غريب الحديث
محقق
د. عبد الله الجبوري
الناشر
مطبعة العاني
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٣٩٧
مكان النشر
بغداد
قَالَ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة قَالَ
الْحَمد لله أهل الْحَمد ووليه وَالْهَادِي إِلَيْهِ والمثيب بِهِ أَحْمَده بأرضى الْحَمد لَهُ وأزكاه لَدَيْهِ على تظاهر آلائه وَجَمِيل بلائه حمدا يكافي نعمه ويوافي مننه وَيُوجب مزيده وأسأله أَن يشغلنا بِذكرِهِ ويلهجنا بشكره وينفعنا بحب الْقُرْآن وَاتِّبَاع الرَّسُول ﵇ وَحسن الْقبُول لما أدياه ويصرفنا عَن سبل الجائرين إِلَى سَوَاء السَّبِيل وينور بِالْعلمِ قُلُوبنَا وَيفتح بالحكمة أسماعنا وَيسْتَعْمل بِالطَّاعَةِ أبداننا ويجعلنا مِمَّن صمت ليسلم وَقَالَ ليغنم وَكتب ليعلم وَعلم ليعْمَل ونعوذ بِاللَّه من حيرة الْجَهْل وفتنة الْعلم وإفراط التعمق وَأَن يشغلنا التكاثر بِالْعلمِ عَن التفقه فِيهِ ويقطعنا مَا وَضعه الله عَنَّا عَمَّا كلفنا فِيهِ وَأَن يسْلك بِنَا إِلَيْهِ فِي غير طَرِيقه ويقحمنا فِيهِ من غير بَابه فكم من طَالب حَظه العناء وضارب فِي الأَرْض غنيمته الإياب يجوب الْبِلَاد ويغني التلاد وَيقطع الرَّحِم ويضيع الْعِيَال صَابِرًا على جَفا الغربة وَطول الْعزبَة وخشونة الْمطعم ورثاثة
1 / 147
الْهَيْئَة مبيته الْمَسَاجِد ومصباحه الْقَمَر وَطَعَامه قفار وهجوعه غرار وهمه الْجمع دون التفقه فِيهِ والطرق دون الْمُتُون والغرائب دون السّنَن والاستكثار من أَسمَاء الرِّجَال حَتَّى يعود كَمَا بَدَأَ لم يحل مِمَّا طلب إِلَّا بأسفار حملهَا وَلم يَنْفَعهُ علمهَا وَلَو يسر للصَّوَاب لعلم أَن أوجب عَلَيْهِ من حَدِيث أسلم سَالَمَهَا الله وغفار غفر الله لَهَا وَعصيَّة عَصَتْ الله.
وَمن الحَدِيث فِي أكل رَسُول الله ﷺ لحم حبارى أَن تسْأَل عَن معنى قَوْله ﵇ فِي يَوْم الْجُمُعَة من غسل واغتسل وَبكر وابتكر واستمع وَلم يلغ كفر ذَلِك مَا بَين الجمعتين يعرف معنى مَا غسل واغتسل وَيعرف الْفرق بَين بكر وابتكر فَيَأْخُذ بِهِ ليكفر الله عَنهُ وَأَن يسْأَل عَن قَوْله للرجل الَّذِي سَأَلَهُ أَن يقْضِي بَينه وَبَين خَصمه بِكِتَاب الله لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله ثمَّ قضى بِالرَّجمِ والتغريب وَلَيْسَ لَهما فِي الْقُرْآن ذكر ليعرف ذَلِك فَلَا يقْدَح فِي صَدره عَارض من الشكوك فِيمَا يَدعِيهِ قوم من أهل الْبدع على أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ببتر الْقُرْآن ونقصه وَتغَير كثير مِنْهُ عَن جِهَته فَيهْلك باتهام السّلف الْبَراء مِمَّا قرفوهم بِهِ وَأَن يسْأَل عَن قَوْله لَو جعل الْقُرْآن فِي إهَاب ثمَّ ألقِي فِي النَّار مَا احْتَرَقَ ليعلم مَعْنَاهُ وَلَا يدْخل قلبه ريب إِذا رأى الْمَصَاحِف تحترق بالنَّار وَرَأى الْمُلْحِدِينَ يغمزون بِهَذَا الحَدِيث ويطعنون بِهِ على الْمُسلمين وَأَن
1 / 148
يسْأَل عَن قَوْله كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ليعلم تَأْوِيله فَلَا يعلق بِقَلْبِه الهول بِالْقدرِ.
