مع آيات في كتاب الله
إن طريق العزة لا يكون في غير منهج الله، فمن تأمل التاريخ، ودقق النظر في تاريخ الرعيل الأول، وجد الضالة المفقودة التي ينشدها المسلمون اليوم، وهي العزة والنصر والتمكين، وهي لا تكون إلا إذا حققنا منهج الله في حياتنا كما حققه ذلك الجيل، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

1 / 1

استحقاق الله للعبادة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الذي يقرأ كتاب الله ﵎ ببصيرة نافذة، يدرسه، ويتأمله، ويفقه ما فيه؛ فإنه يضع نفسه في الإطار الصحيح الذي ينبغي أن يوضع فيه، فيعرف طريقه في الحياة، ويعرف المهمة التي ينبغي أن يتحملها، وذلك أن الإنسان لا يستقر له بال ما لم يحمل مهمة في هذه الحياة، ويشغل نفسه بقضية.
وفي كثير من الأحيان يشغل الإنسان نفسه بقضايا تعود عليه بالضرر والوبال، فجاء القرآن الكريم ليضعنا في المسار الصحيح، وفي الطريق الحق، وفي هذا المقام سوف نستعرض ونقف مع تلك الآيات التي افتتح الله بها سورة آل عمران؛ لنتبين الإطار السليم الذي يضع القرآن فيه الإنسان.
يقرر الله ﵎ أنه صاحب الأمر والنهي في هذا الكون، والمتفرد في ذلك، وهو إله الناس، ورب الناس، ومالك الناس، وهو السيد المتفرد قال تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢]، لا يوجد في هذا الوجود معبود يستحق العبادة إلا الله، ولا يتصف بصفات الجلال والكمال إلا الله، فهو الذي أنشأ الكون، وخلق الوجود، ويدبر الأمر ويصرفه، فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، يقول الرسول ﷺ: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، فهو حي كامل الحياة، لا يموت، قيوم قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره، ويقيم غيره، فلا يحتاج إلى أحد، لا من ملائكته، ولا من البشر، ولا من الجن، ولا من جميع المخلوقات، بل كل الوجود بحاجة إليه، الملائكة بحاجة إليه، والعرش بحاجة إليه، والسماوات بحاجة إليه، والبشر بحاجة إليه.
ويقول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، فقوله: «وَالْمَلائِكَةُ» أي: والملائكة كلهم يشهدون أنه السيد المطاع، وأنه المعبود الحق، وأنه المالك والخالق الموجد الذي يستحق أن يعبد دون غيره.
وقوله: «وَأُوْلُوا الْعِلْمِ» أي: أصحاب العلم الذين فتح الله بصائرهم وهداهم إلى طريقه الحق، يشهدون بذلك، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].

