ديوان جرير

محقق

د. نعمان محمد أمين طه

الناشر

دار المعارف

الإصدار

الثالثة

مكان النشر

القاهرة - مصر

ديوان جرير
رواية أبي الحسن محمد بن العباس بن أحمد بن الفرات عن أبيه أبي الخطاب العباسي بن أحمد عن أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري عن أبي جعفر محمد بن حبيب.
ورواية القاضي أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي عن أبي عبد الله محمد بن عرفة النحوي عن السكري عن ابن حبيب. سماع لمحمد بن أحمد بن عمر بن الخلال أبي الغنائم.
الجزء الأول

1 / 45

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خيرته من خلقه سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى عترته الظاهرين، وسلم تسيلمًا.
١
قال جرير بن عطية بن الخطفى: وهو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يهجو الأخطل:
١ حىِّ الغداة برامة الأطلالا ... رسمًا تحمل أهله فأحال
رامة: ماء لقيس على اثنيّ عشرة مرحلة من البصرة، آخر بلاد تميم، أحال: أتت عليه أحوال. وروى عمارة: (تقادم عهده). تقادم: أي قدم.
٢ إنَّ السوارى والغوادى غادرت ... للريح مخترقًا به ومجالا

1 / 47

السواري: ما أسري عليه ليلا. والغوادى: ما غاداه. والمجال: المسلك. والمطَّرد: الاطراد: تتابع الطريق واستواؤه.
٣ لم أر مثلك بعد عهدك منزلًا ... فسقيت من سبل السِّماك سجالا
السبل: المطر. والسماك: من أنواء الصيف، وهو أيمن نجوم الصيف.
٤ أصبحت بعد جميع أهلك دمنةً ... قفرًا وكنت مربَّةً محلالا
الدمنة: الكساحة والأبعار في هذا الموضع. والدمنة: المنزل بعينه والدمنة: الحقد. والمربَّة: المألوفة المختارة. والمحلال: المختارة للحلَّة.
٥ ولقد عجبت من الديار وأهلها ... والدَّهر كيف يبدِّل الأبدالا
٦ ورأيت راحلة الصِّبا قد أقصرت ... بعد الوجيف وملَّت التَّرحالا

1 / 48

يقال منه: وجف البعير يجف وجيفًا وأوجفته أنا إيجافا. والوجيف: سير الرفيع
والذميل: بين العنق والوجيف
٧ إن الظعائن يوم برقة عاقل ... قد هجن ذا سقم فزدن خبالا
أصل البرقة اختلاف اللونين. والبرقة من الأرض: ذات رمل وحصى، وربما خلطه طين.
٧ طرب الفؤاد لذكرهنَّ وقد مضت ... بالليل أجنحة النجوم فمالا
أجنحة النجوم: ما جنح منها للسقوط. وميل الليل: تهُّوره وسقوطه.
٩ يجعلن مدفع عاقلين أيامنًا ... وجعلن أمعز رامتين شمالا
مدفعه: مجرى سيله. وعاقلان: ثنى عاقلا بغيره كما قالوا رامتان وإنما هي واحدة. والأمعز: الأرض ذات الحصى وهي المعزاء. وعاقل أيامنا. وعاقل قريب من رامة. وروى ابن الأعرابي: يجعلن مدفع عاقل أيمانها.
١٠ لا يتصلن إذا افتخرن بتغلب ... ورزقن زخرف نعمة وجمالا

1 / 49

١١ طرق الخيال لأمِّ حزرة موهنًا ... ولحبَّ بالطيف الملم خيالا
الطروق: لا يكون إلا بعد هدأة من الليل وكذلك الوهن والموهن والهدأ والهدوء مهموز، والهدأة والهزيع والتهواء والسعواء والجش والجوش والذهْل والذهَل بمعنى واحد. وقوله: ولحب: أراد لحبب.
١٢ [يا ليت شعرى] يوم دارة صلصلٍ ... أتريد صرمى أم تريد دلالا
دارة صلصل، ودارة جلجل، ودار مكمن، ودارة زخرف، ودارة قطقط، ودارة الدور، ودارة الخرج، ودارة [القلتين] ودارة وشحى، ودارة الكور، ودارة المعدن.
١٣ لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعت حديثك أنزلا الأوعالا
العصم: الوعول، وإنما جعلت عصما لبياض في أيديها، وذلك يقال له عصمة. وعماية ويذبل، جيلان بالعالية، ثنَّى عماية وهو جبل واحد، كما ثنى رامتين. وفرس أعصم: إذا كانت إحدى يديه بيضاء.

1 / 50

١٤ حيّيت لست غدًا لهنَّ بصاحب ... بحزيز وجرة إذ يخدن عجالا
وجرة: دون مكة بثلاث مراحل لبنى سليم. والحزيز: الغليظ. المنقاد مستطيلا، وجمّاعة أحزة وحزَّان. والوخد: ضرب من السير رفيع، يقال: وخد البعير يخد وخدًا ووخدانًا ويروى: كرِّى فلست.
١٥ أجهضن معجلةً لستَّة أشهر ... وحذين بعد نعالهنَّ نعالا
الإجهاض والإعجال واحد وهو أن تلقيه قبل وقته.
١٦ وإذا النهار تقاصرت أظلاله ... وونى المطىُّ سآمةً وكلالا
تقاصر الظلال عند عقول الشمس وتكبُّدها السماء، وفي ذلك الوقت تخور الإبل وتضعف. وونى: فتر، يقال منه ونى ينى ونيًّا. والسآمة: الملالة والضجر، يقال سم يسأم سأمًا وسآمة.
١٧ رفع المطيُّ بكل أبيض شاحب ... خلق القميص تخاله مختالا
رفع المطى: يريد رفعه في سيره، واختياله: ميده، شبهه لميده على