وَعَن قَوْله الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان كَيفَ جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة شُعْبَة من الْإِيمَان وَهُوَ عمل وَلم سمي الْغُرَاب فَاسِقًا والغراب غير مُكَلّف وَلَا مَأْمُور وَلم تعوذ فِي وَقت من الْفقر وَسَأَلَ الله غناهُ وغنى مَوْلَاهُ وَسَأَلَ فِي وَقت أَن يحييه مِسْكينا ويميته مِسْكينا ويحشره فِي زمرة الْمَسَاكِين وَقَالَ الْفقر أحسن بِالْمُؤمنِ من العذار الْحسن على حد الْفرس ليعلم معنى الْحَدِيثين فَلَا يتَوَهَّم على نقلة الحَدِيث مَا يشنع بِهِ ذَوُو الْأَهْوَاء عَلَيْهِم فِي مثل هَذِه الْأَحَادِيث من حمل الْكَذِب والمتناقض حَتَّى قَالَ بَعضهم من الرجز ... يروي أَحَادِيث ونروي نقضهَا ...
وَعَن قَوْله لعن الله السَّارِق يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده وَيسْرق الْحَبل فتقطع يَده وَأهل الْعلم مجمعون على أَنه لَا يقطع مِمَّا دون ثمن الْمِجَن الْمَذْكُورَة قِيمَته والخوارج تخالفهم وتوجب عَلَيْهِ الْقطع فِي كل شَيْء قل أَو كثر لقَوْله ﷿: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ .
فَإِذا احْتج عَلَيْهِم مُحْتَج بِهَذَا الحَدِيث الْمِجَن عارضوه بِهَذَا الحَدِيث مَعَ ظَاهر الْكتاب وَأَن يسْأَل عَن قَوْله ضرس الْكَافِر فِي النَّار مثل أحد وكثاقة جلده أَرْبَعُونَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْجَبَّار.
وَعَن قَوْله: (لَا تسبوا الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن) .
وَعَن قَوْله: (آخر وَطْأَة وَطئهَا الله بوج) وَعَن قَوْله (إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن) وَأَن يسْأَل عَن قَوْله: (الكاسيات
1 / 149
العاريات لَا يدخلن الْجنَّة) ليعلم كَيفَ يكون الكاسي عَارِيا وَعَن قَول أبي بكر ﵁: (سلوا الله الْعَافِيَة والمعافاة) لعرف مَا الْفرق بَينهمَا فنسأل الله مَا يُعلمهُ.
وَعَن قَول ابْن عَبَّاس حِين ذكر عِنْده قَول عَليّ ﵇ فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ: حرمتهن آيَة وأحلتهن آيَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس تحرمهن عَليّ قَرَابَتي مِنْهُنَّ وَلَا تحرمهن عَليّ قرَابَة بَعضهنَّ من بعض وأية قرَابَة بَين الرجل وَامْرَأَته وَمَا الْآيَة الْمحلة للْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَالْآيَة الْمُحرمَة لَهُ.
وَمثل هَذَا كثير يطول بِذكرِهِ الْكتاب وَفِيمَا ذكرت فِيهِ مَا دلّ على مَا أوردت وستقف على تَفْسِير هَذِه الْأَحَادِيث فِي أَضْعَاف الْكتاب إِن شَاءَ الله.
