الدر المنتخب في تكملة تأريخ حلب
بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة شيخ الإسلام علاء الدين أبو الحسن علي بن خطيب الناصرية الطائي الشافعي تغمده الله برحمته ورضوانه الحمد لله القديم الأزلي القدير الأبدي مكور الليل على النهار عبرة لأولي الأبصار سبحانه لا يعتريه أفول ولا نقصان ولا يلحقه تغير على مرور الأزمان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الباقي وكل من عليها فان وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله والأمم خائضة في بحار الطغيان عاكفة على عبادة الأصنام والأوثان فلم يزل صلى الله عليه وسلم يناضل عن الله باليد واللسان حتى أصبح عمود الدين عالي البنيان صلى الله عليه وعلى اله الأطهار وأصحابه الأخيار ما تعاقب اليل والنهار إنه كريم غفار وبعد فلما كان حب الوطن يعد من الخلق الحسن وكانت حلب وطني عظيما قدرها جليلا أمرها مع حصانة حصنها وكثرة أعمالها ومدنها وطيب نفعها وصحة تربتها ورقة هوائها وعذوبة مائها وغزارة فضلها وكثرة العلماء والشعراء
صفحة ٤٧
من أهلها ووفور الطارش من العلماء عليها والواردين من الأعيان والفضلاء إليها وجمع لها تاريخا مستوعبا لذلك الإمام العلامة أبو القاسم عمر بن أحمد ابن العديم الحلبي الحنفي رحمه الله تعالى فأتقن وأجاد وأطال ولم يسبقه أحد إلى تاريخ لها على الخصوص وسماه بغية الطلب في تاريخ حلب رتبه على حروف المعجم ومسودته نحو أربعين جزءا كبارا والمبيضة تجيء كذلك لكنه الخترمته المنية قبل إكمال تبييضه أحببت أن أذيل عليه ذيلا مختصرا وقبل الخوض في ذكر الأسماء أصدره بفصول الأول في حلب وأسمائها ومن بناها وألقابها الثاني في ذكر حدودها واعمالها الثالث في ذكرفضلها وخصائصها الرابع في فتحها الخامس في نهرها وقنيها ومساجدها ومعابدها وقد ذكر ذلك الصاحب كمال الدين عمر ابن العديم في تاريخه مستوفى لكن تاريخه تفرق شذر مذر ولا يوجد إلا القليل منه وكنت وقفت منه على بعض أجزاء من المبيضة قبل الفتنة التمرية ثم أذكر من هو منها أو من بلادها أو من اجتاز بها من الرواة والعلماء والفضلاء والرؤساء ومن كان بها من الصالحين والعباد ومن نزلها واجتاز بها أو
صفحة ٤٨
بمعاملتها من أهل الشعر والإنشاد ومن دخلها أو ملكها من السلاطين أو وليها من الأمراء والنواب والقضاة ومن وفد إليها أو إلى معاملتها من فضلاء غيرها من البلاد ومن كان له بها مباشرة من الأعيان أو وقعة أشهرت عنه فعدته من الفرسان ممن كانت وفاته من سنة ثمان وخمسين وستمائة وهي السنة التي أخذ هولاكوئين حلب وخربها ثم أنشئت عمارتها من ذلك الحين وهلم جرا على زمني ورتبتهم على حروف الهجاء في الاسم واسم الأب والجد وإن علا مهما أمكن وكذلك في حروف الاسم واسم الأب وإن علا ليكون أسهل للكشف ولم أدع الاستيعاب بل ما وقفت عليه وعلمت أو غلب على ظني أنه دخل حلب أو معاملتها أو كان من أهلها أو ولد بها فمن عثر على اسم أحد قد أهملته فليلحقه وليدع لي وله بالمغفرة والرحمة وأما الملاحم فإني أذكرها باسم من اشتهرت به وكذلك النوازل والنوادر أذكرها في ترجمة من توفي في السنة التي اتفقت فيها وسميته الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب وما أنا أشرع في ذكر الفصول على وجه الاختصار مستعينا في ذلك كله بالله الواحد القهار وهو حسبي ونعم الوكيل
صفحة ٤٩
الفصل الأول في حلب وأسمائها ومن بناها وألقابها
