من فتاوى العلامة محمد الأمين الشنقيطي
مقدمة فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد المختار -حفظه الله ووفقه- ابن فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي -طيب الله ثراه-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن الأخ في الله/ أحمد بن محمد بن محمد بسيوني -وفقه الله- قد قرأ عليَّ الأوراق التي كتبها الوالد الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ﵀، المشتملة على إجابته عن الأسئلة الواردة إليه من قبل فضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد الخضر بن مايابا ﵀، ومقدمته لها، وتعليقاته عليها اللطيفة، وقد أنبأت عن نباهته، ودقة فهمه، وحسن أخلاقه -جزاه الله خيرًا-، وأكثر من أمثاله.
وكتبه
محمد المختار بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
في الحرم النبوي يوم ١٩/ ٩ / ١٤٢٥ هـ
مقدمة / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير النبيين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه الرسالة القيمة تضمنت ثلاثة أسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣) -صاحب كتاب أضواء البيان، طيب الله ثراه-.
المسألة الأولى: مقر العقل في الإنسان.
والمسألة الثانية: هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب.
والمسألة الثالثة: هل يجوز دخول الكافر مساجد الله غير المسجد الحرام.
وهذه المسائل وجهها الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر بن مايابى (^١) -رحمهما الله- برسالة خطية لسماحة الشيخ محمد الأمين، فأجاب عنها ﵀، وطيب ثراه- خطيًّا كذلك.
وقد نُشِرَ الجزء الخاص بمقر العقل فقط في مجلة طبية دون تعليق عليها، دفعها إليَّ أحد الإخوة -دفع الله عنه السوء والمكروه-، وقد وقع فيها بعض التصحيف، وتبين ذلك بالمقابلة مع النسخة الأصلية (^٢).
(^١) هو القاضي محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر بن عبد الله بن أحمد بن مايابى الجكني الشنقيطي، شغل عدة مناصب في الأردن، ثم جاور في آخر حياته في مكة والمدينة، توفي بالمدينة المنورة في ١٦/ ٦/ ١٤١٠ هـ، ودفن بالبقيع، وله ترجمة بكتاب أعلام الشناقطة في الحجاز والمشرق للأستاذ بحيد الإدريسي (ص ٢٢٠، ٢٢١)، وكتاب حجاج ومهاجرون (علماء بلاد شنقيط - موريتانيا - في البلاد العربية وتركيا) للدكتور حماه الله ولد السالم الشنقيطي (ص ١٥٨: ١٦٧)، وقد ترجمه ترجمة موسعة الأستاذ جعفر العقيلي في كتابه "سماحة الشيخ محمد الأمين مايأبى الشنقيطي العالم المربي والسياسي الناشط والدبلوماسي المصلح"، وقد طبع مؤخرا عام ٢٠١٦ م بدار الآن ناشرون، ووالده هو الشيخ محمد الخضر مؤلف كتاب كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري، ومشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني، وقمع أهل الزيغ والإلحاد عن الطعن في تقليد أئمة الاجتهاد، وهو مفتي المالكية بالمدينة المنورة، توفي عام ١٣٣٥ هـ، انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٦/ ١١٣)، وانظر: الأعلام الشرقية لزكي محمد مجاهد (٢/ ١٤٦). (تنبيه: أضفت بعض المعلومات في هذه الحاشية، بعد مقدمة شيخنا د. محمد المختار -وفقه الله-).
(^٢) طبعت الرسالة مفردة، وكذا ضمن آثار الشيخ محمد الأمين ﵀ مؤخرا، دون الاعتماد على الأصل الذي بخط الشيخ ﵀، كما طبعت كذلك ضمن كتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي-رحمه الله تعالى- (ص ٨٤: ١٠٩)، وكل من طبع هذه الفتاوى اعتمد على النسخة التي بخط الشيخ أحمد بن أحمد المختار، التي فيها السقط. (تنبيه: أضفت هذه الحاشية بعد مقدمة شيخنا د. محمد المختار -وفقه الله-).
