المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد:
فإن الدعوة إلى الله ﷿ من أجل الطاعات وأعظم القربات، وقد اصطفى الله ﷿ للقيام بها صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وتحتاج من الجميع التفاني، والإخلاص، والجد، والمثابرة؛ لتبليغ هذا الدين والدفاع عنه، والذب عن حياضه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، وحتى نقوم بهذا الدين العظيم، وننهض به، ونكون دعاة إليه بالنفس والمال، والجهد، والقلم، والفكر والرأي، وغيرها كثير. أذكر طرفًا من ثمار الدعوة إلى الله ﷿.
جعلنا الله ممن يستعمله في طاعته.

1 / 3

من الثمار
الدعوة إلى الله ﷿ عز ما بعده عز وشرف ما بعده شرف، لمن رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا .. وهي شكر ووفاء ورد حق لهذا الدين العظيم.
أخي المسلم: من قدم كتابًا فهو داعية، ومن أهدى شريطًا فهو داعية، ومن علم جاهلًا فهو داعية، ومن دل على خير فهو داعية، ومن ألقى كلمة فهو داعية، ومن أمر بالمعروف فهو داعية، ومن نهى عن المنكر فهو داعية .. إنها أبواب واسعة .. وفضل الله يؤتيه من يشاء.
ورغبة في مضاعفة العمل، وترك الكسل، وشد العزائم وحتى تقوى العزائم، ويعجب الزراع نباته، هذه بعض الثمار اليانعة لتكون حافزًا ودافعًا للاستمرار والسير في هذا المجال العظيم الذي ارتضاه الله ﷿ لأنبيائه ورسله وخيار خلقه. ومن أحق من المسلم بالمسابقة في هذا الطريق؟ !

1 / 4

الثمرة الأولى
متابعة الأنبياء، والاقتداء بهم، واقتفاء أثرهم، والسير في ركابهم في طريق آمن غير موحش ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
قال الفراء: «حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة».
وقال ابن القيم ﵀: «فالدعوة إلى الله -تعالى- هي وظيفة المرسلين وأتباعهم».
ولو لم يقم بواجب تبليغ وحمل الرسالة العظيمة السلف الصالح لما وصلت إلينا، بل والله، قد تحملوا المصاعب والمتاعب حتى وصل الإسلام إلى أطراف الأرض، فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء.
الثمرة الثانية
التقرب إلى الله ﷿ امتثالًا لأمره الذي أمر به: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].
قال ابن القيم ﵀: «جعل الله -سبحانه- مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق، ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.

1 / 5

الثمرة الثالثة
المسارعة إلى الخيرات، والرغبة في نيل الأجر العظيم: حيث أثنى الله ﷿ على أهل الدعوة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال الشوكاني ﵀: «فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من طريقه، ولا أكثر ثوابًا من عمله». ومن أعظم ممن يبلغ كلام الله ﷿ وأوامره ونواهيه، ويبلغ حديث الرسول ﷺ؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور؟
الثمرة الرابعة
الاستجابة والامتثال لأمر الله ﷿ وطاعته: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ قال ابن كثير: «منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال الضحاك: «هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني المجاهدين والعلماء»
وبالدعوة نكون من هؤلاء الذين أثنى الله ﷿ عليهم.
الثمرة الخامسة
السعي لنيل الأجور العظيمة، والحسنات الكثيرة مع المشقة القليلة - ولله الحمد- خاصة في مثل هذا الزمن: فقد بشر النبي ﷺ بذلك «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم].
قال النووي ﵀: «دل بالقول واللسان، والإشارة، والكتابة» وقال ﵀: «وفيه فضيلة الدلالة على الخير،

1 / 6

والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله».
وهذا التنوع في الوسائل من فضل الله ﷿ علىعباده؛ ليقوم بالدعوة كل من تيسر له ذلك.
وتأمل في دلالتك رجلًا إلى الصلاة، ثم بدأ يصليها كم لك من الأجر؟ لك مثل أجر فاعل هذا الخير، ولا ينقص منهم شيئًا، وفضل الله واسع، فما بالك بمن هدى الله على يديه أقوامًا وقبائل وأسرًا ومجتمعات؟ ولهذا فللنبي ﷺ مثل أجور أمته، وللصحابة أجور من اهتدوا على أيديهم إلى يوم القيامة. وهي سلسلة طويلة من الأجور لا تنقطع.
وأذكر أن رجلا فلبينيًا كان قسيسًا، ثم من الله عليه بالإسلام فشمَّر عن ساعد الجد، وأسلم على يديه أربعة آلاف رجل من بني جلدته. وللشيخ عبد الله القرعاوي ﵀ في الدعوة الأثر الذي يذكر حتى افتتح أكثر من ألفي مدرسة في جنوب المملكة، وأحد القضاة في شمال المملكة لديه أكثر من ألف طالب يحفظون نواقض الإسلام، وكتاب ثلاثة الأصول، وكتاب التوحيد، وأحد هؤلاء الطلاب ذهب إلى فلسطين، وأقام مدرسة لتحفيظ القرآن مع المتون التي حفظ ولا يعلم مدى هذا الخير إلا الله ﷿
الثمرة السادسة
عطاء إثر عطاء، وعمل يتبعه آخر، إنه عمل يسير نقوم به؛ لنصلح أعمالنا، وتغفر زلاتنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