وَقد كَانَ تعرف هَذَا وأشباهه عسيرا فِيمَا مضى على من طلبه لِحَاجَتِهِ إِلَى أَن يسْأَل عَنهُ أهل اللُّغَة وَمن يكمل مِنْهُم ليفسر غَرِيب الحَدِيث وفتق مَعَانِيه وَإِظْهَار غوامضه قَلِيل فَأَما زَمَاننَا هَذَا فقد كفى حَملَة الحَدِيث فِيهِ مُؤنَة التَّفْسِير والبحث بِمَا أَلفه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ثمَّ بِمَا ألفناه فِي هَذَا بِحَمْد الله.
وَقد كنت زَمَانا أرى أَن كتاب أبي عبيد قد جمع تَفْسِير غَرِيب الحَدِيث وَأَن النَّاظر فِيهِ مستغن بِهِ ثمَّ تعقبت ذَلِك بِالنّظرِ والتفتيش والمذاكرة فَوجدت مَا تَركه نَحوا مِمَّا ذكر أَو أَكثر مِنْهُ فتتبعت مَا أغفل وفسرته على نَحْو مِمَّا فسر بِالْإِسْنَادِ لما عرفت
1 / 150
إِسْنَاده وَالْقطع لما لم أعرفهُ وأشبعت ذَلِك بِذكر الِاشْتِقَاق والمصادر والشواهد من الشّعْر وكرهت أَن يكون الْكتاب مَقْصُورا على الْغَرِيب فأودعته من قصار أَخْبَار الْعَرَب وأمثالها وَأَحَادِيث السّلف وَأَلْفَاظهمْ مَا يشاكل الحَدِيث أَو يُوَافق لَفظه لَفْظَة لتكثر فَائِدَة الْكتاب ويمتع قارئه وَيكون عونا على مَعْرفَته وَتَحفظه وَلم أعرض لشَيْء مِمَّا ذكره أَبُو عبيد إِلَّا أَحَادِيث وَقع فِيهَا ذَلِك فنبهت عَلَيْهِ ودللت على الصَّوَاب فِيهِ وأفردت لَهَا كتابا يدعى كتاب إصْلَاح الْغَلَط وَإِلَّا حروفا تعرض فِي بَاب وَلَا يعْمل ذَلِك الْبَاب إِلَّا بذكرها فَذَكرتهَا بِزِيَادَة فِي التَّفْسِير والفائدة وَلنْ يخفى ذَلِك على من جمع بَين الْكِتَابَيْنِ وَكنت حِين ابتدأت فِي عمل الْكتاب اطَّلَعت عَلَيْهِ قوما من حَملَة الْعلم والطالبين لَهُ وأعجلتهم الرَّغْبَة فِيهِ والحرص على تدوينه عَن انْتِظَار فراغي مِنْهُ وسألوا أَن أخرج لَهُم من الْعَمَل مَا يرْتَفع فِي كل أُسْبُوع فَفعلت ذَلِك حَتَّى تمّ لَهُم الْكتاب وسمعوه وَحمله قوم مِنْهُم إِلَى الْأَمْصَار ثمَّ عرضت بعد ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة فَعمِلت بهَا كتابا ثَانِيًا يدعى كتاب الزَّوَائِد فِي غَرِيب الحَدِيث ثمَّ تدبرت الْكِتَابَيْنِ فَرَأَيْت الأصوب فِي الرَّأْي أَن أجمعهما وأقدم مَا سَبيله أَن يقدم وأوخر مَا سَبيله أَن يُؤَخر وأحذف مَا سَبيله أَن يحذف فَمن رأى ذَيْنك الْكِتَابَيْنِ على غير تأليف هَذَا الْكتاب فَليعلم أَنَّهَا شَيْء وَاحِد وَأَن الِاخْتِلَاف بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير ومكرر من التَّفْسِير وَرَأَيْت أَن أفتح كتابي هَذَا بتبيين الْأَلْفَاظ الدائرة بَين النَّاس فِي الْفِقْه وأبوابه
1 / 151
والفراض وأحكامها لتعرف من أَيْن أخذت تِلْكَ الْحُرُوف فيستدل بأصولها فِي اللُّغَة على مَعَانِيهَا كَالْوضُوءِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْأَذَان وَالصِّيَام وَالْعتاق وَالطَّلَاق وَالظِّهَار وَالتَّدْبِير وأشباهها مِمَّا لَا يكمل علم المتفقه والمفتي إِلَّا بِمَعْرِفَة أُصُوله ثمَّ اتبعت ذَلِك تَفْسِير مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من ذكر الْقُرْآن وسوره وأحزابه وَسَائِر كتب الله ثمَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث وَالْكتاب من ذكر الْكَافرين والظالمين والفاسقين وَالْمُنَافِقِينَ والفاجرين والملحدين وَمن أَيْن أَخذ كل اسْم مِنْهَا ثمَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من ذكر أهل الْأَهْوَاء الرافضة والمرجئة والقدرية والخوارج.