مقدمة / 2
ومن خلال مطالعة الرسالة يظهر أن الشيخ -طيب الله ثراه- كتبها من حفظه، وهذا ليس بغريب عليه ﵀ فقد حوى من العلوم الشيءَ الكثيرَ، وكان في درسه كأن العلوم بين عينيه يُخرج منها ما شاء ويدع ما شاء، والمطلع على هذه الرسالة يدرك قيمةَ الشيخِ العلمية، وقوة حجته، وسعة اطلاعه، ويظهر هذا جليًّا في المصادر الكثيرة التي رجعت لها لتوثيق المادة العلمية.
ويدرك كذلك دقة الشيخ ﵀ في عرضه للمادة العلمية؛ فقد يذكر استدلالًا فيه مطعن من جهة صحته روايةً، أو من جهة صحة الاستدلال به، ثم يقول عَقِيْبَه: على القول بذلك. ولعل القارئ الكريم يدرك كذلك أدب الشيخ الجم مع طلاب العلم من جميل عباراته باستخدام صيغة الجمع في خطابه للشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر -رحمهما الله-.
والفوائد التي نجنيها من كلمات الشيخ -برَّد اللهُ مضجعَه- تربو على ما ذكرت بكثير، فضلًا عن الاستفادة العلمية من الفتاوى التي بمثابة البحوث المصغرة التي تأتي على أطراف المسائل، ولقد كان بمقدرة الشيخ ﵀ أن يزيد في الأدلة، لكنه أَظْهَرَ علةَ عدم الاستزادة، فقال في أحد المواضع: " .. ولنكتف بما ذكرنا خشية الإطالة المملة".
ولقد اشتد الشيخ ﵀ في بعض المواضع على القائلين بأن العقل في الدماغ، وما أراد إلا الفلاسفة والمنطقيين، ولقد ذكرت هذا الكلامَ؛ حتى لا يأتي مَنْ لا يعرف قدرَ الرجال العظام، ويوجه الطعنات للعلماء الأعلام، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك العلام.
وقبل الكلام على طريقتي في التعليق على رسالة الشيخ ﵀، فأحمد الله أولًا وآخرًا، ثم أتوجه بالشكر لمن دفع إليَّ رسالة الشيخ -طيب الله ثراه-، وهي بخط تلميذ الشيخ ﵀، وهو الشيخ/ أحمد بن أحمد المختار -حفظه الله-.
كما أتوجه بالشكر كذلك لأبناء الشيخ ﵀ شيخنا د/ عبد الله -حرس الله مهجته-، فإنه لم يبخل عليَّ بوقته ونصحه، والشيخ د/ محمد المختار -حرس الله مهجته-فقد قرأت عليه الرسالة والتعليقات والمقدمة في المسجد النبوي الشريف في مجلسين، ولم يبخل عليَّ بوقته ونصحه، وقد زودني -سلمه الله- بالنسخة التي كتبها الشيخ ﵀ بخطه، أسأل الله أن يبارك في عمرهم وعملهم.
والشكر والدعوات دائمة وموصولة لكل مَنْ أعانني في كل أموري، وأسأل الله أن يجزي الجميعَ خير الجزاء.
مقدمة / 3
عملي في الرسالة:
١ - نسخت الرسالة التي بخط الشيخ / أحمد بن أحمد المختار -حفظه الله-، ثم لما زودني الشيخ د/ محمد المختار -سلمه الله- بالنسخة التي بخط الشيخ ﵀ قابلتهما، فوجدت سقطًا كبيرًا يوازي صفحة تقريبًا، ووجدت كذلك بعض الاختلافات فأثبتها، وذكرت في الحاشية الاختلاف، وسميت التي بخط الشيخ: (الأصل)، والأخرى: (أ).
٢ - ذكرت أرقامَ الآيات القرآنية وسُوَرَها.
٣ - قمت بتخريج الأحاديث التي صرح الشيخ ﵀ بذكرها، وكذلك التي أشار إليها، وإن زدت في الحاشية حديثًا أو أثرًا فإني أخرجه.