1 / 7

[الأحزاب: ٧٠، ٧١].
قال ابن كثير ﵀: «يقول -تعالى- آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم: أي يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها»
الثمرة السابعة
من ثمرات الدعوة التسديد والتوفيق، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
قال البغوي: «﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا»
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ روي عن ابن عباس قوله: «والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا»
قال ابن القيم ﵀ في الفوائد: «علق -سبحانه- الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد في هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فإنه من الهدى بحسب ما أعطاه من الجهاد»

1 / 8

الثمرة الثامنة
رجاء صلاح الذرية: فإن في ذلك قرة عين في الدنيا والآخرة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا قال -تعالى-: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، وقد ذكر الله ﷿ في القرآن قصة حفظ كنز اليتيمين بسبب صلاح الأب، فما بالك إذا كان مصلحًا وداعيًا إلى الله ﷿؟ ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢].
وهذا الأثر يراه الجميع واضحًا في غالب بيوت الدعاة والداعيات، وأهل الخير والصلاح، وأذكر أن قريبة لي صغيرة في السنة الأولى الابتدائية صامت يوم الاثنين تطوعًا، فلما سألتها من صام معك؟ سمت لي ابنة أحد الدعاة معها في المدرسة، وهي التي حثتها على ذلك، فانظر إلى الأثر، فالبيوت معادن.
الثمرة التاسعة
من ثمار الدعوة أن في القيام بها أمنة من العذاب ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
قال ابن القيم في عدة الصابرين: «ليس الدين مجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل القيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثر الديانين لا يعبئون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما

1 / 9

الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلًا عن أن يريدوا فعلها، وفضلًا عن أن يفعلوها، وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعًا، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه، ويمعره لله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء»
الثمرة العاشرة
من ثمار الدعوة: أننا نثقل موازين حسناتنا يوم العرض؛ لقول النبي ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له من الأجور مثل من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا ...» [رواه مسلم].
قال الإمام النووي: «.. وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة ...».
فكم من الواجبات تحيا، ومن السنن تقام بسبب الدعوة إلى الله ﷿.
وتأمل في حال مدرس سن لطلابه التبرع أسبوعيًّا بريال واحد لأعمال البر منذ أربع سنوات، وترك المدرسة، ولا تزال هذه السنة جارية إلى اليوم!
وأذكر أن معلمة عينت في قرية نائية لمدة عام فنفع الله بها نفعًا عظيمًا، وحالوا في بقائها معهم، لكنها تركت المكان بعد أن جعلت لها أثرًا واضحًا.

1 / 10

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: «نبعثهم؛ لنجازيهم على أعمالهم ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم وآثارهم وهي آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم، وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس بسبب علم العبد وتعليمه أو نصحه أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرًا من صلاة، أو زكاة أو صدقة، أو إحسان فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدًا أو محلًا من المحال التي ينتفع بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر».
الثمرة الحادية عشرة
القيام بالدعوة من أسباب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
قال الرازي في تفسير السورة: «فيها وعيد شديد، وذلك لأن الله حكم بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتيًا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي

1 / 11

بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وأنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه، فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها: الدعاء إلى الدين، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه».
الثمرة الثانية عشرة
الدعوة إلى الله من أسباب تحقيق النصر على الأعداء الذي هو أمل يراود كل مسلم ومسلمة، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
لأن بالدعوة يعبد الله ﷿ بما شرع، وتزال المنكرات، ويبث في الأمة معاني العزة والكرامة، لتسير في طريق النصر والتمكين.
الثمرة الثالثة عشر
نقوم بالدعوة حتى لا تصيبنا اللعنة التي أصابت الأمم السابقة جراء ترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال -تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]، فإن في ترك الدعوة إلى الله ﷿ نكرانًا لحق المنعم، وجلب لحلول النقم وزوال النعم.
الثمرة الرابعة عشر
بالدعوة إلى الله تنال المراتب العلا: قال الشيخ عبد الرحمن

1 / 12

من ثمار الدعوة | أصول