312

الفتاوى الكبرى

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٠٨هـ - ١٩٨٧م

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» أَيْ: مِنْ الْأَفْعَالِ، فَلَمْ تَدْخُلْ الْأَقْوَالُ فِي ذَلِكَ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَقْرَبِ وَالْأَفْضَلِ، فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَعْمَالِ أَفْضَلَ مِنْ السُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ فِي السُّجُودِ أَقْرَبَ: كَالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ سَنَامُ الْعَمَلِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ السُّجُودُ الْعَامُّ وَهُوَ الْخُضُوعُ، فَهَذَا يَحْصُلُ لَهُ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يَحْصُلُ لِلرَّجُلِ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ مَا لَا يَحْصُلُ لَهُ فِي حَالِ السُّجُودِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» .
وَقَوْلُهُ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ»، وَقَوْلُهُ: «إنَّهُ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَمِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . فَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعَاهُ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرُ الدَّاعِي أَفْضَلَ مِنْ الدَّاعِي، كَمَا قَالَ: «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

1 / 362