صفحة ٥٠
اعلم أن حلب كانت تسمى باليونانية باروا وقيل بيرو والصابئة كانت تسميها مابوغ) واسمها بالعربية حلب آوبنيت قبل بناء سلوقوس اللاذقية وسلوقية وأفامية وباروا هي حلب وأما تسميتها حلب فاختلف في ذلك فقيل إنها سميتحلب باسم حلب من بناها من العمالقة وهو حلب بن المهر بفتح الميم وقيل بكسرها من ولد حباب بن مكنف من العمالقة وهذا قول آخر من بناها وقيل إناحلب وحمص ابنا مهر بن حيض بن حاب بن مكنف من بني عمليق هما اللذان بنيا حلب وحمص فنسبتا إليهما وقيل إن حلب سميت بفعل إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام وذلك أن إبراهيم عليه السلام كان يرعى غنمه حولها وكان له وقت يرعى فيه الغنم ويأتي الناس إليه في ذلك الوقت فيقولون حلب إبراهيم حلب فسميت حلب لذلك وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي قال سميت حلب لأن إبراهيم عليه السلام كان يحلب غنمه في الجمعات ويتصدق به فيقول الفقراء حلب حلب فسميت به وقيل إن الذي بنى حلب صاحب الموصل والطالع العقرب والمشتري فيه وعطارد يليه وصاحب الموصل هوبلوكوس وهو الذي تسميه اليونانيون اسسردنيبلوس قيل هو الذي بنى مدينة حلب وقيل بلوكوس ملك خمسا وأربعين سنة وأول ملكه في سنة ثلاث اآلاف وتسعمائة وتسع وثمانين سنة لآدم فإن صح هذا فيكون سلوقوس بنى حلب مرة ثانية بعدما خربت وذكر آخرون في سبب عمارة حلب أن العماليق لما استولوا على البلاد وتقاسموها بينهم واستوطن ملوكهم مدينةعمان ومدينةأريحا الغور كانت قنسرين مدينة عامرة ولم يكن اسمهاقنسرين وإنما كان اسمها سوريا وكان هذا الجبل المعروف بجبل سمعان يعرف بجبل نبو صنم كان يعبدونه في موضع يعرفكفر نبو والعمائر الموجودة اليوم في هذا الجبل آثار المقيمين في جوار هذا الصنم وقد جاء ذكر هذا الصنم في كتب بني إسرائيل وأمر الله بعض أنبيائهم بكسره
صفحة ٥١
ولما ملك بكفورس الموصل وقصبتها يومئذنينوى كان المستولي على خطة قنسرين حلب بن المهر أحد بني الجان بن مكنف من العمالقة فاختط مدينة حلب وسميت باسمه وكان ذلك على مضي ثلاثة أآلاف وتسعمائة واثنين وستين سنة لآدم وكانت مدة ملكبكفورس هذا ثلاثين عاما وكان بناؤها بعد ورود إبراهيم عليه السلام إلى الديار الشامية بخمسمائة عام وتسع وأربعين سنة لأن إبراهيم - عليه السلام ابتلي بما ابتلي به من نمرود زمانه واسمهراميس وهو الرابع من ملوك التوراة و كانت مدة ملكه تسعا وثلاثين سنة ومدة ما بينه وبين آدم عليه السلام ثلاثة الاف وأربعمائة وثلاث عشرة سنة وفي السنة الرابعة والعشرين من ملكه ابتلي به إبراهيم عليه السلام فهرب منه مع عشيرته إلى ناحية حران ثم انتقل إلى جبل البيت المقدس وكان عمارتها بعد خروج موسى عليه السلام من مصر ببني إسرائيل إلى التيه وغرق فرعون بمائة وعشرة أعوام وكان أكبر الأسباب في عمارتها ما حل بالعماليق في البلاد الشامية من خلفاء موسى عليه الصلاة والسلام وذلك أن يوشع بن النون لما خلف موسى قاتل أريحا الغور فافتتحها وسبى وفعل وحرق وأخرب ثم افتتح بعد ذلك مدينة عمان وارتفع بعد ذلك العماليق عن تلك الديار إلى أرض سوريا وهي قنسرين وبنوا حلب وجعلوها حصنا لأنفسهم وأموالهم ولم يزالوا متحصنين بعواصمها إلى أن بعث الله داود فانتزعها منهم
صفحة ٥٢
الفصل الثاني في ذكر حدودها وأعمالها