ثمَّ ابتدأت بتفسير غَرِيب حَدِيث النَّبِي ﷺ وضمنته الْأَحَادِيث الَّتِي يدعى بهَا على حَملَة الْعلم حمل المتناقض وتلوته بِأَحَادِيث صحابته رجلا رجلا ثمَّ بِأَحَادِيث التَّابِعين وَمن بعدهمْ وختمت الْكتاب بِذكر أَحَادِيث غير منسوبة سَمِعت أَصْحَاب اللُّغَة يذكرونها لَا أعرف أَصْحَابهَا وَلَا طرقها حَسَنَة الْأَلْفَاظ لطاف الْمعَانِي تضعف على الْأَحَادِيث الَّتِي ختم بهَا أَبُو عبيد كِتَابه أضعافا وَأَرْجُو أَن لَا يكون بَقِي بعد هذَيْن الْكِتَابَيْنِ من غَرِيب الحَدِيث مَا يكون لأحد فِيهِ مقَال.
وأسأل الله أَن ينفعنا بِمَا علمنَا ويتغمد برأفته زللنا ويوفقنا لصواب القَوْل وَالْعَمَل وَيجْعَل تعلمنا وتعليمنا لوجهه الْكَرِيم وثوابه الجسيم إِنَّه سميع قريب.
1 / 152
ذكر الْأَلْفَاظ فِي الْفِقْه وَالْأَحْكَام واشتقاقها
قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم فِي الْوضُوء وَمَا يعرض من الْأَلْفَاظ فِي أبوابه.
الْوضُوء
الْوضُوء للصَّلَاة
هُوَ من الْوَضَاءَة والوضاءة النَّظَافَة وَالْحسن وَمِنْه قيل فلَان وضيء الْوَجْه أَي نظيفه وَحسنه فَكَأَن الْغَاسِل لوجهه وضأه أَي نظفه بِالْمَاءِ وَحسنه وَمن غسل يَده أَو رجله أَو عضوا من أَعْضَائِهِ أَو سكن من شعث رَأسه بِالْمَاءِ فقد وضأه.
وَالْوُضُوء الَّذِي حَده الله تَعَالَى فِي كِتَابه للصَّلَاة هُوَ غسل الْوُجُوه وَالْأَيْدِي إِلَى الْمرَافِق وَالْمسح بالرؤوس والأرجل وَالْغسْل للرجل وَغَيرهَا يُسمى مسحا خبرنَا بذلك سهل بن مُحَمَّد عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ قَالَ وَقَالَ أَلا ترى أَنَّك تَقول تمسحت للصَّلَاة إِذا تَوَضَّأت لَهَا وَإِنَّمَا سمي الْغسْل مسحا لِأَن الْغسْل
1 / 153
للشَّيْء تَطْهِير لَهُ بإفراغ المَاء وَالْمسح تَطْهِير لَهُ بإمرار المَاء فالمسح خَفِيف الْغسْل.