٤ - نسبة الأقوال إلى قائليها من أهل العلم، وكذلك القراءة إلى مَنْ قرأ بها، وهو موضع واحد فقط، وقد لا أجد القول منسوبًا إلى قائله إلا بواسطة أو اثنتين من الكتب، وهو غالبًا بسبب فقدان الواسطة، وإذا زدت قولًا في الحاشية فإني أعزوه إلى قائله.
٥ - أجتهد في عزو أقوال الشيخ ﵀ إلى مكانها في كتبه، مثل أضواء البيان، والعذب النمير وهو من كلامه ﵀، إعداد الشيخ الدكتور/ خالد السبت -حفظه الله ووفقه-، وغيرهما.
٦ - إذا ذكر الشيخ كلامًا ثم وجدته برمته أو بنحوه في كتاب عزوته إليه.
٧ - استشهد الشيخ ﵀ بمراقي السعود في موضعين، فعزوت إلى شرح الشيخ عليه، والموسوم بـ نثر الورود؛ لزيادة الفائدة.
٨ - ذكر الشيخ ﵀ بيتًا من الرجز في آخر الرسالة، ولم أجده في الدواوين والمجموعات الشعرية، ولكن وجدته في المحكم لابن سيدة ولسان العرب منسوبًا لابن الأعرابي ﵀، فاجتهدت أن أجده بغير واسطة، أو أن أجده في كتب تلاميذه فلم أجده -حسب بحثي واطلاعي-، وهذا عذري في عزو البيت.
٩ - اعتمدت في بيان الغريب على لسان العرب، وهو موضع واحد.
مقدمة / 4
موضوع الرسالة:
تضمنت الرسالةُ ثلاثةَ أسئلةٍ لا أعرف لأحدها رسالةً مستقلةً.
السؤال الأول: محل العقل، وثمرة الخلاف في هذه المسألة ما ذكره الزركشي ﵀، فقال: "وما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا؟ ما لو أُوضِح رجلٌ فذهب عقلُه، فعند الشافعي ومالك يلزمه دية العقل وأرش الموضحة؛ لأنه إنما أتلف عليه منفعة ليست في عضو الشجة تبعًا لها، وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط؛ لأنه إنما شَجَّ رأسه، وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج، ودخل أرش الشجة في الدية" (^١).
السؤال الثاني: هل يدخل أهل الكتاب في عموم المشركين؟، ولهذا السؤال ارتباط بالسؤال الثالث، وهو: هل يجوز دخول المشركين مساجد الله غير المسجد الحرام؟، فبدخول أهل الكتاب في عموم المشركين يصير الحكم واحدًا في المسألة الثالثة.
وستجد نفسك في رياض نضرة، تتنسم أريج الفقه والتفسير والأصول والمنطق، وأنت بين يدي الشيخ-﵀ وهو يجيب على هذه الأسئلة.
وختامًا: فبما ذكرت أكتفي، ولست بعملي أحتفي، وبالله أستعين فإنه خير ولي، وأسأله سبحانه أن يغفر لي ما صدر مني من خطأ جلي، أو لحن خفي.
وأسأل الله أن يتقبل مني هذا العمل قبولًا حسنًا، وأن يجعله لي ذخرًا في خزائن رحمته، وأن يجعله خالصًا لوجهه، ولا يجعل لأحد فيه شيئًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
وكتب
أبو عبد الله
أحمد بن محمد بن محمد بسيوني
-غفر الله له-
(^١) البحر المحيط (١/ ٩٠)
مقدمة / 5
من فتاوى فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي الجكني
﵀ وطيب ثراه
صاحب تفسير أضواء البيان
١ - مسألة مقر العقل من الإنسان.
٢ - هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب.
٣ - هل يجوز دخول الكافر مساجد الله غير المسجد الحرام.
تقديم
فضيلة الشيخ الدكتور محمد المختار بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
وفقه الله
اعتنى بها، وعلق عليها
أبو عبد الله
أحمد بن محمد بن محمد بسيوني
غفر الله له
مقدمة / 6
هذه فتوى فضيلة الشيخ محمد الأمين عما استفتاه فيه الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر عن مقر العقل ومسائل أخرى
نقله من خطه
أحمد بن أحمد المختار.