1 / 2

أهمية الاستقامة على منهج الله ودينه
قضيتنا: كيف ننتسب إلى هذا الإله المتفرد الواحد الأحد؟ وكيف نقيم حياتنا وفق منهجه؟ وكيف نحمل رسالته إلى العالمين؟ وكيف ندعو البشرية لأن يحكموا الحياة الإنسانية بمنهج الله ﵎؟ إن القضية التي جاءت بها الرسل من عند الله هي: أن يكون الناس عبيدًا لهذا الإله الواحد الأحد، وأن يقيموا وجوههم لله ﵎، وأن يحكموا حياتهم وحياة مجتمعاتهم بحكم الله، وبمنهج الله، قال ﵎: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:٣ - ٤].
منهج الله تتضمنه الكتب السماوية التي أنزلها الله ﵎ هداية للبشرية، يلتزم بها الفرد في نفسه فيمثل الهداية على وجه الأرض، ويلتزم بها المجتمع فيحكم نفسه بالكتاب المنزل، فيكون المجتمع السوي الذي يريده الله ﵎ للبشرية، كما يقول الله أيضًا في أوائل هذه السورة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالدين والمنهج الحق الذي ينبغي أن يحكمك ويحكم المجتمع هو الإسلام، والإسلام علم على هذا المنهج الذي وضعه الله ﵎ ليصلح عقيدتك، وفكرك، وسلوكك، وأسرتك، والمجتمع الإنساني.
وهذا المنهج اسمه الإسلام؛ لأنك تستسلم فيه لله، وتنفذ منهج الله، ويستسلم فيه المجتمع لله، قال الله ﵎: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ»، لا الشيوعية ولا القومية، ولا البوذية، ولا عبادة الأصنام، ولا عبادة الفئران، ولا أي نظرية في الأرض.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]، هذه الانحرافات التي عند اليهودية، وعند النصرانية، وعند البشرية، حدثت والرسالات تتلى وتتوالى على البشر، فيختارون منهجًا غير منهج الله ﵎، وأنت تحمل القضية وهي: أنك تنتسب إلى الله ﵎، وبمجرد انتسابك إلى الله ﷿، بأن قبلت رسالة الله ﷿، وحملت الأمانة، وأصبحت ذا مهمة محددة تحققها في واقع الحياة؛ فإنك لا بد أن تواجه الذين يرفضون منهج الله ﵎، ودين الله، وكتب الله ﷿.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤]، هناك فريق لا يستجيب، لا يؤمن بما أنزل الله ﵎؛ فهؤلاء يصبحون أعداء لخالق الوجود الإله المعبود، وهم أعداء أيضًا للمؤمنين، والله ﵎ يعادي هؤلاء، ويتهددهم ويتوعدهم بالعذاب الدنيوي والعذاب الأخروي في الوقت الذي يؤمنك فيه، ويسكب في قلبك عظمته، وأنك تنتسب إلى قوة عليا تستطيع أن تواجه بها العالم، وعندما تأكد هذا المعنى في نفوس الصحابة، والقرآن يدفق عليهم بقوة أصبحوا قوة هائلة، بضع مئات كانوا يغلبون ألوفًا، وتهتز الدنيا من حولهم، ثم يرتد العرب الذين آمنوا ودخلوا في دين الله أفواجًا، يرتدون ولا يثبت منهم إلا فئة قليلة، ولكن هذه الفئة التي فقهت دورها وارتباطها بربها، وعلمت مدى قدرة الله وقوته، استطاعت أن تعيد المياه إلى مجاريها، وأن تحول التيار الذي أراد أن يجتاح الإسلام إلى قوة تزيل الكفر، وتدمر عروش الظالمين، فقهوا قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران:١٠ - ١١] أي: قل للذين كفروا الذين لا يؤمنون بي، ولا يوحدونني، ولا يؤمنون برسالتي، ولا يحكمون شرعي وديني، ولا ينهجون منهجي: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٢].
والمثال قريب: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٣]، في يوم الفرقان يوم التقى الجمعان -الكفر والإيمان- في معركة بدر، والمؤمنون قلة، والكفار كثرة، أنزل الله نصره على الذين آمنوا، وأمدهم بألوف من الملائكة تنزل فوجًا بعد فوج، فيثبت بهم قلوب الذين آمنوا، ونصرهم على أعدائهم.
«إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ» هؤلاء أعداء لله، وهؤلاء قد يصولون ويجولون، وقد يقتلون المؤمنين، بل وقد يقتلون الأنبياء، وتلك معركة ينال الكفار منا فيسقط من يسقط شهيدًا، وننال منهم فننال العزة والنصر، ولكن أين مصيرهم؟ غضب الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:٢١]، ليس المؤمنون فقط هم الذين يقتلون، بل الأنبياء أيضًا قد يقتلون، ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ﴾ [آل عمران:٢١] أي: يأمرون بالعدل، وتنفيذ حكم الله وشرع الله.
فلا تظنوا الذين يسقطون الآن لأنهم يطالبون بحكم الله أنهم ظالمون، كلا، رب العزة يقول في هؤلاء الذين يقومون بهذه الأعمال التي تسميها الدول خيانة عظمى، وهي كذلك في ميزان الله، ولكنهم يخونون الله ﵎: ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٢٢].
ثم قال بعد ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٢٣]، أي: بقية اليهود والنصارى الذين عندهم بقية من كتاب ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:٢٣]، وإلى منهج الله ودين الله فيقفون في صف الأعداء، وكان الأحرى بهم أن يقفوا في صف خاتم الرسل الذي جاء امتدادًا لموسى وعيسى ﵉.
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران:٢٣]، حجتهم إنما هي ترهات، وأباطيل، وكذب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٥]، بمقدار ما يعظم ربنا في صدورنا، وبمقدار ما نؤمن بقدرته وعظمته وقيوميته وحياته، وبمقدار ما نتوكل عليه، ونعتمد عليه، ونعلم أنه يفعل ما يشاء، ويقدر على ما يشاء، بمقدار ما نستطيع من تحقيق هذه الأمانة، وتفجيرها في واقع الحياة، وجعلها هي السائدة في الوجود.

