الفصل للوصل المدرج

محقق

رسالة دكتوراة، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، بإشراف د أكرم ضياء العمري ١٤٠٧ هـ

الناشر

دار الهجرة

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ، أما بعد:
فإن من أعظم نعم الله عليّ - وهي كثيرة - بعد نعمة الإسلام أن يسر لي طلب العلم، ومن جميل فضله ﷾ أن وفقني للتخصص في قسم السنة بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية - حرسها الله -.
وقد كان عملي في رسالة الماجستير هو تحقيق ودراسة كتاب السابق واللاحق للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، وكنت أثناء تحقيق هذا الكتاب ازداد كل يوم إعجابًا بالمؤلف ﵀ وبشخصيته الناقدة الفذة، وكنت كل لحظة ازداد يقينًا بقول الحافظ ابن نقطة ومن بعده الحافظ ابن حجر - في مقدمة النزهة -: " كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه في الحديث وعلومه ".
ولهذا كنت حريصًا كل الحرص على أن أستمر مع الخطيب البغدادي في مرحلة الدكتوراه فما إن انتهيت من الماجستير حتى بادرت بالبحث والتفتيش بين مؤلفات الخطيب لعلي أن أظفر بما يتناسب ومرحلة

1 / 7

الدكتوراه من حيث الحجم، ولم يطل بي البحث كثيرًا، فقد قدم فضيلة شيخي المشرف الدكتور/ أكرم العمري - جزاه الله خيرًا – خدمة جليلة لطلبة العلم، وذلك بما كتبه عن الخطيب ومصنفاته في مقدمة كتابه موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
وقد وقع اختياري على كتاب " الفصل للوصل المدرج في النقل " وذلك للأسباب التالية:
١ - مكانة المؤلف ﵀ العلمية.
٢ - الأهمية العلمية لهذا السفر العظيم لما يتضمنه من المعلومات الغزيرة في فنه.
٣ - ولأنه الكتاب الوحيد في فنه فيما أعلم باستثناء كتاب الحافظ ابن حجر «تقريب المنهج» وهو مفقود، وكتاب السيوطي وهو مختصر جدا.
لهذا الأسباب كلها وقع اختياري على هذا الكتاب لهذا العالم الجهبذ، وقد بذلت جهدي في خدمة هذا الكتاب تحقيقًا ودراسة، وإنني لأرجو أن أكون قد وفيت أو قاربت بالصورة التي يجب أن يكون إخراجه عليها.
هذا وقد قدمت لهذا الكتاب بمقدمة اشتملت على قسمين:
الأول: عن المدرج وأنواعه وحكمه ومهدت لذلك بدعوة إلى إحياء المنهج النقدي عند المحدثين.
الثاني: تضمن ترجمة موجزة جدا عن المؤلف، ودراسة عن الكتاب وموضوعه، ثم أعقبت ذلك ببيان منهجي في

1 / 8

وفي الختام أتقدم بخالص الشكر والتقدير لشيخي وأستاذي الجليل الدكتور/ أكرم ضياء العُمَري – حفظه الله ووفقه – فقد كان مربيًا وموجهًا منذ عرفته في السنة المنهجية في الماجستير، ثم إشرافه عليّ في الماجستير والدكتوراه، فجزاه الله عني خير الجزاء.
كما أتقدم بالشكر والدعاء لكل من ساعدني أو قدم لي خدمة في أثناء عملي في هذا الكتاب وعلى رأس هؤلاء فضيلة شيخنا الجليل أبي عبد الباري حماد بن محمد الأنصاري – حفظه الله -.
والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1 / 9

دعوة إلى إحياء المنهج النقدي عند المحدثين
قد ختم الله رسله وأنبياءه بمحمد رسول الله ﷺ كما ختم برسالته جميع الرسالات السماوية، وأنزل عليه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعله منهج حياة ومشعل هدى للناس منذ أُنزِل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كما أتاه مع القرآن مثله من السنة المطهرة التي هي المبينة للقرآن والمفصلة لما أجمل فيه.
وقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه فقال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
كما وفق بمنه وفضله أئمة الهدى وقدوة الأنام من الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان ممن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة لخدمة السنة النبوية الشريفة وذب الكذب عنها، فبذلوا جهدهم وكل ما في وسعهم لذب الكذب عن رسول الله ﷺ وبيان الصحيح من السقيم مما ينسب إليه من الأحاديث.
وقعدوا لذلك قواعد لنقد الأسانيد والمتون وفق منهج علمي دقيق لا مثيل له عند الأمم الأخرى.
إن هذا المنهج المتفرد الذي لم يكن لأمة من الأمم قبل أمة محمد ﷺ

