فرائد الأصول
محقق
لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم
الناشر
مجمع الفكر الإسلامي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٩ هجري
مكان النشر
قم
بسم الله الرحمن الرحيم اعلم (1): أن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإما أن يحصل له (2) الشك فيه، أو القطع، أو الظن.
فإن حصل له (3) الشك، فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمى ب " الأصول العملية "، وهي منحصرة في أربعة، لأن الشك:
إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا.
وعلى الثاني: فإما أن يمكن الاحتياط أم لا.
وعلى الأول: فإما أن يكون الشك في التكليف أو في المكلف به.
فالأول مجرى الاستصحاب، والثاني (4) مجرى التخيير، والثالث
صفحة ٢٥
مجرى أصالة البراءة، والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.
وبعبارة أخرى: الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا (1)، فالأول مجرى الاستصحاب، والثاني: إما أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا، فالأول مجرى أصالة البراءة، والثاني: إما أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، فالأول مجرى قاعدة الاحتياط، والثاني مجرى قاعدة التخيير (2).
وما ذكرنا هو المختار في مجاري الأصول الأربعة، وقد وقع الخلاف فيها، وتمام الكلام في كل واحد موكول إلى محله.
فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة:
الأول: في القطع.
والثاني: في الظن.
والثالث: في الشك (3).
صفحة ٢٦
المقصد الأول في القطع
صفحة ٢٧
المقصد الأول في القطع (1) فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا، لأنه بنفسه طريق إلى الواقع، وليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا (2).
ومن هنا يعلم: أن إطلاق " الحجة " عليه ليس كإطلاق " الحجة " على الأمارات المعتبرة شرعا، لأن الحجة عبارة عن: الوسط الذي به يحتج على ثبوت الأكبر للأصغر، ويصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغير لإثبات حدوث العالم، فقولنا: الظن حجة، أو البينة حجة، أو فتوى المفتي حجة، يراد به كون هذه الأمور أوساطا لإثبات أحكام متعلقاتها، فيقال: هذا مظنون الخمرية، وكل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه.
وكذلك قولنا: هذا الفعل مما أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البينة على كونه محرما، وكل ما كان كذلك فهو حرام.
وهذا بخلاف القطع، لأنه إذا قطع بوجوب شئ، فيقال: هذا
صفحة ٢٩
واجب، وكل واجب يحرم ضده أو يجب مقدمته.
وكذلك العلم بالموضوعات، فإذا قطع بخمرية شئ، فيقال: هذا خمر، وكل خمر يجب الاجتناب عنه، ولا يقال: إن هذا معلوم الخمرية، وكل معلوم الخمرية حكمه كذا، لأن أحكام الخمر إنما تثبت للخمر، لا لما علم أنه خمر.
والحاصل: أن كون القطع حجة غير معقول، لأن الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.
هذا كله بالنسبة إلى حكم متعلق القطع وهو الأمر المقطوع به، وأما بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إن الشئ المعلوم بوصف كونه معلوما حكمه كذا، وحينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم (1) وإن لم يطلق عليه الحجة، إذ المراد ب " الحجة " في باب الأدلة: ما كان وسطا لثبوت أحكام (2) متعلقه شرعا، لا لحكم آخر (3)، كما إذا رتب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا، لا على نفس الخمر، وكترتب وجوب الإطاعة عقلا (4) على معلوم الوجوب، لا الواجب الواقعي (5).
وبالجملة: فالقطع قد يكون طريقا للحكم، وقد يكون مأخوذا في
صفحة ٣٠
موضوع الحكم.
ثم ما كان منه طريقا لا يفرق فيه بين خصوصياته، من حيث القاطع والمقطوع به وأسباب القطع وأزمانه، إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلقه، فيترتب عليه أحكام متعلقه، ولا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، لأنه مستلزم للتناقض.