1 / 3

ملك الله يؤتيه من يشاء
والله ﵎ يبين لنا شيئًا من قدرته، وشيئًا من عظمته؛ لنعيش في الأرض وقلوبنا معلقة بخالق الوجود، ورب الأرض والسماء، لا بأمريكا، ولا بريطانيا، ولا فرنسا، ولا مجلس الأمن، ولا أي قوة في الأرض ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]، ذلك ربنا، وإلهنا، وسيدنا، وواضع منهجنا وطريقنا، فمن له حاكم كحاكمنا؟ ومن له سيد كسيدنا؟ إذا لجأ الناس إلى قوى الأرض، ولجأ المؤمنون إلى ربهم، فإنه يزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم، ويخسف بهم من السماء، ويزيلهم من الأرض؛ لأنه قادر على ذلك كله، وقد فعل بأسلافنا من قبل مثل هذا، فأعزهم ونصرهم، ودانت لهم الدول، وكان ذلك واقعًا حيًا مشهودًا.
«قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ»، لا يظن الناس أنهم يحصلون الملك بمشيئتهم، فالله ﵎ هو الذي يؤتي الملك، وهو الذي ينزع الملك؛ أمة مقهورة يصبح جنابها عاليًا، كانت لا ذكر لها في التاريخ، ولا يؤبه لها، ثم آتاها الملك، ثم ينزع الله الملك بعد أن تعلو وترتفع ويصبح لها سلطان كبير، ويزيل الله ﵎ ملكها: «وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ».
وكم حكى لنا التاريخ عن أقوام عزوا وبزوا، ثم ذلوا وهانوا، والله ﵎ هو المعز وهو المذل: «َتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» هذا فعله في البشر، وهو الذي يفعل في الكون ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧].
فإذا التجأ الناس إلى الله، وأقاموا حياتهم على منهجه، فالله ﵎ يؤتيهم الملك ويعزهم، ويذل أعداءهم، وينزع منهم الملك، فالله ﵎ هو الحاكم في كونه، والحاكم في خلقه ﵎، وعندما نفقه كتاب الله يضعنا كتاب الله في الإطار الصحيح، ويقيمنا على المسار الصحيح، فيبني نفوسنا وعقولنا، ويهذب طباعنا، ويصحح سلوكنا، ويصبح الإسلام منهجًا لحياتنا؛ فنعرف طعم الحياة في ظلال الإسلام على منهج الله ﵎.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

