُقدمَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي أظهر زبد دينه القويم وَهدى من وَفقه إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أَحْمَده على مَا أنعم وَعلم وسدد إِلَى الصِّرَاط وَقوم وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْوَاحِد القهار الْكَرِيم الستار وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ختام الْأَنْبِيَاء الْأَبْرَار صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وعل آله وَأَصْحَابه صَلَاة وَسلَامًا دائمين على ممر اللَّيَالِي وَالنَّهَار
وَبعد فَإِن صفوة الزّبد فِي الْفِقْه للشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة ولي الله تَعَالَى (أَحْمد بن رسْلَان) من أبدع كتاب فِي الْفِقْه صنف وَأجْمع مَوْضُوع فِيهِ على مِقْدَار حجمه ألف طلب مني بعض السَّادة الْفُضَلَاء والأذكياء النبلاء أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحا يحل ألفاظها ويبرز دقائقها وَيُحَرر مسائلها ويجود دلائلها فأجبته إِلَى ذَلِك بعون الْقَادِر الْمَالِك ضاما إِلَيْهِ من الْفَوَائِد المستجادات مَا تقربه أعين أولى الرغبات راجيا من الله جزيل الثَّوَاب ومؤملا مِنْهُ أَن يَجعله عُمْدَة لأولي الْأَلْبَاب وسميته (غَايَة الْبَيَان فِي شرح زبد ابْن رسْلَان)
وَالله أسأَل وبنبيه أتوسل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم مُوجبا للفوز بجنات النَّعيم قَالَ النَّاظِم (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) أَي أؤلف إِذْ كل فَاعل يبْدَأ فِي فعله بِبسْم الله يضمر مَا جعل التَّسْمِيَة مبدأ لَهُ كَمَا أَن الْمُسَافِر إِذا حل أَو ارتحل فَقَالَ بِسم الله كَانَ الْمَعْنى بِسم الله أحل وبسم الله أرتحل وَالِاسْم مُشْتَقّ من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَالله علم للذات الْوَاجِب الْوُجُود وَأَصله إِلَه حذفت همزته وَعوض عَنْهَا حرف التَّعْرِيف ثمَّ جعل علما وَهُوَ عَرَبِيّ عِنْد الْأَكْثَر والرحمن الرَّحِيم إسمان بنيا للْمُبَالَغَة من رحم وَالرَّحْمَة لُغَة رقة الْقلب وانعطاف يَقْتَضِي التفضل وَالْإِحْسَان فالتفضل غايتها وَأَسْمَاء الله تَعَالَى الْمَأْخُوذَة من نَحْو ذَلِك إِنَّمَا تُؤْخَذ بِاعْتِبَار الغايات دون المبادى الَّتِي تكون انفعالات والرحمن أبلغ من الرَّحِيم لِأَن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى كَمَا فِي قطع وَقطع وَنقض بحذر فَإِنَّهُ أبلغ من حاذر وَأجِيب لِأَن ذَلِك اكثرى لاكلى وَبِأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَن يَقع فِي الأنقص زِيَادَة معنى لسَبَب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شَره ونهم وَبِأَن الْكَلَام فِي مَا إِذا كَانَ المتلاقيان فِي الِاشْتِقَاق متحدى النَّوْع فِي الْمَعْنى كغرث وغرثان وَصد وصديان لَا كحذر وحاذر للِاخْتِلَاف (الْحَمد للإله) بَدَأَ بالحمدلة بعد الْبَسْمَلَة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز وَعَملا بِخَبَر كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع وَفِي رِوَايَة بِالْحَمْد لله وَجمع النَّاظِم كَغَيْرِهِ بَين الابتداءين عملا بالروايتين وَإِشَارَة إِلَى أَنه لَا تعَارض بَينهمَا إِذْ الِابْتِدَاء حَقِيقِيّ وإضافي فالحقيقي حصل بالبسملة والإضافي بالحمدلة وَقدم الْبَسْمَلَة عملا بِالْكتاب وَالْإِجْمَاع وَجُمْلَة الحمدلة خبرية لفظا إنشائية معنى
1 / 2
وَالْحَمْد أَي اللَّفْظِيّ لُغَة الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ على جِهَة التبجيل سَوَاء تعلق بالفضائل أم بالفواضل وَالشُّكْر لُغَة فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ أَنه منعم على الشاكر سَوَاء كَانَ ذكرا بِاللِّسَانِ أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم عملا وخدمة بالأركان فمورد الْحَمد هُوَ اللِّسَان وَحده ومتعلقه النِّعْمَة وَغَيرهَا ومورد الشُّكْر اللِّسَان وَغَيره ومتعلقه النِّعْمَة وَحدهَا فَالْحَمْد أَعم مُتَعَلقا وأخص موردا وَالشُّكْر بِالْعَكْسِ وَالْحَمْد عرفا فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ أَنه منعم على الحامد أَو غَيره وَالشُّكْر عرفا صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من السّمع وَغَيره إِلَى مَا خلق لأَجله فَهُوَ أخص مُتَعَلقا من الثَّلَاثَة قبله لاخْتِصَاص مُتَعَلّقه بِاللَّه تَعَالَى ولاعتبار شُمُول المآلات فِيهِ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ مسَاوٍ للحمد الْعرفِيّ وَبَين الحمدين عُمُوم من وَجه والآله المعبود بِحَق ذِي الْجلَال أَي العظمة وشارع الْحَرَام والحلال أَي مبينهما قَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين﴾ الْآيَة وفيهَا براعة الاستهلال وَشَمل متعلقات الْأَحْكَام كلهَا إِذْ الْحَرَام ضد الْحَلَال فَيتَنَاوَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَخلاف الاولى وَالْمَكْرُوه وَكَذَا الصَّحِيح كَمَا يتَنَاوَل الْحَرَام وَالْبَاطِل بِنَاء على تنَاول الحكم لَهما ثمَّ صَلَاة الله مَعَ سلامي أَتَى بهما امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَقد فسر قَوْله تَعَالَى ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ بِأَن مَعْنَاهُ لَا أذكر إِلَّا وتذكر معي وَالصَّلَاة من الله رَحْمَة مقرونة بتعظيم وَمن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار وَمن الْمُكَلّفين تضرع وَدُعَاء وَقرن بَينهَا وَبَين السَّلَام خُرُوجًا من كَرَاهَة إِفْرَاد أَحدهمَا عَن الآخر على النَّبِي هُوَ إِنْسَان أوحى إِلَيْهِ بشرع وَإِن لم يُؤمر بتبليغه