هذا ما كُتِبَ أعلى النسخة التي بخط الشيخ أحمد بن أحمد المختار، المشار إليها بنسخة (أ)، وهي منقولة عن الأصل، فما وقع فيها من اختلاف فهو سبق نظر من الناسخ، والله أعلم.
مقدمة / 7
نص سؤال الشيخ القاضي محمد الأمين بن محمد الخضر الشنقيطي ﵀- الموجه للشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ﵀ (^١).
حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي
المحترم
بعد السلام عليكم: أبدي أنه أمامي الآن مسألتين، بحثت عن شخص يمكنه إيضاحهما بما يتفق والدين والواقع مؤيدا بالأدلة الشرعية والعقلية، فرأيت أن ذلك الشخص هو فضيلتكم، ولهذا أرجوكم التفضل بذلك لما لها من الأهمية في هذه الأيام، وإشغالها مجالس كثير من الفكريين والعقلاء.
١ - تعلمون أن القرآن صرح بأن محل العقل القلب: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، والحديث: "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وتعلمون أن الإمام أبا حنيفة يرى أن محل العقل الدماغ، وكذلك الحكماء، وأن البعض ذهب إلى أن الدماغ أداة من أدوات القلب، فما المخرج في ذلك.
٢ - تعلمون أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ...﴾ [التوبة: ٢٨]، وتعلمون أن القرآن فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]، وتعلمون أن سيدنا عمر بن عبد العزيز أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام، وأن عطاء ﵁ جعل المسجد يشمل الكل، وعلى هذا درج المسلمون إلى الآن، فما هو سند سيدنا عمر، وما هو النهج الديني في ذلك؟
ولكم من الله الأجر والثواب، ومني الشكر مع جزيل التحية.
(^١) والسؤال مكتوب بالآلة الكاتبة على ورقة تحمل اسم وشعار سفارة المملكة الأردنية الهاشمية بجُدَّة -إذ كان الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر وقتها هو القائم بأعمال السفير-، وحملت رقم (١/ ١٧) بتاريخ: ٢٣/ ٤/ ١٣٨٩ هـ، ٨/ ٧/ ١٩٦٩ م.
مقدمة / 8
إجابة الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي -طيب الله ثراه-.
مقدمة / 9
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب المعالي أخي المكرم الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر -حفظه الله ووفقه-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:
فقد وَصَلَنَا خطابكم الكريم بتاريخ (٢٣/ ٤/ ٨٩ هـ) (^١)، وفهمنا ما سألتم عنه، والجواب -حفظكم الله ووفقكم- عن المسألة الأولى التي هي محل العقل هو ما ستراه، ولا يخفى على معاليكم أن بحث العقل بحث فلسفي قديم، وللفلاسفة فيه مائة طريق باعتبارات كثيرة مختلفة، غالبها كله تخمين وكذب وتَخَبُّط في ظلام الجهل، وهم يسمون الملائكة عقولًا، ويكثرون البحث في العقول العشرة المعروفة عندهم، ويزعمون أن المؤثر في العالم هو العقل الفيَّاض، وأن نوره ينعكس على العالم كما (ينعكس نور) (^٢) الشمس على المرآة، فتحصل تأثيراته بذلك الانعكاس، ويبحثون في العقل البسيط الذي يمثل به المنطقيون للنوع البسيط، إلى غير ذلك من بحوثهم الباطلة المتعلقة بالعقل من نواح شتى (^٣)، ومن تلك البحوث قول عامتهم إلا القليل منهم: إن محل العقل الدماغ، وتبعهم في ذلك قليل من المسلمين، ويُذْكَر عن الإمام أحمد أنه جاءت عنه رواية بذلك (^٤)، وعامة علماء المسلمين على أن محل العقل القلب، وسنوضح إن شاء الله تعالى حجج الطرفين، ونبين ما هو الصواب في ذلك.