1 / 4

أسباب الانحراف عن الاستقامة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
إن من أعظم ما يحرف مسار الفرد بل مسار البشرية عن الاستقامة على منهج الله ﵎ هو ما ركب في الإنسان وفي البشر من شهوات، ينحرف الإنسان إذا ما استولت الشهوات على نفسه، أو عندما يقوم شياطين الإنس والجن ليوقعوا البشرية في حمأة الرذيلة والفسق والفساد، وإن أعظم سلاح يواجه به أعداء الإسلام المسلمين أن يحطموا عقائدهم وأخلاقهم بأن يجعلوهم يرتعون في الشهوات.
في حروب صلاح الدين عندما رأى الصليبيون الجدار الصلب الذي يملكه صلاح الدين من القوة التي بناها الإسلام، وغذاها الإيمان أرادوا أن يحطموا ذلك، فجاءوا بمئات من فتياتهم ووضعوهن في معسكرات قرب معسكرات المسلمين؛ ليحطموا الأخلاق، ويحطموا الرجال؛ فتهتز العقيدة، ويهتز الإيمان، فتتبدل الغاية، وعند ذلك يسهل عليهم أن يقتنصوا المسلمين، ولكن صلاح الدين علم بالمؤامرة واحتاط لها، وهي الفعلة نفسها التي يفعلها أعداؤنا بنا في هذه الأيام لتحطيم الشخصية الإسلامية، والعقيدة الإسلامية، والخلق الإسلامي.
زينوا للمرأة أن تخرج من بيتها متكشفة ومتهتكة، ومتبرجة، وأرسلوا فتياتهم إلينا على وصف أبلغ من هذا، فذهب شبابنا إلى ديارهم التي يسودها جو من الإباحية النتن القذر، كل ذلك ليغرقونا في حمأة الرذيلة، والإنسان مزين في نفسه حب الشهوات، والإسلام يريد من أتباعه أن يرتفعوا فوق هذا المستوى، وأن يستقيموا على منهج الله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤]، هذا هو متاع الدنيا: أموال، زروع، قصور، مراكب فارهة، هذا متاع الحياة الدنيا.
ثم يعرض الله ﵎ صورة أخرى لا للمتاع، ولكن لنعيم الآخرة، وهو لا يسمى متاعًا، فإن ما في الدنيا من زينة يسمى متاعًا؛ لأنه يتمتع به ثم يزول ولا يبقى، أما نعيم الآخرة فلا يتوقف ولا ينتهي، ولا يتلاشى قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥]، هذا هو نعيم الآخرة في جانب متاع الدنيا العارض الزائل الذي لا يدوم، وهو شيء تافه يسير بالنسبة لنعيم الآخرة، وليس معنى ذلك أن الإسلام يقول لك: انزع الشهوات من قلبك وعش راهبًا.
فالإسلام جاء بمحاربة الرهبانية، لكنه وضع ضوابط للشهوات، أحل الزواج وحرم الزنا، وحرم اللواط، ووضع حدودًا للزواج، فيحل أن يتزوج الرجل من امرأة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع فلا يزيد، ولا يحل له أن يتزوج من كافرة، فقد وضع الإسلام منهجًا فلا تتعد منهج الله، ولا تحرم ما أحل الله.
وكذا المال شرع لك الطرق التي تمكنك من أن تستفيده منها، وحرم عليك أن تأخذ المال من طريق الربا، وأن تأخذه من طريق الرشوة، وأكل مال اليتيم، وأكل مال الناس بالباطل، وحرم عليك الإسراف، وأمرك بالاعتدال؛ فالله لم يحرم علينا هذه الزينة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، لكن الإغراق فيها، وأخذها من حيث لا تحل، ونسيان أنك عبد لله ﵎ هذا هو المرفوض في دين الله وفي منهج الله.
فإذا ما استقام المسلمون عرفوا حقيقة الحياة، وكيف يأخذونها، وكيف يكونون في هذه الحياة، وكيف يسيرون بمنهج الله ﵎؛ عند ذلك يستقيم أمرهم، ولا يجد أعداؤهم طريقًا إلى أنفسهم، فيكونون أولياء لله، وأولياء للإسلام، وأولياء للمؤمنين، يقيمون أنفسهم بهذا المنهج، ويستقيمون على هذا المنهج؛ فيعزهم الله ﵎ بالإسلام، ويعز الإسلام بهم، وتعود المسيرة الإسلامية التي اضطربت في أيامنا الأخيرة اضطرابًا شديدًا في مواجهة أعداء الإسلام؛ فذل المسلمون وهانوا، فليعودوا مرة أخرى إلى الاستقامة على الطريق، ونسأل الله ﵎ أن يكون ذلك قريبًا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

1 / 5

عالم الجن
إن عالم الجن من العوالم الغيبية التي يحب على المؤمن الإيمان بوجودها، وقد جاء القرآن والسنة بذكر الجن، وأن منهم الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وهم يأكلون ويشربون، غير أن لهم صفات تخصهم عن غيرهم، وهم في الغالب أعداء لبني البشر وعداوتهم مستمرة إلى يوم القيامة.

