(عنه. . فاجتنبوه) دائمًا على كل تقديرٍ مما دام منهيًا عنه حتمًا في الحرام، وندبًا في المكروه؛ إذ لا يمتثل مقتضى النهي إلا بترك جمبع جزئياته، وإلَّا. . صدق عليه أنه عاصٍ، أو مخالفٌ.
وأيضًا: فترك المنهي عنه هو استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وليس في ذلك ما لا يستطاع حتى يسقط التكليف به، ونظر فيه بأن الداعي للمعصية قد يقوى حتى لا يستطاع الكف عنها، ويرد: بأن هذا نادرٌ، فلا يُعوَّل عليه وإن سُلِّم أنه يوجد كثيرًا مَنْ يجتهد في الطاعة ولا يقوى على ترك المعصية، فخرج نحو أكل الميتة للاضطرار، وشرب الخمر لإساغة اللقمة، أو لإكراهٍ، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه؛ لعدم النهي عن هذه حينئذٍ.
(وما أمرتكم به. . فأتوا) (١) وجوبًا في الواجب، وندبًا في المندوب (منه ما استطعتم) أي: أطقتم؛ لأن فعله هو إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شرائط وأسباب؛ كالقدرة على الفعل ونحوها، وبعض ذلك يُستطاع وبعضه لا يُستطاع، فلا جرَمَ سقط التكليف بما لا يستطاع منه؛ لأن اللَّه تعالى أخبر أنه لا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها (٢).
وأيضًا: يصدق عليه أنه امتثل الأمر المطلق مع الإتيان بالمستطاع الصادق عليه اسمه؛ كيوم، وركعتين، وأقل مُتَمَوَّل في: صُمْ، وصَلِّ، وتصدَّقْ، فإن قيَّد أو وصف. . لم يصدق الامتثال إلا بالإتيان به بجميع قيوده أو أوصافه، وإن كان من أشق التكاليف.
وهذا من قواعد الإسلام المهمة، ومما أُوتيه ﷺ من جوامع الكلم؛ لأنه يدخل فيه ما لا يُحصى من الأحكام، وبه وبالآية الموافقة له يُخَصُّ عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
(١) قوله: (فأتوا) كذا في نسخ الشرح. وفي نسخ المتن و"صحيح مسلم": (فافعلوا) فليتنبه.
(٢) فإن قيل: ما الفرق بين المأمور به والمنهي عنه؛ حتى سقط التكليف بما لا يستطاع من الأول دون الثاني؟ قلنا: لأن الترك المنهي عنه عبارةٌ عن استصحاب حال عدمه أو الاستمرار على عدمه، وليس في ذلك ما لا يستطاع حتى يسقط التكليف به، بخلاف فعل المأمور به؛ فإنه عبارةٌ عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شروط وأسباب كالقدرة ونحوها، وبعضه يستطاع وبعضه لا يستطاع، فلا جرم يسقط التكليف به؛ لأن اللَّه ﷿ أخبر أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها. اهـ "مدابغي"
1 / 273
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]