اعلم (أولًا) (^٥) -وفقني الله وإياك- أن العقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم النظرية والضرورية (^٦)، وإن مَنْ خَلَقَه وأبرزه من العدم إلى الوجود، وزين به العقلاء وأكرمهم به، أعلم بمكانه الذي جعله فيه من جهلة الفلاسفة الكفرة الخالية قلوبهم من نور سماوي وتعليم إلهي، وليس أحدٌ بعد الله أعلمَ بمكان العقل من النبي ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم، الآية (٣، ٤)]، وقال تعالى عن نفسه: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة، الآية (١٤٠)].
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل منهما التصريح بكثرة بأن محل العقل القلب، وكثرة ذلك وتكراره في الوحيين لا يترك احتمالًا ولا شكًا في ذلك، وكل نظر عقلي صحيح يستحيل أن يخالف الوحي الصريح، وسنذكر طرفًا من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك وطرفًا من الأحاديث النبوية، ثم نبين حجة من خالف الوحي من الفلاسفة ومَنْ تبعهم، ونوضح الصواب في ذلك -إن شاء الله تعالى-.
واعلم أولًا: أنه يغلب في الكتاب والسنة إطلاق القلب وإرادة العقل، وذلك أسلوب
(^١) هكذا بالأصل، وفي (أ): (٢٣/ ١/ ١٣٨٩).
(^٢) في (أ): (تنعكس الشمس).
(^٣) راجع: معيار العلم في فن المنطق لأبي حامد الغزالي (ص ٢٨٧: ٢٩٠)، والمبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين لسيف الدين الآمدي (ص ١٠٦: ١٠٨)، وانظر كذلك: بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية (ص ٢٨٢)، ومنهاج السنة النبوية (١/ ١٨٤)، الصفدية (١/ ١٤)، (٢/ ٢٥٢) ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٦، ٣٣٧)، (٥/ ٨١، ١٧٤، ٣٤١، ٣٨٤: ٣٨٧)، (٧/ ١٢٦، ٣٦٨، ٣٨٨، ٣٩٠)، (١٠/ ٨٤، ١٨١، ٢١٩).
(^٤) قال القاضي أبو يعلى في كتابه العدة (١/ ٨٩، ٩٠): "ومن الناس من قال: هو الدماغ، وقد نص أحمد ﵀ على مثل هذا القول فيما ذكره أبو حفص ابن شاهين في الجزء الثاني من أخبار أحمد بإسناده عن فضل بن زياد، وقد سأله رجل عن العقل: أين منتهاه من البدن؟، فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: العقل في الرأس، أما سمعت إلى قولهم، وافر الدماغ والعقل"، وقال المرداوي في التحبير (١/ ٢٦٢): "والمشهور عن الإمام أحمد أن العقل في الدماغ، نقله ابن حمدان، لكن أكثر الأصحاب قطعوا عن أحمد في الدماغ، ولم يحكوا عنه فيه خلافًا، وهذا القول اختاره من أصحابنا الطوفي، والحنفية". وقد جعل الطوفي في شرحه على مختصر الروضة (٢/ ١٥٩) للإمام أحمد روايتين، وكذلك الزركشي في البحر المحيط (١/ ٨٨)، قال الطوفي: "وقالت الفلاسفة والحنفية: الدماغ، والأول (أي القلب) منقول عن أحمد والشافعي ومالك. وراجع لقول الحنفية: "كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي" لعلاء الدين البخاري (٤/ ٢٦٣)، وتيسير التحرير لأمير بادشاه (٢/ ٢٦١)، ولكن قال البزدوي: "أما العقل فنور يضيء به طريقه، يبتدأ به من حيث ينتهي إليه دَرْك الحواس، فيبتدئ المطلوب للقلب، فيدركه القلب، يتأمله بتوفيق الله تعالى" كشف الأسرار (٢/ ٧٣١)، وعَرَّف السرخسي في أصوله (١/ ٣٤٦، ٣٤٧) العقل بأنه: "نور في الصدر به يبصر القلب عند النظر في الحجج".
(^٥) ساقطة من (أ).
(^٦) انظر تعريف الشيخ ﵀ للعقل بنصه في الكليات للكفوي (ص ٦١٨، ٦١٩)، وذكره الشيخ ﵀-في شرحه على منظومته في المنطق (١ ل) ﴿مخطوط﴾، فقال: "والعقل نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية".
1 / 1