519

البواقي. وصوم النفس عن التمني والشهوات ، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها ، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها ، وصوم السر عن شهود غير الله ( كما كتب على الذين من قبلكم ) أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها ، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ( لعلكم تتقون ) مشارب المركبات وتطهرون عن هنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات ، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال صلى الله عليه وسلم «

** للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه

صفات النفس وكسل الطبيعة ( أو على سفر ) حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة ، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب. ( وعلى الذين يطيقونه ) على من كان له قوة في صدق الطلب ( طعام مسكين ) فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق ، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به ، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله ، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى «

** أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني

وسقى من مشرب آخر. وروي فدى ذلك المشرب أيضا أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ( وأن تصوموا خير لكم ) فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم ، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ( وبينات من الهدى والفرقان ) فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) قال أبو يزيد : ناداني ربي وقال : أنا بدك اللازم فالزم بدك. رمضان يرمض ذنوب قوم ، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم. رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ( يريد الله بكم اليسر ) وهو مقام الوصول ( ولا يريد بكم العسر ) وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مرا ، فمراده حصول

صفحة ٥٢١