2 / 1

تعريف عالم الجن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فحديثنا اليوم عن عالم الجن، وعلماء العقائد يلحقون الحديث عن الجن ببحث الملائكة، لأن هناك نوعًا من الشبه بين البحثين، وحتى يتميز الملائكة وهم عالم غيبي عن عالم الجن.
إن الحديث عن الجن أمر مقرر لا بد منه؛ لأن الله ﷾ أخبرنا بذلك والرسول ﷺ أخبرنا بذلك، فهو جزء من الغيب الحقيقي الذي يجب أن نؤمن به، فنحن مطالبون بأن نؤمن بالغيب لكن ليس غيب الخرافة والدجل، إنما الغيب الذي أخبرنا به الله ﷾: كالجنة، والنار، واليوم الآخر، والملائكة، ومن جملة ذلك عالم الجن.
ومما يوجب معرفة هذا العالم أن خفاءه وعدم معرفة الناس به معرفة حقيقية يوقع الناس في كثير من اللبس والخرافات والانحرافات التصورية والعقائدية كما سيتبين معنا في أثناء هذه الدراسة، وهذه الدراسة عن الجن تعتبر دراسة موسعة أرجو أن يكون من ورائها الخير إن شاء الله.
والجن عالم من العوالم التي خلقها الله ﷾، وهي مدركة عاقلة كالبشر، والعوالم العاقلة التي أخبرنا الله ﷾ بها ثلاث: البشر، والملائكة، والجن، وقد سموا جنًا لاجتنانهم؛ وهو الاستتار، فنحن لا نراهم كما قال الله ﷾: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، وقد علمنا أن البشر خلقوا من طين، والملائكة من نور، أما الجن فقد خلقوا من نار.
والملائكة لم يخبرنا الله ﷾ في القرآن أنهم خلقوا من نور إنما أخبرنا النبي في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم، أما الجن فقد جاءت نصوص كثيرة تبين المادة التي خلقوا منها، فقد قال جل وعلا: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، ومارج النار هو طرف اللهب، وبعض العلماء يقولون: مارج من نار، أي: من أحسن اللهب وأصفاه، ولكن الحقيقة أن (مارج من نار) هو اللهب المختلط بسواد النار كما فسره النووي ﵀.

2 / 2

أسماء الجن وأصنافهم
يطلق الناس -منذ القدم- على الجن أسماء مختلفة وهي في الحقيقة واحدة، فيقولون: الجن، وقد يكون هذا الجني من الذين يسكنون مع الناس في بيوتهم، فيسمونهم عمارًا، فإذا كان يتعرض للأولاد والصبيان فإنهم يسموه أرواحًا، فإذا كان خبيثًا سيئًا يسمونه شيطانًا، فإذا كان هذا الشيطان عاتيًا متمردًا فإنهم يسمونه عفريتًا، وكلها أسماء متقاربة.
هذه مراتب الجن من حيث أسمائهم، أما من حيث خلقهم فقد صنفهم الرسول ﷺ إلى ثلاثة أصناف، يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون) أي أنهم قبائل وعشائر.

2 / 3

مراتب الجن في الصلاح والفساد
للجن مراتب في الصلاح وفي الفساد، فمنهم المستقيمون الصالحون الطيبون، ومنهم الكفرة المجرمون، ومنهم العصاة المذنبون، كما أخبرنا الله ﷾ حكاية عن الجن الذين استمعوا للرسول ﷺ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١] أي: جماعات ومذاهب ونحل مختلفة وفي آية أخرى يقولون: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥] فمنهم المسلمون ومنهم الكفار.

2 / 4

حكم من أنكر الجن
لا يجوز بحال من الأحوال أن ينكر مسلم عاقل الجن ثم يدعي الإسلام؛ لأنه ليس هناك مجال لإنكارهم بحال من الأحوال، والمشركون وكثير من الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالإسلام بل حتى من نسميهم فلاسفة الإسلام يقولون: إن الجن المراد بهم: أرواح، وبعض العقلانيين من الفلاسفة المسلمين وبعضهم من المحدثين يقولون: المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواه، كما أنهم يقولون: إن المراد بالملائكة النوازع الخيرة الموجودة في النفس الإنسانية، ومن الغريب أن بعض الناس أيضًا يقول: الجن هم ما كشف عنه العلم الحديث من الميكروبات والجراثيم، فالجن الذين كلفهم الله بعبادته وأمرهم ونهاهم المراد بهم الميكروبات والجراثيم الموجودة في جسم الإنسان أو في بعض المخلوقات على زعمهم ومن المحدثين الدكتور محمد عبده في تفسيره لسورة النور يرى أن المراد بالجن الملائكة، فليس هناك عالم اسمه عالم الجن مخالف لعالم الملائكة، فالجن هم الملائكة على حد زعمه.
ومنهم من يلحق البشر الذين يتسترون بأفكارهم ومعتقداتهم كالمنافقين بعالم الجن، وهذا خطأ، ومن تأمل في آيات القرآن وحديث الرسول ﷺ علم أن الجن خلق آخر غير الملائكة وغير البشر.

2 / 5