فَإِن أَمر بذلك فَرَسُول أَيْضا فالرسول أخص من النَّبِي وَعبر بِالنَّبِيِّ دون الرَّسُول لِأَنَّهُ أَكثر اسْتِعْمَالا وَلَفظه بِلَا همز وَهُوَ الْأَكْثَر أَو بِهِ من النبأ وَهُوَ الْخَبَر والرسالة أفضل من النُّبُوَّة الْمُصْطَفى الْمُخْتَار وَحذف الْمَعْمُول يُؤذن بِالْعُمُومِ فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه أفضل المخلوقين من إنس وجن وَملك وَملك وَهُوَ كَذَلِك التهامي نِسْبَة إِلَى تهَامَة مُحَمَّد علم مَنْقُول من إسم مفعول المضعف سمي بِهِ نَبينَا بإلهام من الله تَعَالَى بِأَنَّهُ يكثر حمد الْخلق لَهُ لِكَثْرَة خصاله الجميلة كَمَا روى فِي السّير أَنه قيل لجده عبد الْمطلب وَقد سَمَّاهُ فِي سَابِع وِلَادَته لمَوْت أَبِيه قبلهَا لم سميت ابْنك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ من أَسمَاء آبَائِك وَلَا قَوْمك قَالَ رَجَوْت أَن يحمد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَقد حقق الله رَجَاءَهُ كَمَا سبق فِي علمه الْهَادِي من الضلال أَي الدَّال بلطف والضلال نقيض الْهدى وَهُوَ دين الْإِسْلَام قَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَأفضل الصحب إسم جمع لصَاحب بِمَعْنى الصَّحَابِيّ وَهُوَ من اجْتمع مُؤمنا بِمُحَمد ﷺ وَمَات على ذَلِك وَخير آل فآله أَقَاربه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم وَالْمطلب ابنى عبد منَاف وَقَوله وَأفضل الصحب وَخير آل عطف على النَّبِي وَأفَاد بِهِ أَن أَصْحَابه أفضل من أَصْحَاب غَيره من الْأَنْبِيَاء وَإِن آله أفضل من آل غَيره وَظَاهر أَن الْمفضل عَلَيْهِ فيهمَا غير الْأَنْبِيَاء وَبعد هذى زبد نظمتها جمع زبدة وعنى بهَا مهمات الْفَنّ وَلَفْظَة بعد يُؤْتى بهَا للانتقال من أسلوب إِلَى آخر وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْتِي بأصلها فِي خطبه وَهُوَ أما بعد بِدَلِيل لُزُوم الْفَاء فِي حيزها غَالِبا لتضمن أما معنى الشَّرْط وَالْعَامِل فِيهَا أما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لنيابتها عَن الْفِعْل أَو الْفِعْل نَفسه عِنْد غَيره وَالْأَصْل مهما يكن من شَيْء بعد الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام وهذى اسْم إِشَارَة أُشير بهَا إِلَى مَوْجُود فِي الْخَارِج وَهُوَ زبد الْعَلامَة البارزى تغمده الله تَعَالَى برحمته وَقد تَأَخّر نظم هَذَا الْبَيْت عَن نظم الزّبد بِدَلِيل تَعْبِيره بِلَفْظ الْمَاضِي فِي قَوْله نظمتها وزدتها أبياتها ألف أَي تَقْرِيبًا فَأَنَّهَا تزيد عَلَيْهِ نَحْو أَرْبَعِينَ بَيْتا بِمَا قد زدتها الْبَاء بِمَعْنى مَعَ أَي مَعَ مَا قد زدتها من الْمُقدمَة
1 / 3
والخاتمة وَغَيرهمَا ثمَّ وصف الزّبد بأوصاف ترغب فِيهَا مِنْهَا أَنَّهَا يسهل حفظهَا على الْأَطْفَال لحلاوة نظمها وبراعته وَمِنْهَا أَنَّهَا نافعة لمبتدى الرِّجَال بِأَن تبصره وَلما كَانَ نَفعهَا للمبتدى من الذُّكُور أتم لنقلها إِيَّاه من الْجَهْل إِلَى الْعلم اقْتصر عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ نافعة لغيره أَيْضا إِذْ هِيَ مذكرة لَهُ وَيحْتَمل أَنه اقْتصر عَلَيْهِ تواضعا وهضما والمبتدى هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فِي ذَلِك الْعلم وَلم يصل فِيهِ إِلَى حَالَة يسْتَقلّ فِيهَا بتصوير مسَائِل ذَلِك فَهُوَ الْمُتَوَسّط وَإِن اسْتَقل بالتصوير واستحضر غَالب أَحْكَام ذَلِك الْعلم فَهُوَ الْمُنْتَهى وَمِنْهَا أَنَّهَا تَكْفِي مَعَ التَّوْفِيق من الله تَعَالَى للمشتغل والتوفيق خلق قدرَة الطَّاعَة فِي العَبْد قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله﴾ وَقد ورد لَا يتوفق عبد حَتَّى يوفقه الله وَلما كَانَ عَزِيزًا لم يذكرهُ الله فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي مَحل وَاحِد فِي قَوْله ﴿وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه﴾ وَمَا ورد من نَحْو قَوْله ﴿إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾ فَذَاك من مَادَّة الْوِفَاق لَا من مَادَّة التَّوْفِيق إِن فهمت وأتبعت بِالْعَمَلِ وعد مِنْهُ بِأَن من اتَّقَاهُ علمه بِأَن يَجْعَل فِي قلبه نورا يفهم بِهِ مَا يلقى إِلَيْهِ وفرقانا أَي فيصلا يفصل بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا﴾ فبتقوى الله تزداد المعارف فاعمل وَلَو بالعشر كَالزَّكَاةِ تخرج بِنور الْعلم من ظلمات أَي ينْدب للْإنْسَان أَن يعْمل بِمَا يُعلمهُ من مسنونات الشَّرْع فَإِن لم يعْمل بجميعها فليعمل وَلَو بالعشر مِنْهَا تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَمَا اكْتفى الشَّارِع فِي زَكَاة النَّبَات المسقى بِغَيْر مُؤنَة بعشره تَطْهِيرا لَهُ وتنمية وَأَنه يخرج بِنور الْعلم بِسَبَب الْعَمَل الْمَذْكُور من ظلمات الْجَهْل وَفِي بعض النّسخ لنُور بِاللَّامِ بدل الْبَاء والظلمات بِضَم اللَّام وَفتحهَا وسكونها كَمَا فِي النّظم جمع ظلمَة وَهِي عدم النُّور وَقد قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ إِنَّكُم فِي زمَان من ترك مِنْكُم فِيهِ عشر مَا يعلم هلك وَسَيَأْتِي زمَان من عمل فِيهِ بِعشر مَا يعلم نجا أما الْعَمَل بِمَا يُعلمهُ من الْوَاجِبَات فقد ذكره بقوله فعالم بِعِلْمِهِ لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن أَي أَن الْعَالم إِذا لم يعْمل بِعِلْمِهِ بِأَن ترك شَيْئا مِمَّا تعين عَلَيْهِ عمله أَو ارْتكب محرما يعذبه الله إِن لم يعْفُو عَنهُ قبل تعذيبه عَابِد الوثن وَهُوَ الصَّنَم إِذْ الْعَالم ارْتكب الْمعْصِيَة عَالما بتحريمها وعابد الوثن غير عَالم بِتَحْرِيم عِبَادَته وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الزَّبَانِيَة أسْرع إِلَى فسقة الْقُرَّاء مِنْهُم إِلَى عَبدة الْأَوْثَان فَيَقُولُونَ يبْدَأ بِنَا قبل عَبدة الْأَوْثَان فَيُقَال لَهُم لَيْسَ من يعلم كمن لَا يعلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن أول النَّاس يقْضى يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأَن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال هُوَ عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قاريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألْقى فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَعَن الْوَلِيد بن عقبَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسل إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ
1 / 4
بِمَا دَخَلْتُم النَّار فوا الله مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نقُول وَلَا نَفْعل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَالْبَيْهَقِيّ وَالْأَحَادِيث فِي وعيده كَثِيرَة وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ويل لمن لَا يعلم مرّة وويل لمن يعلم سبع مَرَّات وَقيل لِابْنِ عُيَيْنَة أَي النَّاس أطول ندامة قَالَ أما فِي الدُّنْيَا فصانع الْمَعْرُوف إِلَى من لَا يشكره وَأما عِنْد الْمَوْت وَبعده فعالم مفرط وَالله أَرْجُو أَي أُؤَمِّل الْمَنّ أَي الإنعام بالإخلاص لكَي يكون مُوجب الْخَلَاص وَالْإِخْلَاص فِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء فِيهَا وَهُوَ سَبَب الْخَلَاص من أهوال يَوْم الْقِيَامَة لما رُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من فَارق الدُّنْيَا على الْإِخْلَاص لله وَحده لَا شريك لَهُ وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة فَارقهَا وَالله عَنهُ رَاض رَوَاهُ ابْن ماجة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَعَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عيه وَسلم يَقُول طُوبَى للمخلصين أُولَئِكَ مصابيح الْهدى تنجلي عَنْهُم كل فتْنَة ظلماء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأَحَادِيث فِي فضل الاخلاص كَثِيرَة مُقَدّمَة بِكَسْر الدَّال كمقدمة الْجَيْش للْجَمَاعَة الْمُتَقَدّمَة مِنْهُ من قدم اللَّازِم بِمَعْنى تقدم وَبِفَتْحِهَا على قلَّة كمقدمة الرجل فِي لُغَة من قدم الْمُتَعَدِّي فِي علم الْأُصُول أَي أصُول الدّين وَالْفِقْه فَإِنَّهُ ذكر فِيهَا شَيْئا من كل مِنْهُمَا أول وَاجِب مَقْصُود لذاته على الْإِنْسَان الْبَالِغ الْعَاقِل وَلَو أُنْثَى وَلَو رَقِيقا معرفَة الْإِلَه تَعَالَى باستيقان أَي يَقِينا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ ﴿وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد﴾ وَلِأَنَّهَا مبْنى سَائِر الْوَاجِبَات إِذْ لَا يَصح بِدُونِهَا وَاجِب وَلَا مَنْدُوب وَالْمرَاد بهَا معرفَة وجوده تَعَالَى وَمَا يجب لَهُ من إِثْبَات أُمُور وَنفي أُمُور وَهِي الْمعرفَة الإيمانية أَو البرهانية لَا الْإِدْرَاك والإحاطة بكنه الْحَقِيقَة لامتناعه شرعا وعقلا وَالْيَقِين حكم الذِّهْن الْجَازِم المطابق لموجب وَمَا ذكره من أَن ذَلِك أول وَاجِب هُوَ الْأَصَح من بضعَة عشر قولا والنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ اعتبرا أَي أَن النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ مُعْتَبر لصِحَّة الْإِيمَان لِلْخُرُوجِ من عَهده التَّكْلِيف بِهِ مِمَّن قدرا أَي من الْقَادِر عَلَيْهِ إِن صدق الْقلب إِذْ الْإِيمَان تَصْدِيق الْقلب بِمَا علم ضَرُورَة مَجِيء الرَّسُول بِهِ من عِنْد الله كالتوحيد والنبوة والبعث وَالْجَزَاء وافتراض الصَّلَوَات الْخمس وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالْمرَاد بِتَصْدِيق الْقلب إذعانه وقبوله وَلما كَانَ تَصْدِيق الْقلب أمرا بَاطِنا لَا اطلَاع لنا عَلَيْهِ جعله الشَّارِع مَنُوطًا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهل النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرط لإجراء أَحْكَام الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا من الصَّلَاة عَلَيْهِ والتوارث والمناكحة وَغَيرهَا دَاخل فِي مُسَمّى الْإِيمَان أَو جُزْء مِنْهُ دَاخل فِي مُسَمَّاهُ قَولَانِ ذهب جُمْهُور الْمُحَقِّقين إِلَى أَولهمَا وَعَلِيهِ من صدق بِقَلْبِه وَلم يقر بِلِسَانِهِ مَعَ تمكنه من الْإِقْرَار فَهُوَ مُؤمن عِنْد الله وَهَذَا أوفق باللغة وَالْعرْف وَذهب كثير من الْفُقَهَاء إِلَى ثَانِيهمَا وألزمهم الْأَولونَ بِأَن من صدق بِقَلْبِه فاخترمته الْمنية قبل اتساع وَقت الْإِقْرَار بِلِسَانِهِ يكون كَافِرًا وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع على مَا نَقله الرَّازِيّ وَغَيره لَكِن يُعَارض دَعْوَاهُ قَول الشِّفَاء الصَّحِيح أَنه مُؤمن مستوجب للجنة حَيْثُ أثبت فِيهِ خلافًا وَخرج بقوله مِمَّن قدرا الْعَاجِز لخرس أَو سكتة أَو إخترام منية قبل التَّمَكُّن مِنْهُ فَيصح إيمَانه وَأما الْإِسْلَام فَهُوَ أَعمال الْجَوَارِح من الطَّاعَات كالتلفظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك لَكِن لَا تعْتَبر الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة فِي الْخُرُوج عَن عُهْدَة التَّكْلِيف بِالْإِسْلَامِ إِلَّا مَعَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ
1 / 5
