632

أبو بكر الفرغاني الصوفي

631 - حدثت عن محمد بن أحمد بن سليمان الوراق: أنه قال: سمعت أبا الربيع محمد بن الفضل الصفار البلخي يقول: سمعت أحمد بن علي الرستمي البغدادي يقول: كان أبو بكر الفرغاني من أجلة الصوفية عندنا، وكان من رسمه: أنه كان يسيح ومعه .. .. كوز ضيق الرأس فيه قميص نظيف رقيق، فإذا اشتهى دخول قرية أو مدينة، تنظف، وتطهر، وأخرج ذلك القميص فلبسه، وكان يسافر معه بمفتاح حديد منقوش، فإذا دخل المدينة أو القرية، عمد إلى مسجد، فصف بين قدميه يصلي، وطرح المفتاح بين يديه، فكل من رآه، توهم أنه تاجر، فينزل بعض خانات التجار، فلا يفطن له إلا الخلصان من أولياء الله.

فدخل مصر مرة على هذا الزي يعرف بها، واجتمع إليه أمة من الصوفية، فبينما هو يوما من الأيام يتكلم على الصوفية في جامع مصر، إذ عرض له خاطر السفر، فقام من مجلسه كالهائم، وخرج من البلد، وتبعه نحو من سبعين رجلا من الصوفية والسياحين، فمشى في يومه ذلك قريبا من تسعة فراسخ، لا يعرج على شيء، غير أداء الفرائض، إذا حضر وقته.

فتقطع من كان خلفه، فرجع بعضهم، وعدل بعضهم إلى القرى؛ لما حل بهم من الجوع والعطش والتعب، فلما دنت الشمس للغروب، التفت إلى من بقي خلفه، فقال لهم متبسما: كأني بكم وقد جعتم وعطشتم وتعبتم، #802# فقالوا: بنا بعض ذلك، فعدل بهم إلى غمر من أغمار النصارى، في وسطه صومعة لراهب، فلما دخلوا الغمر، أشرف الراهب على أصحابه، وناداهم، فقال لهم: أطعموا رهبان المسلمين؛ فإن بهم قلة صبر على الجوع.

فامتعظ أبو بكر من ذلك امتعاظا شديدا، فرفع بصره إليه، فقال له: أيها الجاحد لربه، الكافر بجميل صنعه! هل لك إلى خصلة تتبين بها الصابر من الجازع؟ قال: وما ذاك؟ قال: تنزل من صومعتك، فتتناول من الطعام ما أحببت، ومن الشراب ما اشتهيت، ثم تدخل معي بيتا، ونغلق علينا الباب، ويدلى لنا من الماء قدر ما نتطهر به، فأول من يظهر جزعه، ويستغيث من جوعه، ويستفتح الباب، دخل في دين صاحبه، كائنا من كان ، على أني لم أذق منذ ثلاث ليال ذواقا، فقال الراهب: لك ذلك.

فأمر بقلع باب صومعته، فقلع، فنزل فأكل ما أحب، وشرب ما اشتهى، ثم دخل مع أبي بكر بيتا، وأمر بغلق الباب، فلم يزل الصوفية والرهبان على باب البيت يرصدونهما، لا يسمعون لهما بحس أربعين يوما، فلما كان في اليوم الحادي والأربعين، سمعوا خشخشة الباب، وتعلق إنسان به، كأنه يجذبه، ففتحوا الباب، فإذا الراهب قد كاد يتلف جوعا وعطشا، وإذا هو يستغيث بهم إشارة، فسقوه، واتخذوا له خزيرة، فصبوها في حلقه، والفرغاني في كل ذلك قاعد في زاوية البيت ينظر إلى ما يصنعون.

فلما رجعت نفس الراهب إليه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا #803# عبده ورسوله، وقام أبو بكر مسرورا بذلك، وتناول شيئا من الطعام، وجعل يتكلم على ما كان في ذلك الغمر من النصارى، حتى أسلموا عن آخرهم، وقدم بغداد، ومعه الراهب ومن أسلم من أولئك النصارى.

فكان يقال: إن ذلك من أعظم فتح فتح على الإسلام بعد فتوح الصحابة.

صفحة ٨٠٠