فتح القدير
الناشر
دار ابن كثير،دار الكلم الطيب - دمشق
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٤ هـ
مكان النشر
بيروت
مناطق
•اليمن
الإمبراطوريات و العصور
الأئمة الزيديون (اليمن صعدة، صنعاء)، ٢٨٤-١٣٨٢ / ٨٩٧-١٩٦٢
يَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ نَكَحَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ أَنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ. قَوْلُهُ: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أَيْ: حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ الْوَاجِبَةَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ظَنُّ ذَلِكَ، بِأَنْ يَعْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَدَمَ الْإِقَامَةِ لِحُدُودِ اللَّهِ، أَوْ تَرَدَّدَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمَا الظَّنُّ، فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي هَذَا النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ وَالْوُقُوعِ فِيمَا حَرَّمَهُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا سَلَفَ، وَخَصَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِهِ، وَوُجُوبِ التَّبْلِيغِ لِكُلِّ فَرْدٍ، لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْبَيَانِ الْمَذْكُورِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا مَا دَنَا وَقْتُ انقضاء عدتها ارتجعها، ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمِئِذٍ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ طَلَّقَ وَمَنْ لَمْ يُطَلِّقْ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْهَا:
أَنَّهَا أَتَتْهَا امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهَا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الطَّلَاقِ، قَالَتْ: فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ «يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ الثَّالِثَةُ» . وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ لِلثَّالِثَةِ:
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: التَّسْرِيحُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الطَّلَاقُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قَالُوا: وَهُوَ الْمِيقَاتُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الرَّجْعَةُ، فَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَ وَيُرَاجِعَ بِمَعْرُوفٍ، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ عَنْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَتَكُونَ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عباس في الآية نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ امْرَأَتِهِ الَّذِي نَحَلَهَا وَغَيْرِهِ، لَا يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ جُنَاحًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا فَلَمْ يَصِحَّ لَهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ إِلَّا بِحَقِّهَا، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَقَالَ: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا «١» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ النُّشُوزُ وَسُوءُ الْخُلُقِ مِنْ قِبَلِهَا، فَتَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْكَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ، والشافعي، وأحمد،
(١) . النساء: ٤. [.....]
1 / 275