فإذا قطع بكون (1) مائع بولا - من أي سبب كان - فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه، لأن المفروض أنه بمجرد القطع يحصل له صغرى وكبرى، أعني قوله: " هذا بول، وكل بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه " فحكم الشارع بأنه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له، إلا إذا فرض عدم كون النجاسة ووجوب الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ما علم بوليته على وجه خاص من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما، فيخرج العلم عن (2) كونه طريقا (3)، ويكون مأخوذا (4) في الموضوع، وحكمه أنه يتبع في اعتباره - مطلقا أو على وجه خاص - دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه .
فقد يدل على ثبوت الحكم لشئ بشرط العلم به، بمعنى انكشافه للمكلف من غير خصوصية للانكشاف، كما في حكم العقل بحسن إتيان
صفحة ٣١
ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، وقبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فإن مدخلية القطع بالمطلوبية أو المبغوضية في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختص ببعض أفراده. وكما في حكم الشارع (1) بحرمة ما علم أنه خمر أو نجاسته بقول مطلق (2)، بناء على أن الحرمة والنجاسة الواقعيتين إنما تعرضان مواردهما بشرط العلم - لا في نفس الأمر - كما هو قول بعض (3).
وقد يدل دليل ذلك الحكم على ثبوته لشئ بشرط حصول القطع به من سبب خاص أو شخص خاص، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين (4): من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير (5) الحاصل من الكتاب والسنة - كما سيجئ -، وما ذهب إليه بعض: من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق الله تعالى (6).
صفحة ٣٢
وأمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم (1) غير القاطع كثيرة (2)، كحكم الشارع على المقلد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهادية المعهودة، لا من مثل الرمل والجفر، فإن القطع الحاصل من هذه وإن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه، إلا أنه لا يجوز للغير تقليده في ذلك، وكذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإمامي من الطرق الاجتهادية المتعارفة، فإنه لا يجوز للغير العمل بها (3)، وكحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحس لا من الحدس، إلى غير ذلك.
ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع: قيام الأمارات الشرعية وبعض (4) الأصول العملية مقامه في العمل، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعية، فإنه تابع لدليل الحكم (5).
فإن ظهر منه أو من دليل خارج (6) اعتباره على وجه الطريقية للموضوع - كالأمثلة المتقدمة (7) - قامت الأمارات وبعض (8) الأصول مقامه.
صفحة ٣٣
وإن ظهر من دليل الحكم (1) اعتبار القطع (2) في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره، كما إذا فرضنا أن الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائية والثلاثية والأوليين من الرباعية (3)، فإن غيره - كالظن بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد - لا يقوم مقامه إلا بدليل خاص خارجي غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة وأصالة عدم الأكثر.
ومن هذا الباب: عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البينة أو اليد - على قول - وإن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا، لأن العلم بالمشهود به مأخوذ (4) في مقام العمل على وجه الطريقية، بخلاف مقام أداء الشهادة، إلا أن يثبت من الخارج: أن كل ما يجوز العمل به من الطرق الشرعية يجوز الاستناد إليه في الشهادة، كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد (5).
ومما ذكرنا يظهر: أنه لو نذر أحد أن يتصدق كل يوم بدرهم ما دام متيقنا بحياة ولده، فإنه لا يجب التصدق عند الشك في الحياة لأجل استصحاب الحياة، بخلاف ما لو علق النذر بنفس الحياة، فإنه يكفي في الوجوب الاستصحاب.
صفحة ٣٤
ثم إن هذا الذي ذكرنا - من (1) كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقية وأخرى على وجه الموضوعية - جار في الظن أيضا، فإنه (2) وإن فارق العلم في كيفية الطريقية - حيث إن العلم طريق بنفسه، والظن المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتب أحكام متعلقه، كما أشرنا إليه سابقا - إلا أنه (3) أيضا: قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلقه يقوم مقامه سائر الطرق الشرعية، وقد يؤخذ موضوعا لحكم (4).
فلا بد من ملاحظة دليل ذلك، ثم الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكن الغالب فيه الأول.
صفحة ٣٥