457

فرد حكيم. يحكى أن شخصا قال بحضرة عمر : إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر : هاهنا ما هو أعجب منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر ، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير البتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبدا يشتبهان في الصورة. فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها ، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم. ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب.

** السابعة :

الحيوان بتنشق الهواء البارد ، وبجريان السفن بهبوب الرياح ، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله تعالى ، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع. والمراد بتصريفها تقليبها في جهات العالم على حسب المصالح شمالا وجنوبا وشرقا وغربا أي صبا ودبورا على كيفيات متخالفة حارة وباردة وعاصفة ورخاء. ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام ، والذي جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح قال : اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما قال تعالى : ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ) [الروم : 46] وقال ( وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) [الذاريات : 41] وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء فتكون أمارة له. فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله ( وما يدريك ) مبهم غير معين قال ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) [الشورى : 17] وما كان من لفظ «أدراك» فإنه مفسر ( وما أدراك ما القارعة ) [القارعة : 3] ( وما أدراك ما هيه ) [القارعة : 10].

** الثامنة :

التسخير التذليل. وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر. وأيضا لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج ، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة. وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على

صفحة ٤٥٩