1 / 10

صار ميزة لها بين الأمم كما مُيّزت من قبل بعقيدة وشريعة لم تكن في كمالها وصفائها وسماحتها لأمة من الأمم.
هذا المنهج العلمي الدقيق قد شرق به أعداء هذه الأمة من اليهود والنصارى والمجوس كما شرقوا من قبل بعقيدتها وشريعتها.
فذهبوا يطعنون على هذه الأمة في دينها وفي عقيدتها وأخيرا في منهج خير القرون في تلقي السنة النبوية المطهرة قاصدين بذلك النيل من هذا الدين. فقالوا: "إن المحدثين صبوا جُلَّ اهتمامهم في النقد الخارجي للحديث – يعني الأسانيد – وهذا أمر شكلي "، وقالوا: " إن المحدثين لم يكن لهم منهج محدد دقيق في نقد متون الحديث إذ نجدهم يروون أحاديث في كتبهم ويتناقلونها فيما بينهم وهي إما تتعارض مع الواقع وتتعارض مع العقل أو تتعارض مع نصوص أخرى … إلى غير ذلك من الاعتراضات التي سودوا بها كتبهم …
وهذه المقالة التي رددها في هذا العصر المستشرقون من اليهود والنصارى وعلى رأسهم شيخهم وإمامهم جولد تسهير المستشرق المجري اليهودي.
وقلدهم في ذلك أذنابهم من أبناء جلدتنا الذين تربوا في أحضان أولئك المستشرقين ثم جاءوا إلينا ليدسوا السم في العسل، فيطعنوا في عقيدتنا ويطعنوا في منهج خير القرون.
وعلى رأس هؤلاء: طه حسين، وأحمد أمين، ومحمود أبو رية (^١)

(^١). انظر ما سطره طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي، وأحمد أمين في فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وأبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية.

1 / 11

وغيرهم من أضرابهم.
وهذه المقولة ليست وليدة فكر جولد تسهير وأمثاله من المستشرقين بل هي دسيسة يهودية قديمة قدم الصراع بين هذه الرسالة الخاتمة وأعدائها من اليهود والنصارى والمجوس، فاليهود حملوا راية العداء لهذا الدين منذ فجره الأول فشككوا في رسالة محمد ﷺ وأثاروا الشبه الباطلة حول رسالته.
ولما انتشر الإسلام وتوسعت الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين شرق اليهود والمجوس بهذه الانتصارات العظيمة التي حققها هذا الدين الحنيف فأخذوا يحيكون الدسائس والفتن للإسلام وأهله وعلى أيديهم نشأت الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم من الفرق الكلامية.
فالروافض والخوارج من نتاج فتنة ابن سبأ اليهودي إذ هو مؤسس مذهب الرفض وكانت فتنته سبب في ظهور الخوارج المعارضين له ولأتباعه، والجهمية والمعتزلة وغيرهم من الفرق الكلامية وليدة سلسلة التعطيل الجهم بن صفوان عن الجعد بن درهم عن طالوت اليهودي عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي السامري.
فهذه الفرق يجمعها قاسم مشترك ألا وهو تحكيم عقولهم في دين الله وعبادتها من دون الله ﷿.
حكموا عقولهم في تلقي السنة المطهرة، فردوا نصوصا صحيحة كثيرة بدعوى تعارضها مع عقولهم والحقيقة تعارضها مع أهوائهم.

1 / 12

هؤلاء حكموا عقولهم في دين الله فضلوا وأضلوا، وعين ما فعله أولئك فعله المستشرقون وأذنابهم من فلول المعتزلة المعاصرين.
ومنهج خير القرون في النقد – سندا ومتنا – مرتبط ارتباطا وثيقا بمنهجهم في العقيدة.
ومن أصول منهجهم في العقيدة الإيمان بأن القرآن كلام الله – ﷿ – نزل به الروح الأمين على رسول الله محمد ﷺ.
ومن أصولهم الاعتقاد بأن رسول الله ﷺ معصوم في أقواله وأفعاله، لأنه لا ينطق عن الهوى، وتجب طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر.
ويعتقدون أن الله قد أجرى على يدي نبيه ﷺ بعض المعجزات وخوارق العادات، بل ومن أصول اعتقاد خير القرون أن العقل ليس له الوصاية على شرع الله بل هو تبع للشرع خاضع له.
ولا يمكن أن يعارض الشرع الصحيح الثابت عن الله ورسوله العقل السليم (^١) من الهوى والزيغ.
أما المستشرقون من اليهود والنصارى فهم ابتداءًا ينكرون نبوة محمد ﷺ وبالتالي ينكرون كل ما يترتب على ذلك من وحي ومعجزات.
ومن هنا جاء نقد المستشرقين لمناهج أئمة الحديث، وقولهم لقد توسع علماء الحديث في نقد أسانيد الأحاديث وأهملوا متونها.
ومن ثم جاء اعتقاد المستشرقين بأن كل حديث يخالف عقولهم غير

(^١). انظر ما كتبه ابن تيمية – ﵀ – في كتابه درء تعارض العقل والنقل.