التَّصْدِيق الْمَار فَهُوَ شَرط للإعتداد بالعبادات فَلَا يَنْفَكّ الْإِسْلَام المعتبرعن الْإِيمَان وَإِن انْفَكَّ الْإِيمَان عَنهُ فِيمَن اخترمته الْمنية قبل اتساع وَقت التَّلَفُّظ وَأما مَا ورد من إِثْبَات أَحدهمَا وَنفي الآخر من نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ فَهُوَ وَارِد فِي الْمُنَافِقين وَأما الْعَطف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فَإِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى معنيهما اللغويين وَلذَلِك ذكر الصَّدَقَة وَالصَّوْم وَغَيرهمَا بعدهمَا بطرِيق الْعَطف مَعَ الْإِجْمَاع على عدم خُرُوجهَا عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هَذَا كُله بِالنّظرِ لما عِنْد الله أما بِالنّظرِ لما عندنَا فالإسلام هُوَ النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط فَمن أقرّ بهما أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا وَلم يحكم عَلَيْهِ بِكفْر إِلَّا بِظُهُور إمارات التَّكْذِيب كسجوده اخْتِيَارا لكواكب أَو صُورَة أَو استخفاف بِنَبِي أَو بمصحف أَو بِالْكَعْبَةِ أَو نَحْو ذَلِك وَالصَّحِيح صِحَة إِيمَان الْمُقَلّد وَاللَّام فِي قَوْله لصِحَّة الْإِيمَان للتَّعْلِيل أَو بِمَعْنى فِي وَألف اعتبرا وَقدرا للإطلاق وبالأعمال يكون الْإِيمَان ذَا نقص وَذَا كَمَال أَي الْإِيمَان يزِيد بِسَبَب زِيَادَة الْأَعْمَال ككثرة النّظر ووضوح الْأَدِلَّة وَزِيَادَة الطَّاعَة وَينْقص بِسَبَب نَقصهَا والأدلة فِي ذَلِك كَثِيرَة وَمَا قيل من أَن حَقِيقَة الْإِيمَان لَا تزيد وَلَا تنقص لما مر أَنه التَّصْدِيق القلبي الَّذِي بلغ حد الْجَزْم والاذعان وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِيهِ زِيَادَة وَلَا نقص حَتَّى إِن من حصل لَهُ حَقِيقَة التَّصْدِيق القلبي فَسَوَاء عمل الطَّاعَات أَو ارْتكب الْمعاصِي فتصديقه لَا تغير فِيهِ أصلا رد بِأَنا لَا نشك أَن تَصْدِيق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَعلَى وأكمل من تَصْدِيق غَيرهم وَإِن تَصْدِيق أبي بكر أَعلَى من تَصْدِيق غَيره من بَقِيَّة النَّاس وَيُؤَيِّدهُ أَن كل أحد يعلم أَن مَا فِي قلبه يتفاضل حَتَّى يكون فِي بعض الْأَحْوَال أعظم يَقِينا وإخلاصا وتوكلا مِنْهُ فِي بَعْضهَا وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيق والمعرفة بِحَسب ظُهُور الْبَرَاهِين وَكَثْرَتهَا فَكُن من الْإِيمَان فِي مزِيد وَفِي صفاء الْقلب ذَا تَجْدِيد أَي كن أَيهَا الْمُكَلف الْمُخَاطب فِي نَفِيس عمرك من الْإِيمَان فِي تَحْصِيل مزِيد مِنْهُ بِكَثْرَة الصَّلَاة والطاعات فَرضهَا ونفلها وَترك مَا للنَّفس من شهوات نفسانية أَو بهيمية مُحرمَة أَو مَكْرُوهَة وَإِيَّاك ثمَّ إياك أَن يَقع مِنْك نقص فِي إيمانك بارتكاب مَعْصِيّة من معاصي الله تَعَالَى فَتَقَع فِي خسران عمرك النفيس الَّذِي لَا يعدل مِنْهُ لَحْظَة مِنْهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهُوَ رَأس مَالك الَّذِي تربح فِيهِ السَّعَادَة الأبدية والعيشة المرضية وَكن دَائِما ساعيا فِي صفاء قَلْبك من الكدورات البشرية ذَا تَجْدِيد لَهُ فَكلما صفيته من كدر وَحدث فِيهِ كدر آخر من جنسه أَو من غير جنسه سعيت فِي تنقيته مِنْهُ حَتَّى لَا يزَال قَلْبك صافيا وَأَنت بالإجتهاد فِي إِصْلَاحه ساعيا بِكَثْرَة الصَّلَاة والطاعات وَترك مَا لنَفسك من الشَّهَوَات فَكلما تحركت إِلَى شَهْوَة فتداركها ببصيرتك وفر مِنْهَا بِصدق التجائك إِلَى مَوْلَاك وَكن مستنصرا بِرَبِّك على قَلْبك ومستعينا على نَفسك بقلبك فبدوام تصفيتك تحصل جمعيتك وَلِهَذَا كَانَ أَكثر الصُّوفِيَّة على أَنه إِنَّمَا سمي الصوفى بذلك لِكَثْرَة تصفيته قلبه قَالَ سهل بن عبد الله الصُّوفِي من صفا من الكدر وامتلأ من العبر وَانْقطع إِلَى الله عَن الْبشر وتساوى عِنْده الذَّهَب والمدر وَقَالَ الْغَزالِيّ كَانَ اسْم الْفَقِيه فِي الْعَصْر الأول لمن علم طَرِيق الْآخِرَة ودقائق آفَات النُّفُوس ومفسدات الْأَعْمَال واستيلاء الْخَوْف على الْقلب دون من علم الْفُرُوع الْعَرَبيَّة وَأَحْكَام الْفَتَاوَى وَقَول النَّاظِم بِكَثْرَة وَترك مُتَعَلق بِكُل من مزِيد وتجديد وَفِي بعض النّسخ فشهوة النَّفس مَعَ الذُّنُوب موجبتان قسوة الْقُلُوب أَي ارْتِكَاب الْمُكَلف لشهوات نَفسه وارتكابه الذُّنُوب الطالبة لَهَا مقتضيات قسوة قلبه
1 / 6
وَإِن أبعد قُلُوب النَّاس من رَبنَا الرَّحِيم قلب قاسي أَي أبعد النَّاس من رَحمَه رَبنَا الرَّحِيم صَاحب الْقلب القاسي لخَبر التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تكثروا الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله فَإِن كَثْرَة الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله قسوة للقلب وَإِن أبعد النَّاس من الله الْقلب القاسي وَفِي مُسْند الْبَزَّار عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة من الشَّقَاء جمود الْعين وقساوة الْقلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا وَفِي ذكر رَبنَا وَوَصفه بالرحيم مُبَالغَة فِي التَّعَبُّد وَفِي نُسْخَة بدل هَذَا الْبَيْت وَإِن من أبعد قُلُوب النَّاس لربنا الرَّحِيم قلب قاسي فدال أبعد سَاكِنة وَوَصلهَا بنية الْوَقْف وَاللَّام فِي لربنا مُتَعَلقَة بأبعد وَهُوَ بِمَعْنى من أوعن وقلب مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ خَبره قاسى وَالْجُمْلَة خبر لِأَن وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن وَعَلِيهِ حمل خبر إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون وَلَا يحمل على زِيَادَة من خلافًا للكسائي وَسَائِر الْأَعْمَال لَا تخلص إِلَّا مَعَ النِّيَّة أَي إِن سَائِر الْأَعْمَال لَا يخلص فاعلها من عُهْدَة تَكْلِيفه بهَا بِأَن تقع صَحِيحَة مجزئة مثابا عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّة والأعمال جمع عمل وَهُوَ يتَنَاوَل عمل اللِّسَان والجنان والأركان وَظَاهر أَن النِّيَّة لَا تحْتَاج إِلَى نِيَّة أُخْرَى فتندرج فِيهَا الْعِبَادَات وَغَيرهَا كطهارة الْحَدث وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَالْعمْرَة وَالْأُضْحِيَّة وَالْهدى والعقيقة وَالْكَفَّارَة وَالْجهَاد وَالصَّدقَات وَقَضَاء حوائج النَّاس وعيادة المرضى وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَابْتِدَاء السَّلَام ورده وتشميت الْعَاطِس وَجَوَابه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإجَابَة الدَّعْوَى وَحُضُور مجْلِس الْعلم والإذكار وزيارة الأخوان والقبور وَالنَّفقَة على الْأَهْل والضيفان وإكرام أهل الْفضل وَذَوي الْأَرْحَام ومذاكرة الْعلم والمناظرة فِيهِ وتكريره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ومطالعته وكتابته وتصنيفه وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاء وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق والنصيحة والإعانة على الْبر وَالتَّقوى وَقبُول الْأَمَانَات وأداؤها وَأما الْوَاجِب الَّذِي لم يشرع عبَادَة كرد الْمَغْصُوب والمباح وَالْمَكْرُوه وَالْمحرم فَلَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة وَلَكِن لَا يُثَاب عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّة فَيَنْبَغِي استحضار النِّيَّة عِنْد الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم بِأَن يقْصد بهَا التَّقْوَى على الطَّاعَة وَعند جماع موطوءته بِأَن يقْصد بِهِ المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ وإيصال الْمَرْأَة حَقّهَا وإعفافها وإعفاف نَفسه وَتَحْصِيل ولد صَالح ليعبد الله وَعند عمل حِرْفَة كالزراعة بِأَن يقْصد بهَا إِقَامَة فرض الْكِفَايَة ونفع الْمُسلمين وَالضَّابِط أَنه مَتى قصد بِالْعَمَلِ امْتِثَال أَمر الشَّارِع وبتركه الإنهاء بنهي الشَّارِع كَانَ مثابا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَعلم أَن التروك وَنَحْوهَا وَإِن كَانَت لَا تفْتَقر إِلَى نِيَّة فِي عُهْدَة الْخُرُوج من التَّكْلِيف بهَا لكنه لَا يُثَاب عَلَيْهَا إِلَّا بهَا وَالْكَلَام على النِّيَّة من سَبْعَة أوجه نظمها بَعضهم فِي قَوْله ... حَقِيقَة حكم مَحل وزمن ... كَيْفيَّة شَرط ومقصود حسن ... والمرجح أَن إيجادها ذكرا فِي أول الْعَمَل ركن واستصحابها حكما بِأَن لَا يَأْتِي بمناف لَهَا شَرط فَمَا أفهمهُ ظَاهر قَوْله مَعَ النِّيَّة من أَنَّهَا شَرط للصِّحَّة خَارج عَن الْمَاهِيّة مصاحب لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار شَرطهَا حَتَّى لَا يُخَالف الْمَشْهُور من أَنَّهَا ركن وَاللَّام فِيهَا للْعهد أَو معاقبة للضمير على رَأْي وَالتَّقْدِير إِلَّا مَعَ نياتها ككون الْعَمَل صَلَاة أَو غَيرهَا ظهرا مثلا أَو غَيرهَا وَكَونه فرضا مثلا حَيْثُ تخلص أَي أَنه لَا بُد فِي حُصُول الثَّوَاب على الْعَمَل من إخلاص نِيَّة فَاعله مَعَ الله تَعَالَى بِأَن لم يُشْرك فِيهَا غَيره وَقد عبر عَن الْإِخْلَاص بعبارات شَتَّى ترجع إِلَى أَنه تصفية الْفِعْل عَن الملاحظة للمخلوق وَمَا أَفَادَهُ كَلَام المُصَنّف من أَن الْعَامِل إِذا شرك فِي عمله بَين أَمر ديني ودنيوي لَا أجر لَهُ مُطلقًا هُوَ مااختاره ابْن عبد السَّلَام وَغَيره واستظهره الزَّرْكَشِيّ وَالْأَوْجه مَا اخْتَارَهُ الغزالى من اعْتِبَار الْبَاعِث فَإِن كَانَ الْأَغْلَب الديني
1 / 7
فَلهُ أجر بقدرة أَو الدنيوى فَلَا أجر لَهُ وَإِن تَسَاويا تساقطا وَقَول النَّاظِم حَيْثُ تخلص مَبْنِيّ للْمَفْعُول فصحح النِّيَّة قبل الْعَمَل وائت بهَا مقرونة بِالْأولِ أَي يجب على من أَرَادَ عملا تَصْحِيح نِيَّته قبل عمله وقرنها بِأول وَاجِب مِنْهُ كالوجه فِي الْوضُوء فَلَا يَكْفِي قرنها بِمَا بعده لخلو أول الْوَاجِبَات عَنْهَا وَلَا بِمَا قبله لِأَنَّهُ سنة تَابِعَة للْوَاجِب الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود وَإِنَّمَا لم يُوجب الْمُقَارنَة فِي الصَّوْم لعسر مراقبة الْفجْر وتطبيق النِّيَّة عَلَيْهِ فَيصح بنية متراخية عَن الْعَمَل إِن كَانَ تَطَوّعا ومتقدمة عَلَيْهِ إِن كَانَ فرضا وَلَيْسَ لنا فِي الْعِبَادَات مَا يجوز تَقْدِيم النِّيَّة عَلَيْهِ غير الصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة نعم شرطُوا فِي الزَّكَاة أَن تكون النِّيَّة صدرت بعد تعْيين الْقدر الَّذِي يُخرجهُ فَإِن كَانَت قبله فَلَا وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة كَذَلِك وَالتَّحْقِيق أَنه لَيْسَ لنا مَا تمْتَنع مقارنته وَيجب تَقْدِيمه غير الصَّوْم وَأما مَا يجوز تقدمه فَهُوَ الْبَاقِي وَالضَّابِط أَن مَا دخل فِيهِ بِفِعْلِهِ اشْترطت فِيهِ الْمُقَارنَة كَالصَّلَاةِ وَمَا دخل فِيهِ لَا بِفِعْلِهِ لَا تشْتَرط كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَو نوى ثمَّ طلع الْفجْر وَهُوَ نَائِم صَحَّ صَوْمه فقد دخل فِيهِ بِدُونِ فعله وألحقت الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة بِالصَّوْمِ لِأَنَّهَا قد تقع بِغَيْر فعله بالنيابة (وَإِن تدم) النِّيَّة (حَتَّى بلغت آخِره) أَي الْعَمَل (حزت الثَّوَاب كَامِلا فِي الْآخِرَة أَي ينْدب اسْتِدَامَة نِيَّة الْعَمَل ذكرا إِلَى إِتْمَامه لِئَلَّا يَخْلُو عَنْهَا حَقِيقَة أما استدامتها حكما بِأَن لَا يَأْتِي بِمَا ينافيها فَوَاجِب كَمَا مر وَقَوله تدم بِضَم التَّاء وَكسر الدَّال أَو بِفَتْح التَّاء وَضم الدَّال ففاعلة على الأول ضمير الْمُخَاطب وعَلى الثَّانِي ضمير النِّيَّة (وَنِيَّة وَالْقَوْل ثمَّ الْعَمَل بِغَيْر وفْق سنة لَا تكمل) أَي أَن النِّيَّة وَالْقَوْل وَالْعَمَل إِن وَقعت على غير وفْق سنة رَسُول الله ﷺ أَي شَرِيعَته لَا تكمل أَي لَا تعْتَبر لِأَنَّهَا مَعْصِيّة أَو قريبَة مِنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَلَو عبر بِلَا تحصل لَكَانَ أنسب (من لم يكن يعلم ذَا فليسأل) أَي من لم يعلم مَا مر بِأَن جَهله أَو شَيْئا مِنْهُ فالإشارة بذا إِلَيْهِ فليسأل أهل الْعلم وجوبا إِن كَانَ وَاجِبا وندبا إِن كَانَ مَنْدُوبًا لقَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وهم أهل الْعلم (من لم يجد معلما فليرحل) أَي من لم يجد معلما يُعلمهُ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَمر دينه ومعاشه فليرحل وجوبا لتعلم الْوَاجِب وندبا للمندوب فقد رَحل الْكَرِيم للاستفادة من الْخضر ورحل جَابر ابْن عبد الله مسيرَة شهر إِلَى عبد الله بن أنيس فِي حَدِيث وَاحِد (وَطَاعَة مِمَّن حَرَامًا يَأْكُل مثل الْبناء فَوق موج يَجْعَل) أَي أَن فعل الطَّاعَة من صَلَاة وَصَوْم وَحج وَغير ذَلِك مِمَّن يَأْكُل أَو يشرب أَو يلبس حَرَامًا عَالما بِهِ مثل وَاضع بِنَاء فَوق موج بَحر عجاج بِأَن يَجعله أساسا لَهُ وَمَعْلُوم أَنه لَا يثبت عَلَيْهِ فقد روى من حَدِيث ابْن عمر ﵄ (من لم يُبَالِي من أَيْن اكْتسب المَال لم يبال الله من أَيْن أدخلهُ النَّار) وَتَخْصِيص النَّاظِم الْأكل لِأَنَّهُ أغلب الإنتفاعات ثمَّ شرع فِي ذكر شَيْء من أصُول الدّين وَهِي الْعلم بالعقائد الدِّينِيَّة عَن الْأَدِلَّة اليقينية فَقَالَ (فاقطع يَقِينا) من غير تردد (بالفؤاد) أَي الْقلب واجزم بِحَدَث بِفَتْح الْحَاء أَي تجدده بعد أَن لم يكن (الْعَالم بعد الْعَدَم) أَي يجب على الْمُكَلف أَن يتَيَقَّن بفؤاده وبحزم بِلِسَانِهِ بِكَوْن الْعَالم حَادِثا وَهُوَ مَا سوى الله تَعَالَى أوصائه وَقد أجمع على ذَلِك أهل الْملَل إِلَّا الفلاسفة وَقَوله يَقِينا مَنْصُوب على الْحَال أَي متيقنا أَو مفعول مُطلق (أحدثه) أوجده (لَا لاحتياجه الْإِلَه) أَي أَن
1 / 8
الْمُحدث للْعَالم هُوَ الله تَعَالَى كَمَا جَاءَ بِهِ السّمع وَدلّ عَلَيْهِ الْعقل فَإِن احدنا لَيْسَ بِقَادِر على خلق جارحة لنَفسِهِ أورد سمع أَو بصر فِي كَمَال قدرته وَتَمام عقله فَفِي كَونه نُطْفَة أَو عدما أولى فَوَجَبَ أَن الْخَالِق هُوَ الله ﷾ وَدلّ على أنفراده بذلك دلَالَة التمانع الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ إِذْ لَو جَازَ كَونه اثْنَيْنِ لجَاز أَن يُرِيد أَحدهمَا شَيْئا وَالْآخر ضِدّه الَّذِي لَا ضد لَهُ غَيره كحركة زيد وسكونه بِأَن تتَعَلَّق الإرادتان مَعًا بإيجادهما فِي وَقت وَاحِد لِأَن كلا مِنْهُمَا أَمر مُمكن فِي نَفسه وَلذَا تعلّقت الْإِرَادَة بِكُل مِنْهُمَا إِذْ لَا تضَاد بَين الإرادتين بل بَين المرادين والممكن لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فَيمْتَنع وُقُوع المرادين وَعدم وقوعهما لِامْتِنَاع اجْتِمَاع الضدين الْمَذْكُورين وارتفاعهما فَيتَعَيَّن وُقُوع أَحدهمَا فَيكون مريده هُوَ الْإِلَه دون الآخر لعَجزه فَلَا يكون الْإِلَه إِلَّا وَاحِدًا (وَلَو أَرَادَ تَركه لما ابتداه) أَي أَنه فَاعل بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالذَّاتِ إِن اراد فعل وَإِن أَرَادَ ترك إِذْ الْكل مُتَعَلق بإرادته ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن (فَهُوَ لما يُريدهُ فعال) أى أَنه فعال لما يُريدهُ خلافًا للفلاسفة الْقَائِلين بِأَنَّهُ موجد بِالذَّاتِ وَقد نطق الْقُرْآن الْعَظِيم بِأَنَّهُ فعال لما يُرِيد وَهُوَ كَمَا قَالَه أهل السّنة عَام فِي الْخَيْر وَالشَّر خلافًا اللمعتزلة حَيْثُ قَالُوا إِنَّمَا يُرِيد الْخَيْر فَهُوَ فعال لَهُ دون الشَّرّ وَقد أَشَارَ إِلَى مَذْهَبهم عبد الْجَبَّار مُخَاطبا للأستاذ أبي إِسْحَاق بقوله سُبْحَانَ من تنزه عَن الْفَحْشَاء فَأَجَابَهُ الْأُسْتَاذ بقوله سُبْحَانَ من لَا يجرى فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء (وَلَيْسَ فِي الْخلق لَهُ مِثَال) أَي أَنه لَيْسَ فِي الْخلق بأسرهم لَهُ مِثَال لِأَنَّهُ لَو حصلت الْمُمَاثلَة بَينه وَبَين خلقه لم يكن وَاحِدًا لِأَن الْوَاحِد هُوَ الَّذِي لَا مثل لَهُ إِذْ لَو كَانَ لَهُ مثل لزم كَونه خَالِقًا ومخلوقا وقديما وحادثا مَعًا لِأَن مَا وَجب للمثل وَجب لمثله وكل ذَلِك محَال عقلا فَلَيْسَ كذاته ذَات وَلَا كَفِعْلِهِ فعل وَلَا كصفاته صفة جلت ذَاته الْقَدِيمَة عَن أَن يكون لَهَا صفة حَادِثَة كَمَا اسْتَحَالَ أَن يكون للذات الْحَادِثَة صفة قديمَة وَلِهَذَا أعظم الْمِنَّة على أهل التَّوْحِيد وأجزل النِّعْمَة على ذوى التَّحْقِيق حَيْثُ أعتق أسرهم عَن رق عبودية مَاله مثل وَعبادَة مَاله شكل وَلما كَانَ المعبود سُبْحَانَهُ لَا مثل لَهُ حق للعابدين أَن لَا يذروا مَقْدُورًا إِلَّا بذلوه وَلَا يغادروا معسورا فِي طلبه إِلَّا تَحملُوهُ إِذْ لايجوز بذل المهج إِلَّا فِي طلب الْعَزِيز الَّذِي لَا مثل لَهُ ﷾ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الاسفراينى جمع أهل الْحق جَمِيع مَا قيل فِي التَّوْحِيد فِي كَلِمَتَيْنِ إِحْدَاهمَا اعْتِقَاد أَن كل مَا تصور فِي الأوهاو فَالله تَعَالَى بِخِلَافِهِ لِأَن الَّذِي يتَصَوَّر فِي الأوهام مَخْلُوق لله تَعَالَى وَالله تَعَالَى خالقه وَالثَّانيَِة اعْتِقَاد أَن ذَاته لَيست مشبهة بِذَات وَلَا معطلة عَن الصِّفَات وَقد أكد ذَلِك بقوله ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَهَذَا غَايَة فِي الإيجاز والجودة (قدرته لكل مَقْدُور