1 / 51

رحله وضر [به] برأسه من النعاس بالمختال.
١٨ إني جعلت فلن أعافى تغلبًا ... للظالمين عقوبةً ونكالا
١٩ قَبَح الإله وجوه تغلب إنها ... هانت علىَّ مراسنًا وسبالا
المراسن: الأنوف، واحدها مرسن.
٢٠ قبح الإله وجوه تغلب كلما ... شبح الحجيج وكبروا إهلالا
الشبح: رفع الأيدي بالدعاء، والإهلال: رفع الصوت، ومن هذا يقال للملبِّى: أهلَّ بالحج: إذا لبَّى.
٢١ عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
يقال جبريل وجبرين وجبرئيل وجبرال وميكال وميكائيل، وسرافين وسرافيل وإسماعيل وإسماعين وأنشد:
قالت جوارى الحيّ لمَّا جينا
هذا ورب البيت إسماعينا
٢٢ المعرسين إذا انتشوا ببناتهم ... والدائبين إجارةً وسولا
يريد: الدائبين بين سائل وأجير.
٢٣ والتغلبى إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثَّل الأمثالا

1 / 52

٢٤ أنسيت يومك بالجزيرة بعدما ... كانت عواقبه عليك وبالا
٢٥ حملت عليك حماة قيس خيلها ... شعثًا عوابس تحمل الأبطالا
٢٦ ما زلت تحسب كل شيءٍ بعدهم ... خيلا تكرّ عليكم ورجالا
٢٧ زفر الرئيس أبو الهذيل أباركم ... فسبى النساء وأحرز الأموالا
هذا يوم الكحيل: وكان سببه أن عمير بن الحباب السلمىّ لما قتل بالحشاك، والحشاك بجانب الثرثار، وهو قريب من تكريت، أتى تميم بين الحباب زفر بن الحارث من بني كلاب، فأخبره بقتل عمير، وسأله الطلب له بثأره. فكره زفر المسير، وأبى عليهم. فسار تميم ابن الحباب بمن تبعه من قيس، وتابعه على ذلك مسلم بن ربيعة العقيلي. فلما وجهوا نحو بني تغلب لقيم الهذيل بن زفر في زراعة له فقال: أين تريدون؟ فأخبروه بما كان من زفر. فقال: أمهلوني ألق الشيخ.

1 / 53

فأقاما. ومضى الهذيل، فأتى زفر فقال: ما صنعت؟ والله لئن ظفر بهذه العصابة إنه لعار عليك، وإن ظفروا إنه لأشد! قال زفر: فاحبس علىّ القوم. فقام زفر في أصحابه خطيبًا، فحرضهم وحشدهم - أي جمعهم - وعرفهم ما ذهب منهم من عمير وسؤدده وبمكان عمير فيهم. ثم شخص، واستخلص عليهم أخاه أوس بن الحارث، فسار حتى انتهى إلى الثرثار فدفنوا أصحابهم، ثم وجه زفر بن الحارث يزيد بن حمران - من قيس، من أصحاب زفر - في خيل، فانتهى إلى بني فدوكس، فقتل رجالهم، واستباح أموالهم، فلم يبق في ذلك الحواء غير امرأة واحدة، يقال لها حميدة بنت امرئ القيس، عاذت بابن حمران، فأعاذها، وبعث الهذيل إلى بني كعب بن زهير - من بني تغلب - فقتل فيهم قتلًا ذريعًا وبعث مسلم بن ربيعة إلى ناحية أخرى، فأسرع في القتل وبلغ ذلك تغلب والنمر، فارتحلت تريد عبور دجلة، فلحقهم زفر بن الحارث بالكحيل - وهو نهر أسفل من الموصل مع المغرب - فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وترجل أصحاب زفر أجمعون. وبقى زفر على بغل له، فقتلوهم ليلتهم، وبقروا ما وجدوا من النساء، وذكروا أن من غرق في دجلة أكثر ممن

1 / 54

قتل بالسيف، وأن الدم كان في دجلة قريبًا من رمية سهم، فلم يزالوا يقتلون من وجدوا حتى أصبحوا، فذكروا أن زفر دخل معهم دجلة، وكانت فيه بحة، وجعل ينادي ولا يسمع صوته أصحابه، وفقدوه، فخشوا أن يكون قد قتل، فتذامروا، وقالوا: لئن قتل شيخنا فما صنعنا شيئًا، فاتبعوا، فإذا هو في الماء يصيح بالناس وتغلب قد رمت بأنفسها تعبر في الماء، فخرج من الماء، وأقام في موضعه، فهذه الوقعة تسمى الحرجيَّة لأنهم أحرجوا، فألقوا أنفسهم في الماء، ثم وجه يزيد بن حمران، وتميم بن الحباب ومسلم بن ربيعة والهذيل بن زفر، كل واحد منهم في أصحابه، وأمرهم ألا يلقوا أحدًا إلا قتلوه.
فانصرفوا من ليلتهم، وكل قد أصاب حاجته من القتل والماء. ثم مضى يستقبل الشمال بجماعة أصحابه حتى أتى رأس الأيِّل، ولم يخلف بالكحيل أحدًا. والكحيل على عشرة فراسخ من مدينة الموصل فيما بينها وبين الجنوب - فصعد قبل رأس الأيل، فوجد عسكرًا من النمر وتغلب فقاتلوهم بقية ليلتهم، فهربت تغلب وصبرت النمر، وهذه الليلة تسميها تغلب "ليلة الهرير"، فقال زياد بن سليمان النمري يفخر على بني تغلب بصبر النمر:

1 / 55