غرائب القرآن و رغائب الفرقان
ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن. ومعنى قوله ( فلا إثم عليه ) رفع الحرج والضيق كما مر في قوله ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) [البقرة : 158] ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار. ومعنى قوله ( إن الله غفور رحيم ) أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض ، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة ، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك ، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة ، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة. أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا ، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة. ( إن الذين يكتمون ) عن ابن عباس : نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول ، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم ، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا : هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة. فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه ( ويشترون به ) أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه ، أو بالمنزل. وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل ( في بطونهم ) حال أي ملء بطونهم. أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ( إلا النار ) لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم «أكل الدم» أي الدية التي هي بدل منه : قال :
أكلت دما إن لم أرعك بضرة
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق. ويمكن أن يقال : إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام ( ولا يكلمهم الله ) بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ( اخسؤا فيها ولا تكلمون ) [المؤمنون : 108] أو لا يكلمهم الله أصلا لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ( ولا يزكيهم ) بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم ، وأقبحها الضلال والجهل. وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة ، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها ، وفي
صفحة ٤٧٣