جعل) أَي أَن قدرته تَعَالَى شَامِلَة لكل مَقْدُور من الممكنات الْجَوَاهِر والأعراض الْحَسَنَة والقبيحة النافعة والضارة فتعلقات قدرته لَا تتناهى وَإِن كَانَ كل مَا تعلّقت بِهِ بِالْفِعْلِ متناهيا فمتعلقاتها بِالْقُوَّةِ غير متناهية وبالفعل متناهية وَهَكَذَا القَوْل فِي متعلقات علمه تَعَالَى وَأَشَارَ بقوله (لكل مَقْدُور جعل) إِلَى أَن مُتَعَلق الْقُدْرَة الممكنات أما المستحيلات فلعدم قابليتها للوجود لم تصلح أَن تكون محلا لتَعلق الْقُدْرَة لَا لكلال فِيهَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ ﴿وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا﴾ ﴿وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ فبإذن الله﴾ أَي بِقَضَائِهِ وَقدره ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ﴾ وَفِي الْخَبَر الصَّحِيح (كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر) (وَعلمه لكل مَعْلُوم شَمل) اى إِن علمه تَعَالَى شَامِل لكل مَعْلُوم مَكَانا أَو مُتَمَكنًا جوهرا أَو عرضا وجودا أَو عدما جزئيا أَو كليا وَاجِبا أَو جَائِزا أَو محالا قَدِيما أَو حَادِثا يعلم ذَلِك بِعلم وَاحِد قديم لَا بِتَعَدُّد بتعداد المعلومات وَلَا يَتَجَدَّد بتجددها
1 / 9
وَلَيْسَ بمكتسب وَلَا ضرورى لقَوْله تَعَالَى ﴿أحَاط بِكُل شَيْء علما﴾ ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ ﴿عَالم الْغَيْب لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وأطبق الْمُسلمُونَ على أَنه تَعَالَى يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَن علمه مُحِيط بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء جملَة وتفصيلا وَكَيف لَا وَهُوَ خَالِقهَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ وَقَول النَّاظِم جعل مبْنى للْمَفْعُول أَو للْفَاعِل وَقَوله شَمل بِكَسْر الْمِيم وبجوز فتحهَا (مُنْفَرد بالخلق وَالتَّدْبِير أى أَنه تَعَالَى مُنْفَرد باختراع الْأَعْيَان والْآثَار والجواهر والأعراض لَا يخرج حَادث عَن أَن يكون مخلوقا لَهُ فأفعال الْعباد الاختيارية وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وَحدهَا وَلَيْسَ لقدرتهم تَأْثِير فِيهَا بل الله تَعَالَى أجْرى عَادَته بِأَن يُوجد فِي العَبْد قدرَة واختيارا فَإِذا لم يكن هُنَاكَ مَانع أوجد فِيهِ فعله الْمَقْدُور مُقَارنًا لَهما فَيكون فعل العَبْد مخلوقا لله تَعَالَى إبداعا وإحداثا ومكسوبا للْعَبد وَالْمرَاد بِكَسْبِهِ لَهُ مقارنته لقدرته وإرادته من غير أَن يكون مِنْهُ تَأْثِير أَو مدْخل فِي وجوده سوى كَونه محلا لَهُ وَهُوَ مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ للأمور من غير مشارك لَهُ وَلَا معِين فَلَا يحدث حَادث فِي الْعَالم الْعلوِي وَلَا السفلي إِلَّا بتدبيره وإرادته وقضائه وحكمته قَالَ تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر﴾ أى يبرمه وينفذه بِمَا يُريدهُ عبر عَنهُ بِهِ تَقْرِيبًا إِذْ هُوَ عَالم بعواقب الْأُمُور كلهَا من غير نظر وَلَا فكر يعلم مَا يكون قبل أَن يكون ومالا يكون إِذْ لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَمن علم أَنه مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ لَا يفكر فِي تَدْبِير نَفسه بل يكل تَدْبيره إِلَى خالقه فَمن لَا خلق لَا تَدْبِير لَهُ قَالَ أهل الْمعرفَة من لم يدبر دبرله وَإِن كَانَ لابد من التَّدْبِير فدبر أَن لَا تدبر (جلّ عَن الشبيه والنظير) أى أَنه تَعَالَى جلّ عَن الشبيه والنظير فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله قَالَ الفاكهى الظَّاهِر أَن الشبيه والنظير والمثيل وَنَحْو ذَلِك أَسمَاء مترادفة وَيحْتَمل أَن يُقَال هُنَا تَعَالَى عَن الشبيه فِي ذَاته والنظير فِي صِفَاته (حى) والحياة صفة أزلية تقتضى صِحَة الْعلم لموصوفها (مُرِيد) والإرادة صفة أزلية تخصص أحد طرفى الشَّيْء من الْفِعْل وَالتّرْك بالوقوع (قَادر) وَالْقُدْرَة صفة أزلية تُؤثر فِي الشَّيْء عِنْد تعلقهَا بِهِ (علام) وَالْعلم صفة أزلية لَهَا تعلق بالشَّيْء على وَجه الْإِحَاطَة بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ (لَهُ الْبَقَاء) وَهُوَ اسْتِمْرَار الْوُجُود فَلَا أول لَهُ وَلَا آخر (والسمع) وَهُوَ صفة أزلية تحيط بالمسموعات وَاكْتفى بِذكر السّمع عَن الْبَصَر وَهُوَ صفة أزلية تحيط بالمبصرات (وَالْكَلَام) وَهُوَ صفة أزلية عبر عَنْهَا بالنظم الْمَعْرُوف الْمُسَمّى بِكَلَام الله أَيْضا ويسميان بِالْقُرْآنِ أَيْضا وَقَول النَّاظِم علام صِيغَة مُبَالغَة وَهَذِه الصِّفَات نظمها بَعضهم فِي قَوْله
حَيَاة وَعلم قدرَة وَإِرَادَة
كَلَام وابصار وَسمع مَعَ البقا ... فهذى صِفَات االله جلّ قديمه
لَدَى الأشعرى الحبر ذِي الْعلم والتقى
هَذَا مَذْهَب أهل الْحق إِلَّا أَن بعض أَئِمَّتنَا أنكر الثَّامِنَة وَهِي الْبَقَاء وَقَالَ هُوَ بَاقٍ بِذَاتِهِ لَا بِبَقَاء وَهَذِه الصِّفَات زَائِدَة على مَفْهُوم الذَّات وَلَيْسَت عينهَا وَلَا غَيرهَا كَمَا مر أما صِفَات الْأَفْعَال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وبجمعها اسْم التكوين فَلَيْسَتْ أزلية خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة بل هِيَ حَادِثَة أى متجددة لِأَنَّهَا إضافات تعرض للقدرة وهى تعلقاتها بوجودات المقدورات لأوقات وجوداتها وَلَا مَحْذُور فِي اتصاف البارى سُبْحَانَهُ بالإضافات كَكَوْنِهِ قبل الْعَالم وَمَعَهُ وَبعده وأزلية أَسْمَائِهِ الراجعة إِلَى صِفَات الْأَفْعَال من حَيْثُ رُجُوعهَا إِلَى الْقُدْرَة لَا الْفِعْل فالخالق مثل من شَأْنه الْخلق أى الَّذِي هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يَصح بهَا الْخلق وَهِي الْقُدْرَة كَمَا يُقَال المَاء فِي الْكوز مروأى هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يحصل بهَا الإرواء عِنْد مصادفة الْبَاطِن وَالسيف فِي الغمد قَاطع أى هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يحصل بهَا الْقطع عِنْد ملاقاة الْمحل فَإِن
