496 - وأما الحسن، فما رأيت أحدا من الناس كان أطول حزنا منه، ما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك، ولا ندري لعل الله اطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منك شيئا، ويحك يا ابن آدم! هل لك بمحاربة الله من طاقة؟! إنه من عصى الله، فقد حاربه، والله! لقد أدركت سبعين بدريا أكثر لباسهم -يعني: الصوف-، لو رأيتموهم، لقلتم: #680# مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء عند الله من خلاق، ولو رأوا شراركم، لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب.
ولقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقواما عسى أن لا يجد أحدهم عشاء إلا قوتا، فيقول: (و) الله! لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله، فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه.
قال علقمة بن مرثد: فلما قدم عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن، والشعبي، فأمر لهما ببيت، فكانا فيه شهرا، أو نحوه، ثم إن الخصي غدا عليهما، وقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له، فسلم، ثم جلس معظما لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلي كتبا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته، عصيت الله، وإن عصيته، أطعت الله، فهل تريان لي في متابعتي إياه فرجا؟.
فقال الحسن: يا عامر! فأجب الأمير، فتلكم الشعبي، فانحط في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أيها الأمير! قد قال الشعبي ما قد سمعته، فقال: ما تقول أنت؟
فقال: أقول: يا عمر بن هبيرة! يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله، فظا غليظا، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة! إن تتق الله، يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله، يا عمر بن هبيرة! لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة! لقد أدركت ناسا من صدر هذه #681# الأمة كانوا -والله- على الدنيا وهي مقبلة أشد إقبالا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة، إني أخوفك مقاما خوفكه الله فقال: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}، يا عمر ابن هبيرة! إن تك مع الله على طاعته، كفاك الله بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله، وكلك الله إليه، فبكى عمر بن هبيرة، وقام بعبرته.
فلما كان من الغد، أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما، وكثر فيها للحسن، وكان في جائزة الشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا معشر الناس! من استطاع أن يؤثر الله على خلقه، فليفعل، فوالذي نفسي بيده! ما علم الحسن منه شيئا فجهلته، ولكني أردت وجه ابن هبيرة، فأقصاني الله منه، وكان الحسن مع الله في طاعته، فحباه وأدناه.
قال: فقام المغيرة بن مخادش ذات يوم إلى الحسن، قال: وكيف تصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال الحسن: والله! لأن تصحب أقواما يخوفونك (حتى تدرك) أمنا؛ خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف.
فقال له بعض القوم: أخبرنا بصفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فبكى، ثم قال: ظهرت منهم علامات الخير في السماء، والسمت والصدق، وخشعت ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ويطيب مطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وحصرهم بالطاعة لربهم، واستيفائهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطائهم الحق من أنفسهم العدو #682# والصديق، وبحفظهم في المنطق مخافة الوزر، ومسارعتهم في الخير رجاء الأجر، والاجتهاد لله، وكانوا أوصياء أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم لله عز وجل، واستحبوا سخط المخلوقين بسخط خالقهم، لم يفرطوا في غضب الله، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزوا حكم الله في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذكر الله، وثنائهم عليه حين استبصرهم، وبذلوا لله أموالهم حين استقرضهم، لم يكن خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم.
صفحة ٦٧٩