وَكَانُوا يتوضؤون بِالْقَلِيلِ من المَاء وَلَا يسرفون فِيهِ وَكَانَ وضوء رَسُول الله ﷺ بِمد من مَاء وَالْمدّ رَطْل وَثلث برطل زَمَاننَا فَهَذَا يدلك على أَنه كَانَ يمسح بِالْمَاءِ يَدَيْهِ وَوَجهه وَرجلَيْهِ وَهُوَ لَهَا غاسل ويدلك أَيْضا مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم أَن رجلا قَالَ لَهُ إِن أُمِّي إِذا تَوَضَّأت أخذت المَاء بكفيها ثمَّ صبته ثمَّ مسحت وَجههَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم أَي وضوء أتم من هَذَا مَا كَانُوا يطلمون وُجُوههم بِالْمَاءِ فَهَذَا مسح وَهُوَ غسل وَالْوَاجِب على من أجنب أَن يغْتَسل بِالْمَاءِ وَلَو أَنه ترك عضوا من
1 / 154
أَعْضَائِهِ لم يغسلهُ ثمَّ ذكره فمسحه بندى يَده حَتَّى يعمه أَجْزَأَ ذَلِك عَنهُ وَكَانَ مغتسلا فَلَمَّا كَانَ الْمسْح قد يكون غسلا وَوَقعت الرؤوس فِي التِّلَاوَة بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا ثمَّ جَاءَت الأرجل بعد كَأَن الْمسْح بهَا هُوَ غسلهَا.
وَأما الْوضُوء مِمَّا مست النَّار فَهُوَ غسل الْيَد والفم بعد الْفَرَاغ من الطَّعَام لينظفا ويطيب ريحهما وَكَانَ أَكثر الْأَعْرَاب لَا يغسلون أَيْديهم وَيَقُولُونَ فَقده أَشد من رِيحه فأدبنا نَبينَا ﷺ بِغسْل الْيَد مِمَّا مست النَّار يُرِيد الأطبخة والشواء وَقد جرى النَّاس بعد فِي كل مصر وكل نَاحيَة على الْوضُوء من الزهم وَأَن يَقُولُوا إِذا غسلوا أَيْديهم قبل أَن يطعموا توضأنا يُرِيدُونَ نظفنا أَيْدِينَا من الزهم لنطعم بهَا وَإِذا غسلوا أَيْديهم وأفواههم بعد الطَّعَام توضأنا يُرِيدُونَ نظفناها من الزهم وأمطناه عَنْهَا وَمن تَوَضَّأ مِمَّا غيرت النَّار فَغسل وَجهه
1 / 155
وَرجلَيْهِ فَإِنَّمَا وَقع غلطه فِي ذَلِك من جِهَة وضوئِهِ للصَّلَاة لِأَنَّهُ لما رأى وضوء الصَّلَاة على هَيئته ظن أَن كل وضوء أَمر بِهِ على تِلْكَ الْهَيْئَة وَالْوُضُوء فِي اللُّغَة على مَا أعلمتك قد يكون للعضو الْوَاحِد ويدلك على ذَلِك حَدِيث حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن ابْن الْأَصْبَهَانِيّ عَن أبي عُبَيْدَة النَّاجِي عَن الْحسن أَنه قَالَ: الْوضُوء قبل الطَّعَام يَنْفِي الْفقر وَبعده يَنْفِي اللمم فَسُمي غسل الْيَد وضُوءًا وحَدثني أَبُو حَاتِم قَالَ أخبرنَا الْأَصْمَعِي عَن أبي هِلَال عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: غسل الْيَد وضوء ويوضح هَذَا أَيْضا حَدِيث عكراش أَن رَسُول الله ﷺ أكل ثمَّ غسل يَدَيْهِ وَمسح ببلل يَدَيْهِ وَجهه وذراعيه وَرَأسه وَقَالَ هَكَذَا الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَكَذَلِكَ الْوضُوء من مس الذّكر والفرج والدبر هُوَ غسل الْيَد لِأَن هَذِه مخارج الْحَدث وَالْبَوْل وَالدَّم
1 / 156