1 / 13

صحيح، مع أن عقولهم ليست عقلا واحدا فيحتكم إليه بل إنها متناقضة ولا يضبطها ضابط والغريب أن هؤلاء المستشرقين – يهود ونصارى – يؤمنون بخرافات وأوهام لا يقبلها دين ولا عقل.
وليس هذا مجال الحديث عن تناقضات المستشرقين، فقد كفانا في ذلك وفصله جيدًا الدكتور مصطفى السباعي في كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي وكتاب الاستشراق والمستشرقون، وكذلك الدكتور مصطفى الأعظمي في كتابه، دراسات في الحديث النبوي، وكتاب منهج النقد عند المحدثين، وغير ذلك من الكتب التي كتبت في هذا المجال.
ومن هذا أيضا انطلق فلول المعتزلة وتلامذة المستشرقين يرددون قولهم، يجب تقديم العقل على النقل – أي الحديث النبوي الذي ثبتت صحته – عند التعارض وبشكل أكثر وضوحا، يجب تقديم أهوائهم وبدعهم على ما صح من حديث رسول الله ﷺ.
والقضية من أساسها ليست قضية توسع في نقد أسانيد الأحاديث وإهمال لنقد متونها.
وإنما هي قضية العقيدة الإسلامية التي شرق بها أعداؤها من يهود ونصارى ومجوس ومن أستن بسنتهم من أبناء جلدتنا.
القضية تكمن في تقديس المستشرقين وفلول المعتزلة المعاصرين للعقل وعبادتهم له من دون الله، وتقديمه على وحي الله إلى رسوله.
أما خير القرون من أهل السنة والجماعة فلم يجعلوا لعقولهم الوصاية على وحي الله بل عرفوا للعقل حقه ومهمته التي خلقه الله لها. فاعملوه

1 / 14

في مهمته تلك ولم يهملوه وبلغوه كما فعلت الصوفية، ولم يقدسوه كما فعل أهل الكلام من جهمية ومعتزلة وغيرهم.
منهج النقد عند المحدثين:
لقد توسع علماء الحديث في نقد الأسانيد حقًا، وهذه مفخرة من مفاخر ديننا، وميزة امتاز بها المسلمون عن غيرهم من الأمم حتى شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء، ولكن دعوى تقصيرهم في نقد المتون أو عدم التوسع فيها، هذه دعوى يعوزها الدليل، ولعلي آتي بعد قليل على ذكر إشارات ونمازج لجهود المحدثين وغيرهم في هذا المجال على قدر ما يسمح به المجال في هذه العجالة، وإلا فالموضوع أوسع من ذلك (^١).
وقد كتب في منهج نقد المتون عند المحدثين كل من:
١. الدكتور نور الدين عتر في كتابه «منهج النقد في علوم الحديث».
٢. الدكتور مصطفى الأعظمي في كتابه «منهج النقد عند المحدثين».
٣. الدكتور مسفر غرام الله الدميني في كتابه «مقاييس نقد متون السنة».
٤. الدكتور محمود الطحان في رسالة صغيرة بعنوان «عناية المحدثين بمتن الحديث كعنايتهم بإسناده».

(^١). انظر ما كتبه الدكتور أكرم العمري في مقدمة كتابه المجتمع المدني – الجهاد ضد المشركين – ص ٩ - ١٢ – ففيه أمثلة لعناية المحدثين بنقد المتون.

1 / 15

وغيرهم كتب في هذا الموضوع، ولم يتيسر لي الإطلاع عليه.
وليس هذا مجال عرض ما كتب في هذه الكتب لبيان إيجابيات أو سلبيات كل كتاب منها لكنني لاحظت أمورا مشتركة عند هؤلاء المؤلفين، قد تكون عند بعضهم أوضح منها عند البعض الآخر ومن هذه الأمور.
أولا: عدم ربط هذا النقد الموجه إلى منهج المحدثين بدافعه الحقيقي عند هؤلاء المنتقدين، وهو الطعن على عقيدة خير القرون – أهل السنة والجماعة – والمراد من ذلك الطعن في هذا الدين الذي اختاره الله أن يكون دين البشرية إلى يوم الدين.
فالقضية ليست في قصور المنهج العلمي عند المحدثين أو عدم وضوحه ومعرفة هذا الدافع لا يكلف اكتشافه أكثر من الإطلاع على ما كتبوه في هذا المجال أو غيره، وخصوصا كتابتهم في السيرة والتاريخ الإسلامي وعلى وجه أخص تاريخ الفرق والطوائف.
ثانيا: عدم ربط هذا النقد بجذوره التاريخية، فهذه الشبه التي يثيرها المستشرقون وغيرهم ليست جديدة، وليسوا هم أول من اتخذها مطية للطعن في عقيدة المسلمين ومن أراد الإطلاع على هذه الجذور التاريخية فعليه بالإطلاع على كتاب «الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم» لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ، بل عليه بالإطلاع على أصله الكبير «العواصم والقواصم» وكذلك كتابه «إيثار الحق على الخلق».
فما أثاره المستشرقون وأتباعهم من فلول المعتزلة المعاصرين حول روايات

1 / 16