اعلم أن الشام له حدود أربعة من جهة مصر العريش وحده من جهة الغرب البحر وحده من جهة الشمال بلاد الروم وحده من جهة الشرق الفرات والبادية وقيل حده من العريش إلى بالس وأجناد الشام خمسة فأولها جند قنسرين ومدينتهم العظمى حلب وهي أكبر جنود الشام وأكثره مدنا وحصونا وحده من جهة الغرب البحر الرومي ومن جهة الشرق الفرات وبعض البادية إلى منتهى النظر ومن جهة الشمال درب الروم ومن جهة الجنوب حدود حمص وينتهي إلى خربة تعرف بالقرشية بالقرب من اللاذقية إلى حدود سلمية والجند الثاني جند حمص والجند الثالث جند دمشق
صفحة ٥٣
والجند الرابع جند الأردن والجند الخامس جند فلسطين واسم الشام الأول سورية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن البركة التي بورك في الشام أين مبلغ حده؟ قال أول حدوده عريش مصر والحد الآخر طرف التيه والحد الآخر الفرات والحد الأآخر جبل فيه هود عليه الصلاة والسلام وروي عن كعب الأحبار قالبارك الله تعالى في الشام من الفرات إلى العريش وذكر في كتاب العقد أن أول حد الشام من طريق مصر رفح ثم تليها غزة ثم الرملة رملة فلسطين وعسقلان وبها بيت المقدس وفلسطين هي الشام الأولى ثم الشام الثانية وهي الأردن ومدينتها العظمى طبرية والغور واليرموك وبيسان فيما بين فلسطين والأردن ثم الشام الثالثة الغوطة ومدينتها العظمى دمشق ومن ساحلها أطرابلس ثم رالشام الرابعة وهي أرض حمص ثم الشام الخامسة قنسرين ومدينتها العظمى حلب وبين قنسرين وحلب أربعة فراسخ وساحلها أنطاكية مدينة عظيمة ومن ثغور حلب مصيصة وطرسوس ونهر سيحان وجيحان
صفحة ٥٤
وذكر قدامة بن جعفر في كتاب الخراج أن أبا عبيدة سار إلى قنسرين وكورها يومئذ مضمومة إلى حمص حتى جعل يزيد بن معاوية قنسرين وأنطاكية ومنبج جندا فلما استخلف الرشيد أفرد قنسرين بكورها فصير ذلك جندا وأفرد منبج ودلوك ورعبان وقورس وأنطاكية وتيزين وسماها العواصم لأن المسلمين كانوا يعتصمون بها في ثغورهم فتعصمهم قيل إن الذي جعل حلب قنسرين جندا على حدة وأفردها عن حمص هو معاوية بن أبي سفيان وكانت حمص وقنسرين شيئا واحدا وقد اختلفوا في تسمية الأجناد فقال بعضهم سمى المسلمون فلسطين جندا لأنه جمع كورا وكذلك دمشق وكذلك الأردن وكذلك حمص وقنسرين وقيل إن محمد بن مروان كان سأل عبد الملك تجنيد الأجناد ففعل ذلك وكان في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه جند الشام أربعة أجناد مفرقة في أيدي عماله وهم أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزدد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص فبقيت الشام على ذلك التجنيد حتى زاد فيها يزيد بن معاوية قنسرين فصارت أجناد الشام خمسة كما قدمته وذكر بعضهم أن الجزيرة كانت مضمومة إلى قنسرين فأفردها عبد الملل لأن قنسرين كانت من الجزيرة ولقنسرين كان الشرف في أول الدهر ولكنها اليوم خراب
صفحة ٥٥
وقد ازدادت في هذا الزمان أعمال حلب فعملها اليوم من جهة الروم درندة وهي آخر عملها وما سامته من الروم إلى البحر من ناحية الغرب وبعض الجزيرة مثل الرها والرقة وجعبر والبيرة وما والاها من جهة الشرق ومن ناحية القبلة إلى قرب حماة وحماة هي اليوم منفردة بعمل لكنها قديما كانت من مضافات حلب ومضاف إليها المعرة وقرى كثيرة من بلد المعرة ونحن نذكر من كان في حماة من أهلها ومن دخل إليها وإلى معاملة حلب من جهتها على ما كان قديما إن شاء الله تعالى
صفحة ٥٦