1 / 10
أُرِيد بالخالق مِنْهُ من صدر مِنْهُ الْخلق فَلَيْسَ صدوره أزليا وَقَول النَّاظِم البقا بالقص بِالْقصرِ للوزن (كَلَامه كوصفه الْقَدِيم) أى كَلَام الله تَعَالَى النَّفْسِيّ صفة قديمَة كَبَقِيَّة صِفَاته الْقَدِيمَة بِحرف وَلَا صَوت لِأَنَّهُمَا عرضان حادثان ويستحيل اتصاف الْقَدِيم بالحادث وَهَذَا مَذْهَب أهل الْحق وَقد ذكر الْإِنْسَان فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين موضعا وَقَالَ إِنَّه مَخْلُوق وَذكر الْقُرْآن فِي أَرْبَعَة وَخمسين موضعا وَلم يقل إِنَّه مَخْلُوق وَلما جمع بَينهمَا نبه على ذَلِك فَقَالَ ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ ثمَّ تَارَة يدل عَلَيْهِ بالعبارة وَتارَة يدل عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ فَإِذا عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وبالعبرانية فتوارة وبالسريانية فإنجيل كَمَا إِذا ذكر الله تَعَالَى بلغات مُخْتَلفَة فالمسمى وَاحِد وَإِن كَانَت اللُّغَات مُخْتَلفَة أما الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهِ فمخلوق حَادِثَة لَكِن امْتنع الْعلمَاء من إِطْلَاق الْخلق والحدوث عَلَيْهَا إِذا سميت قُرْآنًا لما فِيهِ من الْإِيهَام (لم يحدث المسموع للكليم) أى الْكَلَام الَّذِي سَمعه الكليم مُوسَى ﷺ كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة لَا مجَازًا فَلَا يكون مُحدثا لما مر وَهَذَا معنى قَوْله (لم يحدث المسموع للكليم) أى لم يُوصف الْكَلَام المسموع للكليم بِأَنَّهُ مُحدث بل هُوَ قديم لِأَنَّهُ الصّفة الأزلية الْحَقِيقِيَّة وَلِأَنَّهُ كَمَا لم تتعذر رُؤْيَته تَعَالَى مَعَ أَنه لَيْسَ جسما وَلَا عرضا كَذَلِك لَا يتَعَذَّر سَماع كَلَامه مَعَ إِنَّه لَيْسَ حرفا وَلَا صَوتا وَقَوله يحدث بِضَم الْيَاء من أحدث أَو بِفَتْحِهَا من حدث فالمسموع مَنْصُوب على الأول بِكَوْنِهِ مَفْعُولا ومرفوع على الثَّانِي بالفا لمية (يكْتب فِي اللَّوْح وباللسان يقْرَأ كَمَا حفظ بالأذهان) أى أَن الْقُرْآن الْعَزِيز يُطلق عَلَيْهِ شرعا إطلاقا حَقِيقِيًّا لَا مجازيا أَنه مَكْتُوب فِي ألواحنا وَمَصَاحِفنَا بأشكال الْكِتَابَة وصور الْحُرُوف الدَّالَّة عَلَيْهِ قَالَ ﷺ (لَا تسافرو فِي الْقُرْآن إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو) وَلِهَذَا قَالَ بعض أَصْحَابنَا أَن ينْعَقد الْيَمين بالمصحف فِي حَالَة الْإِطْلَاق وَأَنه مقروء بألسنتنا بِحُرُوفِهِ الملفوظة المسموعة بآذاننا وَلِهَذَا حرمت قِرَاءَة الْقُرْآن على ذى الْحَدث الْأَكْبَر وَأَنه لمحفوظ بأذهاننا فِي صدورنا واتصاف الْقُرْآن بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وَبِأَنَّهُ غير مَخْلُوق أى مَوْجُود أزلا وابدا اتصاف لَهُ بِاعْتِبَار وجودات الموجودات الْأَرْبَعَة فان لكل مَوْجُود وجودا فِي الْخَارِج ووجودا فِي الذِّهْن ووجودا فِي الْعبارَة ووجودا فِي الْكِتَابَة فَهِيَ تدل على الْعبارَة وَهُوَ على مَا فِي الذِّهْن وَهُوَ على مَا فِي الْخَارِج فالقرآن بِاعْتِبَار الْوُجُود الذهنى مَحْفُوظ فِي الصُّدُور وَبِاعْتِبَار الْوُجُود اللساني مقروء بالألسنة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْبَيَانِي مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْخَارِجِي وَهُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة لَيْسَ فِي الصُّدُور وَلَا فِي الْأَلْسِنَة وَلَا فِي الْمَصَاحِف (أرسل رسله بمعجزات ظَاهِرَة لِلْخلقِ باهرات) أى يجب على كل مُكَلّف اعْتِقَاد أَن الله تَعَالَى أرسل الرُّسُل من الْبشر إِلَى الْبشر مبشرين لأهل الْإِيمَان وَالطَّاعَة بالثواب وَالْجنَّة ومنذرين لأهل الْكفْر والعصيان بالعقاب وَالنَّار لتبليغ الرسَالَة وَبَيَان مَا أنزل عَلَيْهِم مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من أَمر الدُّنْيَا وَالدّين ولإقامة حجَّة الله على خلقه لقَوْله تَعَالَى ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وبدونهم لَا يُمكن الْوُصُول إِلَى الله وَلَا يَصح سلوك الطَّرِيق إِلَيْهِ لِأَن الْعقل لَا يسْتَقلّ بِإِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأحوال الْقِيَامَة وأيدهم بالمعجزات الظاهرات الباهرات إِذْ مدعى الرسَالَة لَا بُد لَهُ من دَلِيل على دَعْوَاهُ والمعجزة دَلِيله وَالْمرَاد الْحجَّة الظَّاهِرَة الَّتِي يُشَارِكهُ فِي الْعلم بهَا خلقه أما الْحجَّة الْحَقِيقِيَّة الْمُنْفَرد هُوَ بعلمها فَهِيَ قَائِمَة على الْخلق بِدُونِ الرُّسُل لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حكم عدل وَقد روى أَن عدد الأنبءيا مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل مِائَتَا ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل ألف ألف وَمِائَتَا ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا عدد الْمُرْسلين مِنْهُم ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر وَقيل وَأَرْبَعَة عشر وَالْمَذْكُور مِنْهُم فِي الْقُرْآن بأسماء الْأَعْلَام ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نَبيا آدم وَإِدْرِيس ونوح وَهود وَصَالح وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق
1 / 11